داء الأمم

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2015-11-29 - 1437/02/17
التصنيفات: الحياة الدنيا
عناصر الخطبة
1/ قيمة الدنيا 2/ تحذير النبي الكريم أمته من داء الأمم 3/ التعلق بالدنيا سببُ داءِ الأمم أمراضِ القلوب 4/ التعريف بتلك الأمراض 5/ الحذر والتوقي منها 6/ تناميها حتى ملاحم آخر الزمان
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

وَالْبَطَرُ، وَالتَّكَاثُرُ، وَالتَّنَاجُشُ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ؛ حَتَّى يَكُونَ الْبَغْيُ".

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيُّه وخليه، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، ما ترك خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شرًا إلا حذَّرها منه؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أمَّا بعد: أيها المؤمنون عباد الله، اتقوا الله -تعالى-، وراقبوه -سبحانه- في الغيب والشهادة، والسر والعلانية، مراقبة من يعلم أن ربَّه يسمعُه ويراه.

 

أيها المؤمنون: الدنيا متاعٌ زائل؛ يغُر أهله ويُفتنون بها وهم عنها زائلون، لا تبقى لهم ولا يبقون لها، وكم وكم أهلكت من أقوامٍ بتكالبهم عليها، وافتتانهم بها، وجعْلها أكبر همهم ومبلغ علمهم!.

 

بل -يا عباد الله- تولَّدت في الناس من قديم الزمان أمراضٌ خطيرة، وأدواء فتّاكة، لا تزال باقيةً في الناس بسبب هذه الدنيا والتكالب عليها؛ روى الحاكم في مستدركه بإسنادٍ ثابت من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "سَيُصِيبُ أُمَّتِي دَاءُ الْأُمَمِ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا دَاءُ الْأُمَمِ؟ قَالَ: " الْأَشَرُ، وَالْبَطَرُ، وَالتَّكَاثُرُ، وَالتَّنَاجُشُ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ؛ حَتَّى يَكُونَ الْبَغْيُ".

 

فتأمل -رعاك الله- في هذه الأدواء الخطيرة والأمراض الفتاكة؛ فكم فتكت بأمم وأمم قبل أمة محمد -عليه الصلاة والسلام-! وكم أوردتهم من موارد ومهالك! وكم أوصلتهم إلى معاطب! ويخبر نبينا -عليه الصلاة والسلام- أن تلك الأدواء التي أصابت من قبلنا ستصيب هذه الأمة: "سَيُصِيبُ أُمَّتِي دَاءُ الْأُمَمِ"؛ وهذا -يا عباد الله- خبرٌ خرج مخرج التحذير والإنذار، وهو علَمٌ من أعلام النبوة، وآيةٌ من آيات الرسالة، فإن ما أخبر به -عليه الصلاة والسلام- وقع طبقًا لما أخبر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

 

أيها المؤمنون عباد الله: وكل عبدٍ ناصح لنفسه إذا سمع هذا الحديث وقف موقف الحذِر من أن يصاب بهذه الأدواء المعطِبة والأمراض المهلِكة التي أخبر الصادق المصدوق -عليه الصلاة والسلام- أنها ستصيب هذه الأمة محذِّرا ومنذرا، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وجميع هذه الأدواء -يا معاشر المؤمنين- تتولد من التكالب على الدنيا والافتتان بها وزخرفها والانكباب عليها؛ طمعًا في جمعها وتحصيلها، مع غفلةٍ عما خُلق العبد لأجله وأوجد لتحقيقه، فينصرف كثير من الناس إلى أن تصبح حالهم ولا همَّ لهم إلا الدنيا، ولا مطمع لهم في الآخرة.

 

أيها المؤمنون عباد الله: و«الأشر»: كفران النعم، و«البطر»: الطغيان عند وجودها، و«التكاثر»: التفاخر بكثرة الأموال والأولاد والزخرف، و«التناجش في الدنيا»: بسبب التكالب عليها والطمع فيها، و«التباغض»: التعادي والتدابر والتقاطع، و«التحاسد»: تمني زوال النعم عن الآخرين، والحاسد عدو نعمة الله.

 

ثم يتولد عن مجموع هذه الأدواء وقوع البغي بتجاوز الحد، حتى إنَّ الإنسان إذا استشرى فيه البغي لا يبالي فربما أراق دماءً معصومة، وهتك أمورًا محرمة، وتعدى على أموالٍ محترمة، دون مبالاةٍ ولا خوف من عقاب.

 

أيها المؤمنون عباد الله: إن الواجب على كل مسلم أن يحرص على السلامة من هذه الأدواء حرصًا أشد من حرصه على السلامة من أدواء البدن وأمراضه؛ فإن أدواء القلوب أخطر، ومغبتها وسوء عاقبتها أعظم، وليجاهد المرء نفسه على سلامة قلبه من هذه الأدواء المعطبة، وليسأل ربه ومولاه أن يزكي قلبه، وأن يصلح نفسه، وأن يؤتي نفسه تقواها، فإنه -تبارك وتعالى- وليها مولاها، ولا عاصم ولا مسلِّم من هذه الأهواء إلا رب العالمين، جلَّ في علاه.

 

أصلح الله قلوبنا أجمعين، وهدانا إليه صراطا مستقيما، وأعاذنا من أمراض القلوب وأسقامها، وجمعنا على الحق والهدى، إنه سميع قريب مجيب.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: أيها المؤمنون عباد الله: اتقوا الله تعالى؛ فإنَّ في تقوى الله -جل وعلا- خلفًا من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف.

 

أيها المؤمنون: إن للعبد ربًا هو ملاقيه، وبيتًا هو ساكنه؛ فليسترضِ ربه قبل أن يلقاه، وليعْمُر بيته قبل أن ينتقل إليه، وليحذر من الاغترار بهذه الدنيا الفانية.

 

عباد الله: وتبقى تلك الأدواء متزايدةً متنامية في الناس ما تكالبوا على الدنيا وفُتنوا بها، وما تكاثرت ووجدت بين أيديهم، وتستمر هذه الأدواء باقيةً في الناس غير منفكة عنهم ولا منفكين عنها إلا من سلَّمه الله -تبارك وتعالى-، ولا تنتهي إلا في أواخر الزمان، وتحديدًا عند نزول -عيسى عليه السلام-؛ روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَاللهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا؛ فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ"، وهذا علَمٌ آخر من أعلام نبوة نبينا الكريم -عليه الصلاة والسلام-؛ فأخبر عن هذه الأدواء عن مبدئها ومنتهاها.

 

سلَّمنا الله أجمعين، ووقانا بما وقى به عباده الصالحين، وهدانا إليه صراطًا مستقيما.

 

وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".

 

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.

وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم كن لهم ناصرًا ومُعينا وحافظًا ومؤيدا، اللهم وعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.

 

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال، وصالح الأعمال.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

 

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وبأنك أنت الله لا إله إلا أنت يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أن تسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! اللهم إنا نسألك غيثًا مغيثا، هنيئًا مريئا، سحًا طبقا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا عذاب ولا غرق. 

 

اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

المرفقات

الأمم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات