دعوة ذي النون : منجاة وتأملات

حمزة بن فايع آل فتحي

2020-11-26 - 1442/04/11
عناصر الخطبة
1/حاجة نفوسنا لذكر الله -تعالى- 2/الذكر علاج للهموم والغموم 3/دعوة ذي النون وما تضمنته من المعاني العظيمة 4/نجاة يونس -عليه السلام-.

اقتباس

فسمعت الملائكةُ ذلك الصوت, وسمعت تسبيحَه العظيم لله -عز وجل-، وسألوا الله -تعالى- أن يُفرّج الضّيق عنه، وقالوا: "يا ربَّنا! ألا تشفع له أيام الرخاء والعمل الصالح؛ فتنجيه من البلاء"، قال: "بلى"...

الْخُطبَةُ الْأُولَى:

 

اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ كله، ولك الملكُ كله، وإليكَ المشتَكى، وبكَ المُستغاثُ، وأنتَ المستعانُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله؛ (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)[النمل: 62], أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبه, وسلم تسليمًا كثيرا.

 

أما بعد: فاتقوا اللهَ -يا مسلمون- وتفكّروا في أحوالكم، واعلموا أن التقوى سعادةٌ غامرة، ومن ورائها جنانا باهرة؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطلاق: 5].

 

فليس شيءٌ يَعدلُ ذكر اللهِ فرجًا وأنسا وسعادة؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد: 28], ونحنُ في أمسِ الحاجة إلى الذكر والخضوع، واللهجِ للواحد الأحد.

 

وفي حياتِنا الدنيا ما يستلزم ذلك، بل وفيها كروبٌ وخطوب, لا يحلها إلا ذكرُ الله, ولا يزحزحها إلا الاعتصامُ بهديه -سبحانه وتعالى-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[البقرة: 152].

 

وانظروا إلى نبي الله يونس -عليه السلام-، خرج من قومه مغاضبًا, ولم يستأذن اللهَ -تعالى-؛ فعتبَ اللهُ عليه, فابتلاه بالبحر والحوت والفلك؛ كما قال: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ)[الأنبياء: 87], فكانت ظلماتٍ شديدات, مطبقةً عليه, وفي موضع آخر؛ (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ)[الصافات: 142], فاستشعر هذه القصة، وكأنك في بلوى مُدلهمة، أو في عنتٍ شديد؛ فكيف تتصرفُ حينها؟! وما المخرج؟! وكيف الحلولُ والسبيل إليها؟!.

 

ظلماتٌ فتاكة، وابتلاءاتٌ خانقة، ولحظاتٌ يتمنى كل واحد منا النجاةَ منها!, فنادى هنالك ذاكرًا ربَّه، ومسبِّحا مصلياً, وتائبا آئبا, وردد: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)[الأنبياء: 87].

 

ولازِم بابَهُ قَرعًا عَساهُ *** سيفتحُ بابهُ لك إن قرعتا

‏وأكثِر ذِكره في الأرض دأبًا *** لِتُذكَرَ في السَّماءِ إذا ذَكرتا

 

فأديموا ذكرَ الله، وعلّقوا قلوبَكم بحبه وشكره، وأغيثوا نبضَكم بحمدِه والتوكل عليه, جاء في الحديث الصحيح عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ -إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ-: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ, فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ؛ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ"(رواه الترمذي وغيره) .

 

"لمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ"؛ فحضّر حوائجَك, وجهّز مطالبَك، وتوكل على ربك، والهجْ له ذاكرا مستغفرا .

 

"لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"؛ توحيدٌ خالص, واعتماد مجرد من كل شائبة.

 

"سُبْحَانَكَ"؛ تنزيهٌ لله من كل الآفات والعيوب؛ (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)[الروم: 17].

 

"مِنَ الظَّالِمِينَ"؛ اعترافٌ بالذنب، وإقرارٌ بالخطيئة, فأنت ولدُ آدم, وطبيعتنا الهفوةُ والتقصير، ومخلوقون هنا للابتلاء؛ (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الملك: 2].

 

قال -تعالى-: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)[الأنبياء: 87], فسمعت الملائكةُ ذلك الصوت, وسمعت تسبيحَه العظيم لله -عز وجل-، وسألوا الله -تعالى- أن يُفرّج الضّيق عنه، وقالوا: "يا ربَّنا! ألا تشفع له أيام الرخاء والعمل الصالح؛ فتنجيه من البلاء"، قال: "بلى"، فأمر الحوت, فنفضه إلى العراء؛ أي: مكانا خاليًا.

 

فاستجاب الله -تعالى- دعاءهُ، ونجّاه من الغمّ، والكرب، والضّيق الذي وقع فيه؛ لأنّه كان من المُسبّحين, وأمر الله -تعالى- الحوت أن يُلقيه في البرّ، فألقاهُ الحوت في العراء، وهو المكان القفر الذي ليس فيه أشجارٌ، والأرض التي لا يُتوارى فيه بشجرٍ ولا بغيره، وكان يونس -عليه السلام- مريضاً ضعيفاً، وقد مكث نبي الله يونس -عليه الصّلاة والسّلام- في بطن الحوتِ، قيل: ثلاثة أيّام، وقيل: سبعة أيّام، وقيل غير ذلك.

 

ولولا أنّه سبّح الله وهو في بطن الحوت, للبث في بطن الحُوت إلى يوم القيامة, قال الله -تبارك وتعالى-: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)[الصافات: 139 - 148].

 

فتعلّموا -يا مسلمون- من يونسَ وبلائه, وتعلموا منه ومن ذكرِه، وتعلموا من دعائه واستغاثته؛ (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)[الأنبياء: 88]؛ فهي عامةٌ لكل مؤمن مخلص.

 

اللهم آتِ نفوسنا تقواها, وزكها أنت خير من زكاها, أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ رَبُّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

 

الحمدُ لله رب العالمين، ولي الصالحين, والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين, وصلّى الله وسلم على المبعوث رحمةً للعالمين, نبينا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

 

وبعد: فاتقوا ربَّكم -يا مسلمون-, وتعلّموا ذلك الهديَ المحكم, والتوحيدَ الملزِم, والمسلكَ الأكرم, وانظروا قوةَ الله وقدرته، وكيف يحفظ عباده؟!، وأن المُلكَ له أولًا وآخراً, وأن رحماته سابغة, وألطافَه خفية.

 

وخذوا لكروباتكم من هذا الدعاء، ومن هذه المنجيةِ العميقة، وذلك التسبيح العجيب؛ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)[الأنبياء: 87].

 

فوحدِ اللهَ بها، وسبّحه معتقدا أحسنَ التسبيح، واعترفْ مقرا بالذنب والخطيئة, فمن أنت في كون الله وحكمته؟!.

 

وحطّمِ الكروبَ بهذا الذكر العظيم، وسارع إلى مرضاة الله، ولا تُعط الدنيا أكبرَ من حجمها؛ فما ضخّمها إلا جهلُنا وضعفُ توحيدِنا!.

 

(لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)[الأنبياء: 87]؛ تعلّمها وعلّم أبناءك, واستعصم بمعناها وهدايتها, واعلم أن وراءها منجاةً وفتوحات نادرة!.

 

وصلوا وسلموا -يا مسلمون- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة, اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ؛ (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

المرفقات

دعوة ذي النون منجاة وتأملات

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات