درجات الجنة ووصف أهلها

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-04-25 - 1435/06/25
التصنيفات: الحياة الآخرة
عناصر الخطبة
1/ تفاضل أهل الجنة في المنازل والدرجات 2/أعلى درجات الجنة وأعظمها 3/من نعيم أهل الجنة 4/صفة استقبال أهل الجنة   5/أول الأمم تدخل الجنة 6/سبق أمة محمد يوم القيامة

اقتباس

إن أعلى درجات الجنة هو الفردوس الأعلى، وهو أوسط الجنة وأعلاها وسقفه عرش الرحمن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، جعل الفردوس لعباده المؤمنين نُزُلاً؛ فلم يتخذ السالكون إلى الله سواها شُغلاً، وسهل لهم سُبلها، فلم يسلكوا سواها سُبلاً، خلقها قبل أن يخلقهم، وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم، وحفَّها بالمكاره ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأودعها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفوق ذلك فهم, (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [الكهف: 108].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

 

عباد الله: يقدم المرء على ربه وحيداً فريداً كما خلقه أول مرة، ليس معه شيء غير عمله الصالح أو السيئ، وفي ذلك اليوم يتفاضل الصالحون بأعمالهم الصالحة في درجات الجنة، ويتهاوى المذنبون في دركات النار، والعياذ بالله.

 

أيها الإخوة الكرام: إن أهل الجنة ليسوا سواء كلهم في الجنة، بل هم متفاضلون في درجاتها، فمنهم من يكون في أعلاها درجةً مع أفضل البشر، ومنهم من يكون دون ذلك، كلّ بحسب عمله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ الْمَشْرِقِ أوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ". قالوا: يَا رَسُولَ الله تِلْكَ مَنَازِلُ الأنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قال: "بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِالله وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" [أخرجه البخاري: 3256، ومسلم :2831] ففي هذا الحديث بيان برفعة درجات بعض أهل الجنة عن بعضهم.

 

ومما يزيد الأمر وضوحًا وتأكيدًا ويبين أن الجنة درجات بحسب العمل في الدنيا ما صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ –أُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ" [أخرجه البخاري 2790].

 

أيها الإخوة: إن القرب من الله العظيم في الآخرة، ونيل الدرجات العالية في الجنة، مرهون بالعمل الصالح، قال -صلى الله عليه وسلم-: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ، فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً، حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ" [أخرجه أبو داود: 1464 ، والترمذي: 2914 وصححه الألباني]. أسأل الله أن يرزقني وإياكم الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل.

 

أيها الإخوة: إن أعلى درجات الجنة هو الفردوس الأعلى، وهو أوسط الجنة وأعلاها وسقفه عرش الرحمن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ -أُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ" [أخرجه البخاري 2790].

 

أيها الفضلاء: وإن أعلى منزلة في الجنة هي الوسيلة، وهي التي خص الله بها نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم-, وسميت وسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى العرش, فهي أقرب الدرجات إلى الله -عزَّ وجلَّ-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأرْجُو أنْ أكُونَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة" [أخرجه مسلم 2790]، فهل نحافظ على هذا الذكر بعد الأذان، وهل نكثر من الصلاة والسلام على نبينا ونسأل الله له الوسيلة، سامحني الله وإياكم على تقصيرنا.

 

أيها المسلمون: وإذا دخل المسلمون الجنة، فإن منهم من يكون في أعلى أهل الجنة منزلة، ومنهم من يكون في أدناها منزلة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَألَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قال: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأخَذُوا أخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ!.

 

قال: رَبِّ! فَأعْلاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قال: أولَئِكَ الَّذِينَ أرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" قال: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17]" [أخرجه مسلم 2790] والله إن اللسان ليعجز عن التعبير بعد هذا الكلام الرائع، اسمع؛ أولَئِكَ الَّذِينَ أرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ, أين نحن من هؤلاء؟! هل عملنا صالحًا يؤهلنا لأن ندخل مدخلهم وننزل منازلهم؟!! الله المستعان.

 

عباد الله: ويزيد النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر توضيحًا فيقول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ آخِرَ أهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ الْجَنَّةُ مَلأى، فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ: الْجَنَّةُ مَلأى، فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرَارٍ" [أخرجه البخاري: 7511، ومسلم: 186] أين من ينافس على قصر! أو فيلا ! أو أرض! أو امرأة أو مال، هذا آخر من يدخل الجنة له مثل الدنيا عشر مرات، سبحان الملك الوهاب.

 

عباد الله: والجنة واسعة جداً عالية مرتفعة، واسعة المساحة، عالية المكان، قال الله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21]، وقال الله تعالى يصف أحوال السعداء من عباده في الجنة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً) [الغاشية: 8-11].

 

وهم في هذا النعيم متفاضلون في القصور والدور والمنزلة، قال الله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان: 20]، وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [العنكبوت: 58]، وقال الله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) [الزمر: 20] تأمل غرف من فوقها غرف!  اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وأصلحنا لكي نصلح أن نكون إلى جوارك في الجنة، يا رب العالمين.

 

عباد الله: وأكثر أهل الجنة هم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أتَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الْجَنَّةِ؟". قال قُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: "أتَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الْجَنَّةِ". فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الْجَنَّةِ وَذَاكَ أنَّ الْجَنَّةَ، لا يَدْخُلُهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أنْتُمْ فِي أهْلِ الشِّرْكِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ" [أخرجه البخاري : 6528، ومسلم: 221].

 

وأكّد النبي -صلى الله عليه وسلم- على أفضلية هذه الأمة في الجنة وعلو كعبها على من سواها من الأمم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ" [صحيح سنن الترمذي: 2065]، فقد رجا -صلى الله عليه وسلم- أن تكون أمته شطر أهل الجنة فأعطاه الله رجاءه, ثم زاده إلى الثلثين, وفضل الله واسع, والله ذو الفضل العظيم.

 

أيها الفضلاء: إن النعيم والطعام والشراب في الدنيا دون حُسن استقبال لا يُساغ ولا يُطاق، وإن من نعيم الجنة: حُسن استقبال أهلها، فإن الملائكة وخزنة الجنة تستقبل المؤمنين بالبشر والثناء والسلام، قال الله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: 73]، وقال الله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 23، 24]، وتؤمنهم الملائكة وتبشرهم، قال الله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: 103].

 

أيها المسلمون: من المسلمين من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَأجدُ النَّبِيَّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لا، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لا يَكْتَوُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" [أخرجه البخاري: 6541 ، ومسلم: 220].

 

ليس هذا فقط بل فضل الله واسع، قال -صلى الله عليه وسلم- : "وَعَدَنِي رَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهمْ وَلَا عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ" [صحيح سنن الترمذي: 1984].

 

وبشر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بسعة رحمة الله تعالى ومغفرته للعاملين والصالحين من عباده، وأنه يتلقاهم ببره فيجمّل صورهم ويدخلهم جنته الواسعة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفاً، أوْ سَبْعُمِائَةِ ألْفٍ -لا يَدْرِي أبُو حَازِمٍ أيُّهُمَا قَالَ- مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، لا يَدْخُلُ أوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" [أخرجه البخاري: 6554، ومسلم: 219].

 

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله العلي الأعلى الكامل في الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليمًا.

 

أما بعد:

 

فيا أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن الأعمار تُطوى، والأجيال تُفنى، والآجال تقضى، فاعملوا صالحًا لتلقوا الله غدًا وهو راضٍ عنكم فيدخلكم جناته الواسعة، وينجيكم من كربات يوم القيامة.

 

عباد الله: إن أول الأمم تدخل الجنة هي أمة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ" [أخرجه البخاري: 876، ومسلم: 855]، فهذه الأمة أسبق الأمم خروجاً من الأرض بعد البعث, وأسبقهم إلى أعلى مكان في مواقف الحشر, وأسبقهم إلى ظل العرش, وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم, وأسبقهم إلى المرور على الصراط المستقيم, وأسبقهم إلى دخول الجنة, وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة هو أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- خير العالمين بعد الأنبياء والمرسلين.

 

ويدخل المسلمون الجنة على صورة حسنة جميلة، فأول جماعة يدخلون الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَتْفِلُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ، أمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأُلُوَّةُ -الألنْجُوجُ: عُودُ الطِّيبِ-وَأزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [أخرجه البخاري: 3327، ومسلم: 2834]. ويسبق الفقراء الأغنياء إلى دخول الجنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فُقَرَاءَ المهاجرين يَسْبِقُونَ الأغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأرْبَعِينَ خَرِيفًا" [أخرجه مسلم 2979].

 

وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبق بأربعين سنة، ومنهم من يسبق بخمسمائة سنة، كما يتأخر مكث العصاة في النار بحسب جرائمهم، لكن لا يلزم من سبق الفقراء في الدخول ارتفاع منازلهم على الأغنياء، قال -صلى الله عليه وسلم- : "يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ". [أخرجه أحمد: 8521، و الترمذي: 2354]، والفضل لله سبحانه يؤتيه من يشاء من عباده.

 

واعلموا -أيها الإخوة الكرام, نضر الله وجوهكم- أن وجوه أهل الجنة نضرة جميلة، فهي بيضاء, ناعمة, ناضرة, مسفرة, ضاحكة, مستبشرة، قال الله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران: 107]، وقال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ) [الغاشية: 8-10]، وسر جمالها نظرها إلى وجه ربها الجليل الجميل -سبحانه-، قال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22، 23].

 

ولذلك يشع النور والبِشْر والسرور من وجوههم، قال الله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين: 22-24]، فهي وجوه ضاحكة، قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) [عبس: 38، 39] نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.

 

وتأمل معي جمالهم وعظيم مكانتهم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلا تَحَاسُدَ" [أخرجه البخاري: 3254، ومسلم: 2834].

 

عباد الله: والجنة درجات، وهي من الكثرة والتفاوت بحيث لا يعلم عظمها وتباهيها إلا الله -عزَّ وجلَّ-، ودرجات الجنة بعضها فوق بعض، قال الله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [الإسراء: 21]، وقال الله تعالى: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) [طه: 75، 76] فمن أتى ربه مؤمنًا به صالحًا في عمله؛ نجاه الله وقبله ورفعه في درجات الجنة.

 

وقد ذكر الله بعض أعمال الصالحين وأحوالهم التي أهلتهم لنيل تلك الدرجات العلى، فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 2-4]، نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم؛ إنه جواد كريم.

 

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا, ولا مبلغ علمنا, ولا إلى النار مصيرنا, واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.

 

 

 

 

 

المرفقات

الجنة ووصف أهلها

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات