خطبة العيد 1434هـ (وحدة الأمة)

إبراهيم بن صالح العجلان

2013-08-06 - 1434/09/29
التصنيفات: الفطر
عناصر الخطبة
1/ وحدة الأمة مقصد من مَقاصد الدِّين 2/ أثر القرآن في توحيد العرب 3/ الشريعة تحث على الوحدة 4/ تفرق الأمة لا يعني الرضا بالأمر الواقع 5/ معنى الاجتماع وعدم التفرق 6/ السلفيةُ هي المظلةُ الكبرى التي يَجتمعُ عليها المسلمون 7/ تصيد أخطاء العلماء وطلبة العلم 8/ حقائق ينبغي أن لا تغيب

اقتباس

ما أجملَ أن تكونَ مواسمُ الأفراحِ مناسبةً للتأكيدِ على مقاصدِ الدينِ العظامِ، وقضايا الأمةِ الجسام، ومن أهم وأعظم القضايا التي يتأكد الحديث عنها في عصر التقلبات والتحزبات والاضطرابات، والهرج والمرج، هي قضية الاجتماع والتآلف. فوُحدَةُ الأمةِ مقصدٌ من مَقاصدِ الدِّين، وهدفٌ منشودٌ سَعَى لتحقيقِه خَيْرُ المرسلينَ -صلى الله عليه وسلم-، فقد جاءَ إلى قومِه وهُمْ في هُوَّةٍ سحيقةٍ من التَّشَتُّتِ والتَّمزقِ، والفُرقة والتَّخلُّف.

 

 

 

 

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَفَرِّدِ بِالْعِزَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، الْمُسْتَحِقِّ لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَمِنْهُ الْخَيْرُ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ عَلَى وَافِرِ النِّعَمِ وَجَزِيلِ الْعَطَاءِ.

 

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَسَيِّدُ الْحُنَفَاءِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الشُّرَفَاءِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَتْقِيَاءِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، مَا دَامَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ..

 

اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرَّتْ لِعَظَمَتِهِ الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ، وَتَشَقَّقَتْ مِنْ خَشْيَتِهِ الصُّخُورُ الْقَاسِيَاتُ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ نُجَلْجِلُ بِهَا فِي الْأَجْوَاءِ، وَتَهْتِفُ بِهَا مَآذِنُنَا فِي كُلِّ صُبْحٍ وَمَسَاءٍ.

اللَّهُ أَكْبَرُ قُولُوهَا بِلَا وَجَلٍ *** وَزَيِّنُوا الْقَلْبَ مِنْ مَغْزَى مَعَانِيهَا

اللَّهُ أَكْبَرُ مَا أَحْلَى النِّدَاءَ بِهَا *** كَأَنَّهُ الرِّيُّ فِي الْأَرْوَاحِ يُحْيِيهَا

 

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ).

 

يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ: مَا أَسْعَدَ صَبَاحَكُمْ هَذَا! وَمَا أَجْمَلَ نَسَمَاتِهِ! وَمَا أَرْوَعَ بَسَمَاتِهِ!!

 

كَيْفَ لَا؟ وَنَحْنُ قَدْ أَكْمَلْنَا الْعِدَّةَ، وَكَبَّرْنَا الْمَوْلَى عَلَى نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ، فَأَبْشِرُوا يَا مَنْ صُمْتُمْ وَقُمْتُمْ، وَابْتَهَلْتُمْ وَدَعَوْتُمْ، وَتَصَدَّقْتُمْ وَأَحْسَنْتُمْ، فَرَبُّكُمُ الْكَرِيمُ يُضَاعِفُ الْأُجُورَ، وَيَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، وَلَا يُضِيعُ أَجْرَ الْعَامِلِينَ: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: مَا أَجْمَلَ أَنْ تَكُونَ مَوَاسِمُ الْأَفْرَاحِ مُنَاسَبَةً لِلتَّأْكِيدِ عَلَى مَقَاصِدِ الدِّينِ الْعِظَامِ، وَقَضَايَا الْأُمَّةِ الْجِسَامِ!

 

وَمِنْ أَهَمِّ وَأَعْظَمِ الْقَضَايَا الَّتِي يَتَأَكَّدُ الْحَدِيثُ عَنْهَا فِي عَصْرِ التَّقَلُّبَاتِ وَالتَّحَزُّبَاتِ وَالِاضْطِرَابَاتِ، وَالْهَرْجِ وَالْمَرْجِ، هِيَ قَضِيَّةُ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّآلُفِ.

 

فَوَحْدَةُ الْأُمَّةِ مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الدِّينِ، وَهَدَفٌ مَنْشُودٌ سَعَى لِتَحْقِيقِهِ خَيْرُ الْمُرْسَلِينَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَدْ جَاءَ إِلَى قَوْمِهِ وَهُمْ فِي هُوَّةٍ سَحِيقَةٍ مِنَ التَّشَتُّتِ وَالتَّمَزُّقِ، وَالْفُرْقَةِ وَالتَّخَلُّفِ.

 

كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى تُسَلُّ سُيُوفُهَا، وَتَسِيلُ أَرْوَاحُهَا لِأَتْفَهِ الْأَسْبَابِ، فَعَاشُوا أَشْتَاتًا مُتَفَرِّقِينَ، وَأَوْزَاعًا مُتَنَاحِرِينَ، تَجْمَعُهُمُ الْقَبَلِيَّةُ، وَتُفَرِّقُهُمُ الْعَصَبِيَّةُ، فَعَمَّتْ فِيهِمُ التَّحَزُّبَاتُ وَالِاخْتِلَافَاتُ وَالِانْتِقَامَاتُ، وَسَادَتِ الْفَوْضَى، وَشُرْعِنَ لِلظُّلْمِ، حَتَّى قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى:

وَمَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِهِ *** يُهَدَّمْ، وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ

 

فَأَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَحْمَةً لِلْخَلْقِ عَامَّةً، وَلِقَوْمِهِ خَاصَّةً، فَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَنَاحُرٍ، وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ تَنَافُرٍ: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ).

 

لَقَدْ نَقَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّةَ الْعَرَبِ مِنْ قُمْقُمِ الذُّلِّ إِلَى قِمَمِ الْعِزِّ، وَمِنْ ضِيقِ التَّحَزُّبِ إِلَى رَحَابَةِ الدِّينِ، وَأَضْحَتْ عُبِّيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ وَشَتَاتُهَا مِنْ أَحَادِيثِ الذِّكْرَيَاتِ.

 

نَعَمْ، لَقَدْ تَغَيَّرَتْ أُمَّةُ الْعَرَبِ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا السَّحِيقِ؛ لِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ دُسْتُورًا، فَعَلَى رَايَتِهِ يَجْتَمِعُونَ وَيَتَحَاكَمُونَ، وَعَلَى هِدَايَاتِهِ يُوَالُونَ وَيُعَادُونَ، وَبِآيَاتِهِ يَتَخَلَّقُونَ وَيَعْمَلُونَ، فَاسْتَحَقُّوا بَعْدَ هَذَا الِاجْتِمَاعِ وَالْعَمَلِ بِالتَّنْزِيلِ عِزًّا لَا نَظِيرَ لَهُ، تَهَاوَتْ أَمَامَهُمْ عُرُوشُ الْأَكَاسِرَةِ وَالْقَيَاصِرَةِ فِي سُنَيَّاتٍ مَعْدُودَاتٍ.

 

لَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الْوَحْيَيْنِ آمِرَةً وَحَاسِمَةً فِي الْأَمْرِ بِالِاجْتِمَاعِ، وَنَبْذِ الْفُرْقَةِ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةً) (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).

 

وَجَاءَتِ النُّصُوصُ نَاطِقَةً صَرِيحَةً أَنَّ اجْتِمَاعَ الْأُمَّةِ لَا يَكُونُ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَا رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، وَلَا عَلَى عِرْقٍ، أَوْ تُرَابٍ، بَلْ يَكُونُ اجْتِمَاعُهَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).

 

وَأَخْبَرَ مَنْ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، ثُمَّ أَرْشَدَهَا إِلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِقَوْلِهِ: "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي".

 

فَبِقَدْرِ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ، وَبِبُعْدِهَا عَنْ نُورِهِمَا يَكُونُ الِافْتِرَاقُ وَالشَّتَاتُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ عَنِ النَّصَارَى: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

 

فَالْأُمَّةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي يُتَطَلَّعُ إِلَيْهَا هِيَ أُمَّةٌ تَعِيشُ مَعَ النَّصِّ قُرْآنًا وَسُنَّةً، وَتُقَدِّسُهُ، وَتَحْتَرِمُهُ، وَلَا تُقَدِّمُ عَلَيْهِ قَوْلَ أَحَدٍ، كَائِنًا مَنْ كَانَ.

 

الْأُمَّةُ الْوَاحِدَةُ يُحْيِي أَهْلُهَا السُّنَّةَ، وَيُمِيتُونَ الْبِدْعَةَ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.

 

الْأُمَّةُ الْوَاحِدَةُ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ.

 

الْأُمَّةُ الْوَاحِدَةُ يَسْعَى أَفْرَادُهَا فِي حِفْظِ سُمْعَتِهَا، وَرَدِّ الشُّبُهَاتِ عَنْهَا: "حَتَّى لَا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ".

 

الْأُمَّةُ الْوَاحِدَةُ تَعْتَزُّ بِهُوِيَّتِهَا، وَتَغَارُ عَلَى دِينِهَا، وَتَحْمِي شَرِيعَتَهَا مِنْ كُلِّ مُلَبِّسٍ وَمُدَلِّسٍ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

لَقَدْ عَاشَ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مُجْتَمَعٍ قَدْ تَبَايَنَ أَفْرَادُهُ فِي إِيمَانِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ، فَكَانَ فِيهِمُ السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ، وَهُمُ الْأَغْلَبُ، وَفِيهِمُ الْمُقْتَصِدُ، وَفِيهِمُ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ، وَفِيهِمْ مُنَافِقُونَ، وَفِيهِمْ سَمَّاعُونَ لِلْمُنَافِقِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُشَطِّرْ مُجْتَمَعَهُ، بَلْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ، وَرَدْمِ أَيِّ فَجْوَةِ شِقَاقٍ وَافْتِرَاقٍ.

 

تَرَكَ قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ مَعَ جُرْأَتِهِمْ وَاسْتِفْزَازِهِمْ، حَتَّى يُحَافِظَ عَلَى سُمْعَةِ الدَّعْوَةِ، وَحَتَّى لَا يَقُولَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، فَيَحْصُلُ التَّفَرُّقُ بِسَبَبِ هَذَا.

 

وَتَرَكَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، وَلَمْ يَبْنِهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَلَنْ يَسْتَوْعِبُوا ذَلِكَ.

 

وَلِذَا قَرَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ تُتْرَكُ الْمُسْتَحَبَّاتُ مِنْ أَجْلِ الْحِفَاظِ عَلَى مَقْصِدِ الِاجْتِمَاعِ.

 

هَذِهِ الْغَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ يَجِبُ أَنْ لَا يُخْتَلَفَ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ أَنْ يَسْعَى الْكُلُّ أَفْرَادًا وَأَحْزَابًا وَحُكُومَاتٍ نَحْوَ تَحْقِيقِهَا، فَحَالُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لَا يَحْتَمِلُ مَزِيدًا مِنَ التَّفَرُّقِ.

 

نَعَمْ، قَدِ افْتَرَقَتِ الْأُمَّةُ كَمَا أَخْبَرَ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْدَ أَنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ لَا يَعْنِي الرِّضَا بِالْوَاقِعِ، وَتَرْكَ إِصْلَاحِهِ، فَالَّذِي أَخْبَرَ بِافْتِرَاقِ أُمَّتِهِ هُوَ الَّذِي دَعَاهَا لِلِاجْتِمَاعِ، وَأَوْصَاهَا بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي غَيْرِمَا حَدِيثٍ.

 

إِنَّ دَعْوَةَ الْمُجْتَمَعِ وَالْأُمَّةِ إِلَى الِاجْتِمَاعِ لَا تَعْنِي الِاتَّفَاقَ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ، فَالِاخْتِلَافُ فِي مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ مَوْجُودٌ، وَالتَّفَرُّقُ غَيْرُ الِاخْتِلَافِ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا.

 

إِنَّ الِاجْتِمَاعَ الْمَنْشُودَ فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ أَنْ يُجْتَمَعَ عَلَى مُحْكَمَاتِ الدِّينِ وَأُصُولِ الِاعْتِقَادِ، وَيَتَعَاذَرُونَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، فَيَسَعُهُمْ مَا وَسِعَ سَلَفَ الْأُمَّةِ، فَهُمْ أَبَرُّ مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُمْ وَأَتْقَى.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

وَعَبْرَ تَارِيخِ الْأُمَّةِ كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمْ مَنْ يَجْمَعُ الْأُمَّةَ، وَيُوَحِّدُ صَفَّهَا، فَقَرَّرُوا أَنَّ الِاجْتِمَاعَ غَايَةٌ وَمَقْصِدٌ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْعَقَائِدِ لِأَهَمِّيَّتِهِ، فَلِأَجْلِ الِاجْتِمَاعِ حَرَّمُوا الْخُرُوجَ عَلَى الْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ ظَلَمَ وَانْحَرَفَ وَاسْتَأْثَرَ؛ حِفَاظًا عَلَى مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ، وَرَدْمًا لِلْفُرْقَةِ وَالدِّمَاءِ، مَعَ الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

 

وَلِأَجْلِ الِاجْتِمَاعِ وَحِفْظًا لِلدِّينِ حَذَّرُوا مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ؛ لِأَنَّهَا تُشْعِلُ الْفُرْقَةَ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ.

 

فَكَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمْ أَرْحَمَ الْخَلْقِ بِالْخَلْقِ، وَأَنْصَحَ الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ.

 

أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمْ مَنْ يَتَّبِعُونَ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَنِ، وَتَعْبِيدِ الْخَلْقِ وَفْقَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ.

فَالسَّلَفِيَّةُ إِذًا لَيْسَتْ حِزْبًا، وَلَا طَائِفَةً، وَلَا شَخْصًا، وَلَا بَلَدًا، وَلَا رُؤْيَةً ضَيِّقَةً.

 

السَّلَفِيَّةُ هِيَ الْمَظَلَّةُ الْكُبْرَى الَّتِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَالْمُسْلِمُ بِفِطْرَتِهِ لَوْ تُرِكَ بِلَا مُشَوِّشَاتٍ وَلَا غُذِّيَ بِالْبِدَعِ فَهُوَ بِفِطْرَتِهِ يَتَّبِعُ الدَّلِيلَ، وَيَحْتَرِمُ فَهْمَ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ شَذَّ فَهُوَ الْمُخَالِفُ. فَالسَّلَفِيَّةُ هِيَ الْقَاعِدَةُ وَالْأَصْلُ، وَلَيْسَتِ اسْتِثْنَاءً.

 

نَعَمْ لِلسَّلَفِيَّةِ بِمَفْهُومِهَا الشَّامِلِ، السَّلَفِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ وَلَا تُفَرِّقُ، تُبَشِّرُ وَلَا تُنَفِّرُ، تُؤَلِّفُ وَلَا تُشَطِّرُ.

 

السَّلَفِيَّةُ الَّتِي تُقَرِّرُ تَوْحِيدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي النُّفُوسِ، وَتُطَهِّرُ الْبَوَاطِنَ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْبِدَعِ.

 

السَّلَفِيَّةُ الَّتِي تُعَظِّمُ النَّصَّ وَتَجْعَلُهُ أَصْلًا، وَلَا تَرُدُّهُ لِهَوًى، أَوْ ذَوْقٍ، أَوْ مَعْقُولٍ، أَوْ مَصْلَحَةٍ يُقَدِّرُهَا بَشَرٌ، يُصِيبُ حِينًا، وَيُخْطِئُ أَحْيَانًا.

 

السَّلَفِيَّةُ الَّتِي تُؤْمِنُ بِشُمُولِيَّةِ الدِّينِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالسِّيَاسَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَجَمِيعِ شُؤُونِ الْحَيَاةِ، فَلَا تَفْصِلُ شَيْئًا مِنَ الْحَيَاةِ عَنِ الدِّينِ.

 

وَعَلَيْهِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ نَاطِقٌ رَسْمِيٌّ، أَوْ مُمَثِّلٌ لِلسَّلَفِيَّةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَنْ خَالَفَهُ فَقَدْ خَالَفَ السَّلَفِيَّةَ.

وَعَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ مُسْلِمٍ مِنَ السَّلَفِيَّةِ إِلَّا إِذَا خَالَفَ أَصْلًا كُلِّيًّا اتُّفِقَ عَلَيْهِ بَيْنَ السَّلَفِ.

وَعَلَيْهِ، فَكَوْنُ مُسْلِمٍ مَا لَا يَتَسَمَّى بِالسَّلَفِيَّةِ لَا يُخْرِجُهُ هَذَا عَنِ السَّلَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّلَفِيَّةَ لَيْسَتْ جَمَاعَةً تَقْتَصِرُ عَلَى أَفْرَادِهَا الْمُنْتَسِبِينَ لَهَا.

وَعَلَيْهِ، فَوُقُوعُ بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ لِلسَّلَفِيَّةِ فِي أَخْطَاءٍ لَا يَصِحُّ نِسْبَتُهَا لِلسَّلَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا تُنْسَبُ الْأَخْطَاءُ إِلَى قَائِلِهَا لَيْسَ إِلَّا.

 

وَعَلَيْهِ، فَالنَّقْدُ الْإِعْلَامِيُّ الَّذِي يَتَصَيَّدُ أَيَّ خَطَأٍ أَوْ مَوْقِفٍ مُحْتَمَلٍ مِنْ مُسْلِمٍ مُحَافِظٍ، فَيَنْسُبُهُ لِلسَّلَفِيَّةِ - هُوَ نَقْدٌ مَأَزُومٌ غَيْرُ مَوْضُوعِيٍّ!! فَلَا يَصِحُّ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا أَنْ يُنْسَبَ مَوْقِفُ فَرْدٍ إِلَى مَنْهَجٍ شَامِلٍ، قَامَ بِهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَإِلَّا عَلَى قَاعِدَتِهِمُ الْجَائِرَةِ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللِّيبْرَالِيِّينَ يَقُولُونَ: "اللَّهُ وَالشَّيْطَانُ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ" كَمَا تَفَوَّهَ بِهِ أَحَدُهُمْ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ...

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْحُكْمُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ الْمُجْتَبَى، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

فَيَا أَهْلَ الْإِيمَانِ: وَنَظْرَةٌ خَاطِفَةٌ لِبَعْضِ مَا يُقَالُ فِي الْمَجَالِسِ، وَيُكْتَبُ فِي الصُّحُفِ، وَيُغَرَّدُ بِالْأَنَامِلِ - نَرَى مَا يُمَزِّقُ صَفَّ الْمُجْتَمَعِ، وَيَبْذُرُ سُمُومَ الشِّقَاقِ فِيهِ.

تَصْنِيفَاتٌ وَتَبْدِيعَاتٌ، وَتَحْزِيبٌ وَتَضْلِيلَاتٌ، وَإِسْقَاطٌ بِالْجُمْلَةِ، وَتَنْبِيشٌ فِي النِّيَّاتِ.

 

شَتَائِمُ تُرْجَمُ فِي الْهَوَاءِ، وَتَصَيُّدٌ لِأَيِّ مَوْقِفٍ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَفَرَحٌ بِزَلَّاتِ الْفُضَلَاءِ.

 

تَنْزِلُ النَّوَازِلُ، وَتَتَجَدَّدُ الْحَوَادِثُ، فَيُدْلِي بِرَأْيِهِمْ عُلَمَاءُ وَبَاحِثُونَ وَفُضَلَاءُ، فَيَتَحَرَّكُ هُوَاةُ الْخَسْفِ وَالتَّنْسِيفِ وَالتَّصْنِيفِ، فَيَنْصِبُونَ أَعْمِدَتَهُمْ، لِيَصْلُبُوا هَذَا بِبِدْعَةٍ، وَيَرْجُمُوا ذَاكَ بِالْحِزْبِيَّةِ، وَيَجْلِدُوا ذَانِكَ بِالْخُرُوجِ، وَالتَّحْرِيشِ عَلَيْهِ وَالتَّجْيِيشِ.

 

وَتَنْزِلُ النَّازِلَةُ فَيَتَكَلَّمُ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا يَعْتَقِدُونَ دِيَانَةً، فَيُلْمَزُونَ وَيُشَيْطَنُونَ، وَيَسْكُتُ آخَرُونَ، فَيُخَوَّنُونَ وَيُشَيْطَنُونَ؛ لِأَنَّ السَّاكِتَ عَنِ الْحَقِّ -الَّذِي يَرَوْنَهُ- شَيْطَانٌ أَخْرَسُ.

 

وَأَضْحَتْ سَاحَاتُنَا الثَّقَافِيَّةُ مَلِيئَةً بِالتَّشْوِيشِ وَالتَّحْرِيشِ وَالتَّشْكِيكِ فِي سَابِقَةٍ لَمْ نَشْهَدْهَا.

 

فَيَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، يَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ:

عَلَى مَاذَا التَّنَاحُرُ وَالضَّغِينَهْ *** وَفِيمَ الْحِقْدُ يُفْقِدُنَا السَّكِينَهْ

عَلَامَ نَسُـدُّ أَبْوَابَ التَّآخِي *** وَنَسْكُنُ قَاعَ أَحْقَادٍ دَفِينَهْ

 

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَنْ عَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ فِي مَسَائِلِ الْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادَاتِ - فَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافَاتِ".

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

وَأَمَامَ هَذِهِ الْفَوْضَى وَالْبَذَاءَةِ نُذَكِّرُ بِحَقَائِقَ يَجِبُ أَنْ لَا تَغِيبَ عَنَّا:

 

أَوَّلًا: أَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ إِلَّا بِيَقِينٍ، فَمَنْ ثَبَتَ انْتِسَابُهُ لِلسُّنَّةِ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا إِلَّا بِيَقِينٍ، وَمَنْ كَانَ فِي آرَائِهِ بَعْضُ مَا يَشْتَبِهُ فَيُرَدُّ إِلَى الْمُحْكَمِ مِنْ كَلَامِهِ.

 

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يُزَلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ، بَلْ لَا يَزُولُ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ".

 

ثَانِيًا: أَنَّ الْخَطَأَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِيمَانِ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَأِ فِي التَّكْفِيرِ أَوِ التَّبْدِيعِ أَوِ التَّضْلِيلِ، فَالْأَوَّلُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ وَعِيدٌ، أَمَّا الثَّانِي فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: "مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ".

 

ثَالِثًا: لَا تَأْثِيمَ وَلَا هِجْرَانَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ التَّأْلِيبَ وَالتَّجْيِيشَ فِي مَسَائِلَ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ، أَوْ حَوَادِثَ تَخْتَلِفُ فِيهَا الْمَوَاقِفُ هُوَ مِنَ الْبَغْيِ الْمُحَرَّمِ.

 

رَابِعًا: خَطَأُ الْعَالِمِ أَوِ الدَّاعِيَةِ لَا يَنْسِفُهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ إِذِ الْبَشَرُ مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ، وَخَطَؤُهُ لَا يَقْدَحُ فِي سَائِرِ فَضْلِهِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ لَا يُبْصِرَ إِلَّا بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ.

 

قَالَ الذَّهَبِيُّ: "وَلَوْ أَنَّا كُلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبَدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لَا ابْنُ نَصْرٍ، وَلَا ابْنُ مَنْدَهْ، وَلَا مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى وَالْفَظَاظَةِ" اهـ.

 

خَامِسًا: أَنَّ مُعَالَجَةَ الْخَطَأِ تَكُونُ بِالرِّفْقِ وَالْحِكْمَةِ فِيمَا يَخْدُمُ جَمْعَ الْكَلِمَةِ وَوَحْدَةَ الصَّفِّ. نَعَمْ، لِنَقْدِ الدُّعَاةِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَمَرْحَبًا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لِيَكُنْ بِعِلْمٍ وَأَدَبٍ، أَمَّا أُسْلُوبُ التَّقْزِيمِ، وَسَلَاطَةُ اللِّسَانِ فَهَذَا مِنَ الْبَذَاءَةِ، وَسُوءِ الْخُلُقِ، وَإِنِ ادَّعَى صَاحِبُهَا الْغَيْرَةَ عَلَى الدِّينِ أَوِ التَّوْحِيدِ.

 

سَادِسًا: أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِمَّنْ وَقَعَ فِي الْبِدَعِ غَيْرِ الْمُكَفِّرَةِ، يَبْقَى لَهُمُ اسْمُ الْإِسْلَامِ، فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُهُ، وَتُحْفَظُ لَهُمْ حُقُوقُ الْأُخُوَّةِ: مِنَ السَّلَامِ عَلَيْهِ، وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، وَعِيَادَتِهِ، وَنَصِيحَتِهِ، وَمَحَبَّةِ مَا عِنْدَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَالْخَيْرِ.

 

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: "إِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَطَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ، وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ، اسْتُحِقَّ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ".

 

سَابِعًا: فِي حَالِ افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ فِي حَالِ الْمُخَالِفِينَ، مِنْ حَيْثُ الِاجْتِمَاعُ مَعَهُمْ وَنُصْرَتُهُمْ، فَالْمُخَالِفُونَ لِلسُّنَّةِ دَرَجَاتٌ، فَيُنْصَرُ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ لِلدِّينِ وَالسُّنَّةِ مِمَّنْ هُوَ أَبْعَدُ، وَيُقَدَّمُ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ غَيْرِ الْمُكَفِّرَةِ عَلَى صَاحِبِ الْبِدْعَةِ الْمُكَفِّرَةِ، وَفِي سُورَةِ الرُّومِ فَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِانْتِصَارِ الرُّومِ عَلَى الْفُرْسِ، مَعَ أَنَّ كِلَا الْمِلَّتَيْنِ كَافِرَةٌ؛ لِأَجْلِ أَنَّ الرُّومَ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ.

 

وَعَلَيْهِ، فَيَصِحُّ الِاجْتِمَاعُ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا نُصْرَةُ الْجَمَاعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُتَلَبِّسَةِ بِالْأَخْطَاءِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ الْعَلْمَانِيَّةِ الَّتِي كَرِهَتْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ: لِيَكُنْ يَوْمُكُمْ هَذَا صَفْحَةً جَدِيدَةً فِي التَّلَاحُمِ، وَالتَّوَادِّ، وَالِاجْتِمَاعِ، وَنَبْذِ الْفُرْقَةِ، فَمَنْ لَمْ يَبْتَسِمْ فِي الْعِيدِ وَيَمُدُّ يَدَهُ لِمَنْ يَخْتَلِفُ مَعَهُ فَمَتَى يُبَادِرُ؟!

وَإِذَا كَانَ تَحْقِيقُ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّآلُفِ مَأْمُورًا بِهِ فِي حَقِّ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فِي حَقِّ الْأَقَارِبِ وَالْإِخْوَةِ أَوْلَى وَأَوْجَبُ.

 

تَقَبَّلَ اللَّهُ طَاعَتَكُمْ .. وَكُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ... 

 

 

 

المرفقات

العيد 1434هـ (وحدة الأمة)2

العيد 1434هـ (وحدة الأمة) - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات