عناصر الخطبة
1/معية الملائكة للمؤمنين وآثارها 2/دفاع الملائكة عن المؤمنين من ثمرات معيتهم 3/من مظاهر دفاع الملائكة عن المؤمنين 4/أمور تتأذى منها الملائكةاقتباس
المؤمنون محاطون بالملائكة، أما الكفار فمحاطون بالشياطين، تقيل معهم وتصبح معهم، وتبيت معهم في فرشهم، وتشاركهم في أولادهم وأموالهم، وفي الوقت نفسه تفرّ الملائكة من بيوتهم لكثرة الفساد فيها، فأين يجدون التوفيق والهداية والرعاية والعناية والدفاع...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا بعده، أحسن خلقه وقضى قدره بكلمة واحدة، ويسّر شرعه وأنزل كتابه، فمن اتبعه جاء سعده ونال رفده، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وأعز رسله وأرفع عباده وأكرم أنبيائه، محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم-، أشرقت الدنيا بمقدمه، وفرحت الخلائق بمنعمه، وتعلمت من مكلمه ومعلمه، فهنيئاً لمن أحبه واتبعه فحق حمده.
إنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أما بعد:
عباد الله: ذكرنا كيف تؤيد الملائكة المؤمنين وتؤازرهم وتؤانسهم وتصلي عليهم؟ فالملائكة مع المؤمنين المصلين، ومع الذاكرين، ومع المصلين على النبي، ومع المعلمين للخير، ومع العائدين للمرضى، ومع الزائرين في الله، قال ابن القيم: "ليس أحد أنفعَ للعبد من صحبة الملَك له، وهو وليّه في يقظته ومنامه، وحياته، وعند موته، وفي قبره، ومؤنسُه في وحشته، وصاحبُه في خلوته، ومحدّثُه في سرّه، يحارب عنه عدوَّه، ويدافعه عنه، ويعينه عليه، ويعِدُه بالخير، ويبشّره به، ويحثّه على التصديق بالحقّ؛ كما جاء في الأثر : "إنّ لِلملَكِ بقلب ابن آدم لَمَّةً، وللشيطان لَمّةً؛ فلمّةُ الملَك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد، ولَمَّةُ الشيطان إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق"(رواه الترمذي)".
والملائكة -عليهم السلام- لهم دور آخر مع المؤمنين، وهو الدفاع عن المؤمنين ونصرة المؤمنين؛ فإن الله -سبحانه- ينصر أولياءه؛ كما قال -سبحانه-: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)[محمد: 7]، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)[الحج: 38]؛ يدافع بملائكته وجنده الذين لا يحصيهم إلا هو -سبحانه-.
فكيف تدافع الملائكة عن المؤمنين؟ ومتى؟.
أولاً: الملائكة يدافعون عن المؤمنين بتخذيل الكافرين: فإن هزيمة الكفار النفسية أول خطوة للهزيمة القتالية، ينهزمون بالاختلاف بينهم والانتقام من بعضهم البعض، والرعب في قلوبهم؛ كما قال -سبحانه-: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)[الأنفال: 12].
والله -سبحانه- يفتّ في عضد أعداء الله بملائكته؛ كما قال -سبحانه-: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى)[التوبة: 40]، ينفقون الأموال لعداوة الإسلام فلا تنفعهم؛ (فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)[الأنفال: 36]، وتكون الخاتمة للمؤمنين الصادقين؛ (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ)[آل عمران: 127].
وفرعون الذي طغى وبغى وألّه نفسه كان يريد الإيمان لما غرق، فمنعه الله منه؛ لأنه لا يستحقه فخذله الله، قال النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ -طين البحر- فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ"(رواه الترمذي)، وهكذا تبعد الملائكة الكفار عن التوفيق الذي لا يستحقونه، فتبعدهم عن النصر، والربح، والفرح، والغلبة، والإيمان.
ثانياً: الملائكة يدافعون عن المؤمنين بتسخير قواهم الجبارة للمؤمنين: فهذه الملائكة قلبت قرية قوم لوط رأساً على عقب، واقتلعتها من جذورها؛ كما قال الله -سبحانه-: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ)[الحجر: 74]، وقرية بومبي في إيطاليا التي دمّرها الله -سبحانه- بمعاصيهم، فتصلّب سكانها في أماكنهم وعلى هيئاتهم، بعذاب من عنده، ولا تزال جثثهم في أماكنها حتى الآن، ونصر الله -سبحانه- رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين بالملائكة؛ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)[التوبة: 40].
والبراكين والفيضانات والرياح والحرائق والأمراض وغيرها تدبّرها الملائكة بأمر الله -سبحانه-؛ كما قال -سبحانه-: (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا)[الصافات: 2]؛ أي: تزجر الكفار، وقال: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)[النازعات: 5]؛ تدبّر أمر الكون، وإضافةً لقدرات الملائكة الخارقة فعددهم يكفي لهزم أي جيش كافر بنفخة واحدة، ولو اجتمعت الشياطين كلها معه، قال -صلى الله عليه وسلم-: "يؤتى بجهنم يقودها لها سبعون ألف زمام، وعلى كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها"؛ أي: 4.900.000.000 فقط لجر النار!.
ثالثاً: الملائكة يدافعون عن المؤمنين بحضورهم مجالسهم وطرد أعدائهم الشياطين: كان رجل يسب أبابكر -رضي الله عنه- وأبو بكر ساكت، والنبي -صلى الله عليه وسلم- جالس لا يتكلم، فلما أعاد سكت أبوبكر، فلما عاد تكلم أبوبكر؛ فقام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتبعه أبوبكر -رضي الله عنه-، فقال له: لمَ قمت يا رسول الله؟ قال: "كان الملك يردّ عنك لما سكتّ، فلما تكلمت ذهب الملك وحضر الشيطان، وما كنت لأجلس مع الشيطان"(رواه أبوداود)؛ فالملائكة إذا حضرت طردت الوساوس والشر والجريمة.
رابعاً: الملائكة يدافعون عن المؤمنين بصدّ الأذى عنهم: كما دافع الله -سبحانه- عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة: 40]، ليس العنكبوت والحمامة، بل الملائكة التي لا ترونها.
خامساً: الملائكة يدافعون عن المؤمنين بتثبيتهم أمام الباطل، وحجب الشك والزيغ وكيد الأعداء عنهم، وتقوية الإيمان في قلوبهم، وهذا أعظم دفاع؛ كما قال الله -سبحانه-: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)[الأنفال: 12]، وقال -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)[فصلت: 30 - 31]، وإذا تولت الملائكة المؤمن فهو على صراط مستقيم.
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد: المؤمنون محاطون بالملائكة، أما الكفار فمحاطون بالشياطين، تقيل معهم وتصبح معهم، وتبيت معهم في فرشهم، وتشاركهم في أولادهم وأموالهم، وفي الوقت نفسه تفرّ الملائكة من بيوتهم لكثرة الفساد فيها، فأين يجدون التوفيق والهداية والرعاية والعناية والدفاع والحماية والقرب من الولاية؟!.
إذا دخلوا البيت وأكلوا لم يسموا، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله؛ قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه؛ قال: أدركتم المبيت والعشاء"(رواه مسلم).
بيوتهم مأوى لكلاب التسلية والصور، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير"(متفق عليه).
الأغاني والموسيقى تزعج الملائكة وتريح الشياطين، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
معاصيهم وفواحشهم تطرد الملائكة عن القرب من بيوتهم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلاً؛ من نتن ما جاء به"(رواه الترمذي).
وهذا آخر أنواع دفاع الملائكة عن المؤمنين، وهو تخلّيهم عن الكفار، وابتعادهم عنهم، وهجرهم، وتوكيلهم لأنفسهم الضعيفة الأمارة بالسوء، وتسليمهم لأعدائهم الشياطين يلعبون بهم كيف شاؤوا، وحسبك بهذا خذلاناً ووهناً.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم