درس من الحديبية

يحيى جبران جباري

2021-01-01 - 1442/05/17 2021-01-17 - 1442/06/04
عناصر الخطبة
1/وجوب الاهتداء بالنبي والاقتداء بالصحابة 2/خروج النبي وأصحابه إلى مكة للعمرة 3/بيعة الرضوان وسببها 4/صلح الحديبية وشروطه 5/موقف عمر من شروط الصلح 6/من دروس الصلح التربوية.

اقتباس

التنازل ليس ضعفا, ولو كنت على حق؛ بل هو قوة وصفة عظيمة, قلَّ من يتصف بها, وإلا فمن أقوى من رسول الله, وناصره هو الله, أخبر بهذا الخبر كلَ أخ يشاحن أخاه, وكل جار لا يتنازل لجاره بموقف لسيارته ابتغاه, وقل لمحبي الحرث: كم قطع أحدهم رحمه بسبب..

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله (الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[التوبة: 33]، أحمده -سبحانه- وأشكره عدد ما ينطق خلق وما يسمعون, وأستعينه وأستهديه وأستغفره, وهو الغفار لمن يتوبون, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, المتم لنوره ولو كره الكافرون، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله المبعوث رحمة للعالمين, صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

ثم أما بعد: فأوصيكم -أيها المسلمون- ونفسي المقصرة بتقوى الله رب العالمين, والعمل بما جاء في كتابه المبين, وفي سنة خير المرسلين؛ فمن علمهما وعمل بهما كان من الناجين؛ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أيها الناس: إن المريد للتذكرة والباحث عن الموعظة, يجدها بين طيات السيرة النبوية الصحيحة؛ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الفتح: 29], وقد جاء في السنة بأنه لا نجاة لأهل هذه الأمة إلا إذا ساروا على ما كان عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

 

وسأذكر واقعة من السيرة يتوقف عندها اللب والفؤاد, وفيها من دروس الوعظ وفوائد الإرشاد ما ينتفع به الأشهاد؛ عزم النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة السادسة للهجرة على العمرة, وخرج من المدينة ومعه ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار, وسأسرد ذلك باختصار.

 

أحرموا بالعمرة من ذي الحليفة, وساروا حتى بلغوا منطقة اسمها الحديبية -تبعد عن مكة بضعا وعشرين كيلا-, نزلوا بها وأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- عثمان بن عفان -رضي الله عنه-؛ ليدعو قريشا إلى الإسلام, ويخبرهم بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يريدون العمرة ولم يأتوا للقتال, وأمره بأن يبشر قوما في مكة بأن فتح الله قريب.

 

وصل عثمان وبلغ ما به أمر, واحتبسته قريش فتأخر, فذاع خبر بأنه قتل, فجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- من معه تحت الشجرة, وبايعوه على أن لا يفروا؛ (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)[الفتح: 18], وهذه بيعة الرضوان, إلا أن خبر قتل عثمان لم يكن صحيحا.

 

وأرسلت قريش برق الصلح مع عروة بن مسعود الثقفي, فرجع إلى أصحابه، فقال: "أي قوم!, والله لقد وفدت على الملوك؛ كسرى وقيصر والنجاشي, والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له"، ثم قال: "وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها".

 

ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قد سهل لكم أمركم"، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فتكلم سهيل طويلاً, ثم اتفقا على شروط الصلح, ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب فقال له: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم", فقال سهيل: أما الرحمن، فما أدري ما هو؟, ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب, فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال:  "اكتب: باسمك اللهم", ثم قال:  "اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله", فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: "إني رسول الله وإن كذبتموني, اكتب محمد بن عبد الله".

 

ثم تمت كتابة الصحيفة على الشروط الآتية: أن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه, ويمنعوا الحرب لمدة عشر سنين, وأن يعود المسلمون ذلك العام على أن يدخلوا مكة معتمرين في العام المقبل, ثم عدم الاعتداء على أي قبيلة أو على بعض مهما كانت الأسباب, وأن يرد المسلمون من يأتيهم من قريش مسلما بدون إذن وليه, وأن لا ترد قريش من يعود إليها من المسلمين.

 

فلما فرغ من قضية الكتاب، قال محمد -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا"، وما قام منهم رجل، حتى قالها ثلاث مرات, فلما لم يقم منهم أحد، قام ولم يكلم أحداً منهم, حتى نحر بدنه ودعا حالقه؛ فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق لبعض, حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غما.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى, وصلاة وسلاما على النبي المصطفى, وبعد:

 

يا من للحق اقتفى: اتق الله؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)[الطلاق: 2].

 

عباد الله: بعد ما سمعتم, جاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يشتاط غضبا, فقال: "يا رسول الله! أولسنا على الحق وهم على الباطل؟!", قال: "بلى", قال: أوليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟!, قال: "بلى", قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا, ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟!, قال: "يا بن الخطاب!؛ إني رسول الله, ولن يضيعني الله أبدا".

 

فخرج عمر مغتاظا, وذهب إلى أبي بكر, فقال له ما قاله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فقال له أبوبكر: "إنه رسول الله؛ ولن يضيعه الله أبدا", فنزل القرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالفتح, فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه, فقال: يا رسول الله!, أو فتح هو؟!, قال: "نعم", فطابت نفسه ورجع.

 

هنا لزام أن نعلم بأن التنازل ليس ضعفا, ولو كنت على حق؛ بل هو قوة وصفة عظيمة, قلَّ من يتصف بها, وإلا فمن أقوى من رسول الله, وناصره هو الله!.

 

أخبر بهذا الخبر كلَ أخ يشاحن أخاه, وكل جار لا يتنازل لجاره بموقف لسيارته ابتغاه, وقل لمحبي الحرث: كم قطع أحدهم رحمه؛ بسبب أذرع من أرض!, الله بالحق أعطاه, وقس على ذلك كثيرا ممن باع آخرته بدنياه.!

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم؛ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وَقَالَ ‏-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا"(رَوَاهُ مُسْلِم).

المرفقات

درس من الحديبية.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات