خطبة عيد الفطر 1437هـ (تعالوا لنتفاءل ونتعلم حسن الأمل)

أحمد بن ناصر الطيار

2016-06-29 - 1437/09/24
عناصر الخطبة
1/ فرحتا الصائم 2/ إظهار تعظيم الله تعالى يوم العيد 3/ منزلة التفاؤل 4/ التفاؤل هدْي نبينا والأنبياء 5/ فوائد وحِكَم التفاؤل 6/ أهمية تفاؤل أمتنا وتحذيرها من اليأس والتيئيس

اقتباس

إنَّ من أعظم سمات المسلم, التفاؤلَ وحسنَ الظن بالله, والتفاؤلُ عبادةٌ عظيمة, وطاعةٌ نتقرب بها إلى الله -تعالى- ولو في أحلك الظروف, ولقد أكثر الله -تعالى- في كتابه من النهي عن الحزن والقنوط.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل لنا في الإسلام عيداً، وأجزل لنا فيه فضلاً ومزيداً، وتفضَّل علينا بإكمال شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، فيسَّر لنا فيه الصيام والقيام، وزاد علينا نعمةً هي نعمةُ الأمن والأمان, ونحن نرى من حولنا يتجرعون مرارةَ الخوفِ والقتلِ والحرمان, فالحمد لله المحمود بكلِّ لسان, سبحانه ما أعظم شأنه وأحكم صنيعه!.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مالكُ الدنيا ويومِ الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, الذي هدى الخلق إلى الصراط المستقيم، وأخرجهم من حفرة النار إلى دار النعيم، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً تامّين إلى يوم الدين.

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله , الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا.

 

أمة الإسلام: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -تعالى- في السر والعلانية, في الرخاء والشدة.

 

معاشر المسلمين: لقد منَّ الله -تعالى- علينا, وحبانا وأغنانا وأكرمنا, فسهَّل علينا صيامَ شهرٍ كامل, ويسَّر علينا قيام ليلِه بمحض فضله الشامل, فنحمده -سبحانه- ونشكره, ونسأله شكرَ نعمته, ودوام مِنْحَتِه.

 

أمَّةَ الإسلام: أفطر المسلمون هذا اليوم ففرحوا بفطرهم، حيثُ أتمُّوا صيام شهرهم امتثالاً لأمر ربهم: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة:185]، ولهم فرحٌ آخرُ فوقَ هذا كلِّه يومَ قدومهم على الله، ففي الصحيحين أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ", فيفرح يوم قدومه على الله إذ يجد أعمالَه مدَّخرةً له, أحوجَ ما يكون إليها: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا) [آل عمران:30]، يوم يقوم الصائمون من قبورهم, وإنَّ رائحة أفواههم أطيبُ من ريح المسك، يومَ يُدعون من ذلك الباب المخصَّص لهم من أبواب الجنة, ألا وهو باب الريان، يدخلون منه، فإذا دخل الصائمون أُغلِق ذلك البابُ فلم يدخلْ منه أحد.

 

أيُّ فرحةٍ يفرحها المؤمنون الصائمون القائمون يوم القيامة! يوم يُقالُ لهم وهم يتقلبون في النعيم المقيم في الجنة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ) [الحاقة:24], كُلُوا وَاشْرَبُوا فطالما جعتم وعَطِشتم لأجلي, هَنِيئاً مريئاً بِما قَدَّمْتُمْ لِآخِرَتِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فِي الْأَيَّامِ الماضية في الدنيا.

 

فاللهم إنا نسألك بكرمك وجودك, أن ترزقنا الفردوس الأعلى من الجنة, وتُعيذنا من النار يا حيُّ يا قيُّوم.

 

أمة الإسلام: هذا اليوم, هو يومٌ يُظهر فيه المسلمون ذكرَ الله وتعظيمَه, ويلهجون بالثناء والحمد له: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185].

 

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أمة الإسلام: إنَّ من أعظم سمات المسلم, التفاؤلَ وحسنَ الظن بالله, والتفاؤلُ عبادةٌ عظيمة, وطاعةٌ نتقرب بها إلى الله -تعالى- ولو في أحلك الظروف, ولقد أكثر الله -تعالى- في كتابه من النهي عن الحزن والقنوط.

 

وها هو ربنا -جلَّ وعلا- يحكي عن نبي الله يعقوب, وهو في قمة التفاؤل مع شدة المصيبة, وهول الفاجعة, فَقَدْ فَقَدَ ابنه يوسف -عليه السلام-, ثم مضت سنواتٌ على فقده وغيابه عنه, ثم يفقد ابنه الْمحبوبَ الآخر, فما شعورُ أبٍ يفقد أعزَّ اثنين من أبنائه؟.

 

وأما يعقوبُ فله شأنٌ آخر, حيث لا تزيده المصائب إلا أملاً, (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87] فاليأس صفة للكافرين, واليأس قرين الضلال.

 

قال هذه العبارةَ المليئةَ بالأمل والتفاؤل, وهو لا يزال يرجو عودة يوسف -عليه السلام-, الذي مضى على غيابه سنواتٌ طويلةٌ, انقطعتْ فيها أخباره، واندثرتْ فيها آثارُه.

 

ثم يُفجَع بالمصيبة الثانية حيث فقد ابنه الآخر, فما زاده ذلك إلا تفاؤلاً, (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف:83].

 

وها هو إبراهيم -عليه السلام-, يُبشَّرُ بالولد بعد أن مسه الكبرُ هو وامرأتُه, بل وامرأته عاقرٌ أيضاً، فيسري في رُوعه خيال الغرابة فيطردها بقوله: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ) [الحجر:56].

 

وهذا إمامنا وحبيبنا -صلى الله عليه وسلم-, ضرب أعظم الأمثلة في التفاؤل, فهذا خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ -رضي الله عنه-، يأتي شاكياً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-, وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ, وَقَدْ لَقوا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةَ الأذى والحصار، فَقال له: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: "وَاللَّهِ! لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ!".

 

ويوم أنْ هاجر من مكة إلى المدينة, خرج هو وأبو بكر مطاردًا من فلول المشركين الحاقدين, وأحاطت المخاوف والأخطارُ من كل حدبٍ وصوب، ومع ذلك يقولُ لصاحبه: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة:40].

 

وفي الأحزاب أحاط به خصومه وأعداؤه, إحاطة السوار بالمعصم، فبشر أصحابه بفتح الشام وفارسَ واليمن.

 

فالمآسي والآلام التي تمرُّ بها أمتنا في فلسطين, والعراق والشام واليمن, تُؤْلمنا وتُحزننا, ولا عذر لنا في خِذلانهم والتقاعس عن نُصرتهم, ولو بالكلام والدعاء والدعم المالي, ولكن لا يعني هذا أنْ نكون مُتشائمين, ولا أنْ يزول الأمل من قلوبنا.

 

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

معاشر المسلمين: إنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ الحكيمة, لم تأمر بالتفاؤِل وتحثَّ عليه, إلا لما فيه من الفوائد والحكم العظيمة, فمن أهمها وأعظمها أن التفاؤل من أعظم أسباب حسن الظّنّ باللّه -تعالى-, والثقةِ به وبنصره وفرجه.

 

ومن ذلك -أيضاً- أن التفاؤل يجلب السّعادة والطمأنينةَ على النفس والآخرين, وفيه ترويحٌ للمؤمن وسرورٌ له. وفي الفأل تقويةٌ للعزائم, ومعونةٌ على الظّفر, وباعثٌ على الجدّ.

 

وفي التّفاؤل اقتداءٌ بالأنبياءِ, وعلى رأسهم نبينا -صلى الله عليه وسلم-, حيث كان يتفاءل في حروبه وغزواته وآلامه.

 

ولْنحذر من إشاعة روح التشاؤم في المجتمع, وبث الأخبار التي فيها تثبيط العزائم, ونشر الخوف والهلع بين الناس, والأخبار الحزينة, "وإِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ".

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

نسأل الله -تعالى- أنْ يجعل عيدنا عيداً مُباركاً على جميع المسلمين, وأنْ يُعجل بالفرج عنهم, إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.

 

 

المرفقات

عيد الفطر 1437هـ (تعالوا لنتفاءل ونتعلم حسن الأمل)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات