عدنان معتوق
كباحث في مجال علم النفس الاجتماعي، أكاد ألا أتوقف عن الملاحظة المقصودة لتفاعلات البشر والمخلوقات من حولي. هذه الملاحظات تساعدني في سبر أغوار هذا الإنسان بالغ التعقيد والتركيب. وأحد ملاحظاتي دفعت بي نحو تأمل المألوف ودوره في تشكيل ليس فقط مشاعرنا وأحاسيسنا، بل حتى بِإحْكَام السيطرة على سلوكيتنا وبناءها. هذا المألوف الذي نحياه ونكاد لا ننفصل عنه، هو ما يميزنا بأصالة متناهية الدقة. وبالرغم من أنه ملاصق حتمي يكاد لا ينفك عن الطبيعة البشرية، إلا أن فيه سر تكلّسنا وانهيارنا. هذا المألوف يتخلل في كل شيء من لحظات حياتنا بِدأً من شعائرنا الدينية إلى نشاطات أفراحنا.
ومن هنا تأتي هذه المقالة في محاولة لتحديد مفهوم المألوف وخصائصه وكيف نتفاعل معه بغير إدراك أو وعيٍّ منّا. كيف يؤثر على آراءنا؟ وكيف يسيطر على مراكز الإحساس لدينا؟ وكيف لهذا المألوف أن يصبغ العالم بصبغةٍ معيّنة ومحددة لا لِحيّاديّتنا دور في ذلك. وكأن المألوف يصنع هذا العالم بنا بأجندة مُضمرة وسابقة العزم. وقبل تحديد ماهيّة المألوف، يلزمني تعريف "المُحفّز/المنبّه" في الاصطلاح النفسي لأن المألوف يستهدف المحفزات. في علم النفس، يُقصد بالمحفز/المنبّه بذلك "الشيء أو السيرورة التي تُحدث إحساساً" هذا الإحساس ذو ارتباط بأنساق مختلفة: النسق الفيزيولوجي/الجسدي، والنسق السيكولوجي، والاجتماعي. مفهوم المنبّه محوري جداً في تحديد وفهم {الاستجابة} بوصفها التعريف عن السلوك بكليّته. ولذلك اهتم البحث
السيكولوجي بتعريف الاستجابة في إطار نظرية "المنبّه – الاستجابة". وبعبارةٍ أخرى، كل استجابة (سواءً فيزيولوجية كالدموع؛ أو سيكولوجية كالحزن؛ أو اجتماعية كالثأر) يشعر بها الفرد ماهي إلا نتيجة لمنبهْ أو محفز ما. ودور عالم النفس معرفة ذلك المحفز من أجل فهم تلك الاستجابة. والاستجابة تختلف عن السلوك. إذ أن الاستجابة تحلّق في سماء الغرائز والرغبات، بينما السلوك هو التمظهر لتلك الاستجابات. فمن السلوك نُحلل المحفز والرغبة والغريزة (1).
هذه المقدمة كانت بالغة الأهمية لأن للمألوف سلطة على جذور سلوكياتنا اليومية. المألوف يتفاعل بشكل مباشر مع المحفّزات التي تخلق استجاباتنا وتشكّل سلوكياتنا. هذا المألوف يجد طريقه إلى حياتنا من خلال التكرار الدائم للمحفزات والتي بدورها مسؤولة عن مركزية الإحساس لدى الفرد. وبسبب التكرار تُصبح تلك المحفزات أكثر رغبةً وأكثر تفضيلاً، بينما نشعر بالقلق والتوتر حينما نكون في مواجهة مع اللامألوف. مثال ذلك، هو الشعور بالاطمئنان تجاه الأشخاص الذين نلتقي بهم بشكل يومي وعلى وجه متكرر بالرغم من عدم معرفتهم. يتولّد هذا الاطمئنان بمُجرد تكرار الرؤية، بينما لا نشعر بنفس الشعور تجاه الغرباء حينما نتفاجأ بهم لأول مرة في مكان لا يُفترض تواجدهم به.
المألوف يقع في كل معلوم ومرغوب، ويتلاشى هذا المألوف في كل ما نجهل وفي كل مالا نرغب فيه، ولذلك يشعر الإنسان بالقلق والنزق حينما يكون في مواجهة مع اللامألوف. وفي مثل هذه المواجهات يتخذ العقل دور المدافع ويتقمص الرفض المباشر ويبرر عن عدم الرغبة في ذلك الشيء. السر العجيب في حب المألوف يكمن بتكرار تواجد (الحدث الجديد) في محيط الإنسان. مجرد الوعي بتواجد (الحدث)، كافي لجعل ذلك الحدث أمراً محبوب ومرغوب فيه. بل إن أقوى ما يكون المألوف مُمكنا، إذا كان الوصول إليه من خلال الذهن اللاواعي. بمعنى أنه لا حاجة لأن يكون الإنسان مُتَنَبِّه ويقظ لوجود هذا الحدث. إدراك الحدث من خلال اللاواعي لا يستفز العقول ويحمي المألوف من أن تقاومه المجتمعات وترفضه. هنالك يبدو المألوف شيئاً تافهاً لا قيمة للحديث عنه. هذا المألوف يأخذ حيزه من الحياة الاجتماعية في حضوره المحايد في محيط الوعي والإدراك. حياديّة المألوف محورية في بقاءه واستمراريته في الحياة الاجتماعية. لأن الحدث الجديد، إذا ما استفز الذهن، فَسَيُقضى عليه مباشرة. المألوف لا يُصبح مألوفا إلا من خلال إيجاد طريقه إلى حياتنا بشكل محايد وبطيء ومتدرج. ويزداد المألوف قوة وصلابة كلما كان متقطع الحدوث. أي أن الحدث لن يُصبح مألوفا إذا اتصف بالديمومة والاستمرارية (2).
خطر المألوف لا يكمن فقط في أنه يُفقد الأشياء معانيها، بل يتجاوز خطره في ذلك ليصل إلى إخماد الفضول المعرفي لدى الإنسان حتى تنزاح الدهشة ويحل مكانها الكسل الذهني. وسر تشبث الإنسان بالمألوف لأنه يبعث على الهدوء، فهو لا يستفز التفكير، ولا يحفز الذهن، ولا يهدد المعتقدات، ولا يثير الشكوك. المألوف يُمكّن الإنسان بالسيطرة على مشاعر الخوف،
ويُشعره بالأمان ويقضي به على المجهول. ومن خطر المألوف أيضا أنه ينتحل دور البديهيات ويكاد الناس ألا يفصلوا بين البديهي والمألوف. ولهذا السبب يُقدَّم خطاب المألوف كدليل على صحة وحقيقة الأشياء. فالمعلومات والأخبار المألوفة أجدر بثقة الناس ولو كانت خاطئة، بينما ينكر الناس صدق وصحة المعلومات المغايرة واللامألوفة ولو كانت صحيحة (3).
وقبل أن أغادر من وصف المألوف، أريد أن ألفت نظر القارئ إلى أن الروتين ليس عدواً حقيقاً للمألوف. أي أن الروتين والمألوف لا يصطدمان وهذا للوهلة الأولى يبدو أمراً لا منطقي. لأن ما نألفه يتحول إلى ملل مُدقع نحتقره ونفقد الرغبة فيه، بينما تزداد رغبتنا لكل مألوف. وسر ذلك أن المألوف والروتين لا يلتقيان ولذلك لا يحث اصطدام بينهما. الروتين يعمل في محيط الإدراك التام وفي سياق الاختيارات الواعية. بينما طريق المألوف إلى الأذهان هو طريق اللاواعي. وشرطه الحياد في الأشياء – فكرة الحياد تتمثل في انعدام تحفيز الحدث الجديد، بمعنى أن انعدام التحفيز للحدث شرط جوهري في إمكان المألوف. إضافة إلى ذلك لا يحدث المألوف من خلال تكرار الخيارات والقرارات الواعية، وإنما من خلال اللااختيار. أيضاً، يقع المألوف في البديهيات ويقع الروتين في العادات. وعلة أخرى، وهي أنه حينما يكون الحدث الجديد في طريقه نحو المألوف، لن يصبح مألوفاً إذا تكرر بشكل غير متقطع وبتدفق كالفيضان. أي أن الديمومة والاستمرارية صفتين تعيق حدوث المألوف وتقود إلى إمكانية الروتين. ولكن هناك حقيقة مذهلة، وهي أن كل هذه القوانين المشكّلة للمألوف تُصبح غير ممكنة في حياة الأطفال. يفشل المألوف أن يجد طريقه إلى ذهن الأطفال. الطفل لا يصاب ببؤس المألوف أبداً. وذلك يعود لسببين. الأول خاص بطبيعة الحدث، والآخر يختص بطبيعة الطفل. أحد شروط حدوث المألوف، أن يكون الحدث كامل التركيب والتعقيد مما يسمح للفرد عدم استنزافه وسبر كامل أغواره. جانب الغموض والتعقيد محوريٌ جداً في طبيعة الحدث ليتحول إلى مألوف. وهذا يجعلنا ندرك أن أكثر الحوادث التي يتفاعل معها الأطفال سطحية وغير معقدة وهنا سقط شرط الغموض في الحدث. والسبب الآخر، هو أن الفضول المعرفي لدى الأطفال ينبض بالحياة، ولذلك لا يعاني الطفل من الكسل الذهني، بل إن ذهن الطفل سؤول ويقظ وشديد الملاحظة. ومن هنا يكون المألوف غير ممكنا في حياة الأطفال (4).
وقد يتساءل القارئ، كيف نواجه خطر المألوف في حياتنا. وفي ذلك أقول، على الرغم من أن هذه المقالة تهدف للإجابة عن هذا السؤال. إلا أن الجواب هنا لن يكون كافيا لضيق مساحة المقالة. ومن هنا أود الإشارة إلى أن الأديب الروسي فيكتور شكلوفسكي قد صاغ مصطلح اللامألوفية أو اللامألوف من أجل مواجهة المألوف في حياتنا. اللامألوف يقوم على إحداث الغَرابة، أي تحويل كل أمر معتاد إلى أمر غريب – تغريب الأشياء من حولنا. يزعم شكلوفسكي أنه حينما نفهم قوانين الإدراك سنستطيع فهم إشكالية حدوث المألوف في حياتنا اليومية. ومن تلك القوانين قانون "الآلية" على سبيل المثال. وهي أحد القوانين التي تحكم
مَلَكَة الإدراك لدينا، بمعنى أن تفاعلاتنا مع الأشياء من حولنا تصبح بطريقة تلقائية وآلية. ومن هنا تُبتذل الأشياء وتحدث البَلاَدَة الذهنية ويدخل الإنسان في مرحلة حسيّة تتصف بغياب الشعور والانفعال. ومثال ذلك، أنه حينما نرى الشيء مرات عديدة فإننا سنصبح عاجزين عن اكتشاف كُنه وسر ذلك الشيء، بالرغم من قدرتنا عن الحديث عنه والتعريف به. فهو أمامنا ننظر إليه ولكننا لا نراه، لا نعرف حقيقته. يقترح شكلوفسكي من أجل التخلص من هذه "الآلية" في الإدراك أن نحاول وصف الأشياء من حولنا كما لو أننا قد رأيناها لأول مرة، أو نصف الحدث أو الظاهرة الاجتماعية وكأنها آنيّة الحدوث. أو بالمحاولة بتجنب تسمية الأشياء والاكتفاء بوصفها. والتركيز على نقل الأحاسيس بدلا من نقل المعلومات والاهتمام بوصف التجربة أكثر من نقل المعرفة. وحينما نستخدم اللغة نحاول تغريب (من غريب) الأشياء المألوفة. وليس الهدف خلق معاني جديدة عن الأشياء والظواهر الاجتماعية وإنما صناعة تصور خاص ودقيق عن تلك الظواهر (5). وختاما، أود الإشارة إلى أن اعتناق اللامألوف مخاطرة على الخريطة الذهنية الراكدة وخلق جديد لمركزية الإحساس لدى الإنسان. ممارسة اللامألوف بعث للمعنى. في اللامألوف تكمن اليقظة. ممارسة التأمل والنقد تنقذ المجتمعات من خطر المألوف. إذ أن المألوف ينكشف ويُفضح زيفه، حينما يكون التساؤل ممكنا. المجتمعات التي ترفض النقد والتفكّر، تعمل على تخليد خطابات المألوف. وبسبب المألوف يتسامح الناس مع تناقضاتهم ونفاقهم. بل لا يشعرون بفظاعة سلوكياتهم.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم