خير أمة

حسين بن علي بن محفوظ

2014-04-26 - 1435/06/26
عناصر الخطبة
1/ نصوص تبين فضل الصحابة من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح 2/ توقيرُ المسلمِ الحقِّ لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم واعتزازه بهم وحبه لهم

اقتباس

وبعدَ هذه الآياتِ المباركاتِ لا أظن أنّ مسلماً يعتز بإسلامه وإيمانه يستطيع أن يُطلق العنان للسانه لينال من تلك المقامات الرفيعة، التي اختارها الله -تعالى- لتكون الشاهدَ على كتابه, إذ بهم أوصل الله دينَه إلينا، فهم معية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يسوؤه ما يسوؤهم، ويسره ما يسرهم, وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده، باذلين أنفسَهم وأموالهم...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

عباد الله: حديثي معكم اليوم عن خيرِ جيلٍ عرفته البشرية، جيلٍ قرآنيٍّ فريد، اختارهم الله لصحبةِ نبيه، واصطفاهم لنصرةِ دينه، ورفع قدْرَهم في العالمين.

 

قومٌ إذا حاربوا ضروا عدوَّهمُ *** أوْ حاوَلُوا النّفْعَ في أشياعِهِمْ نَفعوا

إن كان في الناس سباقون بعدهمُ *** فكلُّ سبقٍ لأدنى سبقهمْ تبعُ

أعِفّة ٌ ذُكِرَتْ في الوَحيِ عِفّتُهُمْ *** لا يَطْمَعونَ، ولا يُرْديهمُ الطّمَعُ

أعطوا نبيَّ الهدى والبرّ طاعتَهمْ *** فمَا وَنَى نَصْرُهُمْ عنْهُ وَما نَزَعُوا

أكرمْ بقومٍ رسولُ اللهِ شيعتُهمْ *** إذا تفرّقَتِ الأهْوَاءُ والشِّيَعُ

فإنّهُمْ أفضَلُ الأْحْيَاء كلّهِمِ *** إنْ جَدّ بالنّاسِ جِدُّ القوْل أوْ شمعوا

 

إنهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، الذين نطقت وتواترت النصوص بفضلهم من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالحين.

 

فمن كتاب الله -تعالى- قولُه -عز وجل-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...) [آل عمران:110]، وأكثر العلماء على أن المرادَ بهذه الآية هم المخاطبون عند نزولِ الوحي، وهم صحابةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

وقوله -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:8-10].

 

ولو لم يأتِ ذكرُ الصحابة -رضي الله عنهم- في القرآن الكريم إلا في هذه الآياتِ الثلاثِ لكانت كافيةً لهم في الدنيا والآخرة, كافيةً لمن يأتي بعدهم في اتخاذ الموقفِ النبيل تُجاهَ من أكرمه الله -تعالى-.

 

معشر المؤمنين: وبعدَ هذه الآياتِ المباركاتِ لا أظن أنّ مسلماً يعتز بإسلامه وإيمانه يستطيع أن يُطلق العنان للسانه لينال من تلك المقامات الرفيعة، التي اختارها الله -تعالى- لتكون الشاهدَ على كتابه, إذ بهم أوصل الله دينَه إلينا، فهم معية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يسوؤه ما يسوؤهم، ويسره ما يسرهم, وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده، باذلين أنفسَهم وأموالهم...

 

ولقد اشتملت السنةُ النبويةُ على أحاديثَ كثيرةٍ تشهدُ بفضل الصحابة -رضي الله عنهم- وتنص على احترامِهم وإكبارهم.

 

 والأحاديثُ التي تتحدث عن الصحابة -رضي الله عنهم- على نوعين: الأول يذكر الصحابةَ -رضي الله عنهم- بشكل عام دونما تخصيص، والنوع الثاني: يمثل خصوصيات لبعض أفراد الصحابة -رضي الله عنهم- المحيطين برسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو الذين لهم مواقفُ معلومةٌ أو صفاتٌ معينة.

 

وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل في كتابه (فضائل الصحابة) ما يقارب الألفي حديث من تلك النصوص, لكننا سنكتفي بطرف منها.

 

فمن تلك النصوص قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" رواه البخاري ومسلم.

 

وعنه -رضي الله عنه- أيضاً قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ -جماعة- من الناس فيقولون: هل فيكم مَن صاحبَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فيقولون نعم، فيفتح لهم, ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس فيقال: هل فيكم مَن صاحب أصحابَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فيقولون نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس فيقال: هل فيكم مَن صاحب من صاحبَ أصحابَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فيقولون: نعم؛ فيفتح لهم" رواه البخاري.

 

وعن أبي بردة عن أبيه قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "النجومُ أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماءَ ما توعد, وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" رواه مسلم.

 

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خير الناسِ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يجيءُ قومٌ تسبق شهادةُ أحدهم يمينه ويمينُه شهادته" رواه البخاري.

 

هذا طرف من الأحاديث الكثيرة التي تشير إلى مكانة الصحابة -رضي الله عنهم- عند الله -تبارك وتعالى-، وعند نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

 

إنهم (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب:23].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

بعد أن عرضنا جانباً من الآيات القرآنية الكريمة التي شهدت للصحابة -رضي الله عنهم- بحسن السريرة وعلو المنزلة، وثنينا بعد ذلك بطائفة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تمجد الصحابةَ-رضي الله عنهم-, أرى من المناسب أن نقتبس بعضَ الأنوار من خلال الأقوال الكثيرةِ لعلماءِ الأمة وسلفها الصالح التي قيلت بحق الصحابة -رضي الله عنهم-.

 

فعن سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى- أنه قال: "من طعن في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو صاحب هوى".

 

وقال الإمام أبو زرعة الرازي: "إذا رأيتَ الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحابِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق, لأنَّ الرسولَ-صلى الله عليه وسلم- عندنا حق، والقرآنَ حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتابَ والسنة، والجَرحُ بهم أولى وهم زنادقة".

 

وقال النووي: "الصحابة -رضي الله عنهم- كلهم عدول، من لابسَ الفتن وغيرهم، بإجماعِ من يعتد به".

 

وقال القاضي أبو يعلى: "من قذف عائشة مما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وحكى الإجماع على هذا غير واحد".

 

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- موضحاً دور الصحابة -رضي الله عنهم- وجهادهم في نشر الإسلام وإرساء دعائمه: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بصحبةٍ آثروه على الأنفسِ والأموال، وبذلوا النفوسَ دونه في كل حال، ووصفهم في كتابه فقال: (رحماءُ بينهم)، فقاموا بمعالم الدين، وناصحو الاجتهادَ للمسلمين، حتى تهذبت طرقُه وأسبابُه، وظهرت آلاءُ الله، واستقر دينه, ووضحت أعلامُه.

 

وأذل الله بهم الشركَ، وأزال رؤوسَه، ومحا دعائمَه، وصارت كلمةُ الله هي العليا وكلمةُ الذين كفروا السفلى.

 

فصلواتُ الله ورحمته وبركاته على تلك النفوسِ الزاكيةِ، والأرواح الطاهرة العالية, فقد كانوا في الحياة أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، وصلوا إلى الآخرةِ قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها. انتهى كلام ابن عباس رضي الله عنهما.

 

عباد الله: لعلي أكتفي بهذا القدر من فضائلهم، وسأخص بعضَهم بالحديث في خطب قادمة بتوفيق الله -تعالى- ومعونته.

 

أسأل الله أن يحشرني وإياكم معهم، وأن يثبتنا على طريقهم، وأن يلحقنا بهم في عليين.

 

اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عملٍ يقرب إلى حبك...

 

 

 

 

 

 

المرفقات

أمة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات