خطبة الاستسقاء: من أسباب منع القطر من السماء

عبد الله بن علي الطريف

2020-11-28 - 1442/04/13
عناصر الخطبة
1/نزول الأمطار نعمة عظيمة 2/أسباب عدم نزول المطر 3/الاستغفار من أسباب نزول المطر.

اقتباس

فنقص المكيال والميزان سببٌ للأخذ بالسنين من القحط وجدب الأرض، ومفهوم نقص المكيال والميزان وسَّعه بعض العلماء إلى كل نقص في أداء واجب وسواء كان في الكيل والميزان الحقيقي، أو تعمّد النقص في أداء العمل أو التكاسل في الأداء وعدم الجدية فيه، سواء كان من عامل أو موظف حكومي أو أهلي...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله القائل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)[فاطر:15-17]، وأشهد ألا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله وأمينُه على وحيه؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها الإخوة: نزول الأمطار نعمة عظيمة يمتنّ الله بها على عباده؛ فمنها الشراب العذب الذي يشربون، ولولا أن الله يسَّره وسهَّله، لما كان لهم إليه سبيلاً، أنزله -سبحانه- من المزن، فكانت منه الأنهار الجارية على وجه الأرض وفي بطنها.. ومنه الغدران المتجمّعة، ومن نعمته أن جعله عذبًا فراتًا تستسيغه النفوس، ولو شاء لجعله مِلْحاً أجاجاً مكروهاً.

 

ولولا أن الله يسَّره وسهَّله، لما كان لنا إليه سبيلاً، فلله الحمد رب العالمين.. قال الله –تعالى- ممتناً على عباده: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ)[الواقعة:68 -70].

 

وقال -جل في علاه- مصوِّراً مراحل تكوين السحاب ونزول الأمطار، ثم حال الناس واستبشارهم بعد نزوله: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الروم:48-50].

 

يخبر -تعالى- عن كمال قدرته وتمام نعمته فهو الذي (يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) من الأرض، فَيمدّه ويوسّعه فِي السَّمَاءِ (كَيْفَ يَشَاءُ)، ثم يَجْعَلُه سحابًا ثخينًا قد طَبَّقَ بعضُه فوق بعض.. (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) يَخْرُجُ مِنْ خِلالِ السحاب نقطًا صغارًا متفرقة، لا تنزل جميعًا فتفسد ما أتت عليه. (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ) بذلك المطر (مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)؛ يبشر بعضهم بعضًا به لشدة حاجتهم وضرورتهم إليه.

 

أيها الإخوة: ولعدم نزول المطر ومنعه من الله -تعالى- أسباب ذكر بعضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ذلك أنه أَقْبَلَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ -بِالْقَحْطِ-، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ"(رواه ابن ماجه والبيهقي، وحسنه الألباني).

 

وقد حدَّد النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث سببيْنِ لمنع المطر ووقوع القحط وجدبِ الأرض؛ فنقص المكيال والميزان سببٌ للأخذ بالسنين من القحط وجدب الأرض، ومفهوم نقص المكيال والميزان وسَّعه بعض العلماء إلى كل نقص في أداء واجب وسواء كان في الكيل والميزان الحقيقي، أو تعمّد النقص في أداء العمل أو التكاسل في الأداء وعدم الجدية فيه، سواء كان من عامل أو موظف حكومي أو أهلي، سواء بالتغيب عن بعض الدوام أو صرف الوقت بما لا يفيد في إنجاز الأعمال المناطة به أو عدم إتقانها.

 

وما أكثر هذا في زماننا وأبينه!، فإن كنا نرغب بمطر مدرار وخضرة ونضرة بدلاً من القحط والجدب فلننظر بواقعنا بماذا قصرنا، من أعمالنا أو معاملاتنا سواء مع الناس أو مع أهلنا من الزوجات والأولاد بما يجب علينا أداؤه.

 

والسبب الثاني لمنع القطر من السماء منع الزكاة بالكلية أو بعضها، والزكاة حقّ الله في المال.. وكم في عالم اليوم من مقصرين في بذل الزكاة بالتهرب منها، سواء بالتقصير المتعمد أو بعدم العلم بوجوبها. ومما يغفل عنه بعض الناس زكاة أموال الأطفال والقاصرين عقلاً. وعلى الأولياء إخراج زكاة أموالهم؛ لأن الزكاة للمال فلا تسقط بصغر سنّ أو عته أو فَقْد للأهلية.. كذلك مما يقصر فيه الناس زكاة ثمرة النخيل فتجد في بعض البيوت عدداً من النخيل تتعدى ثمرتها النصاب ولا يزكيها أصحابها.

 

أيها الإخوة: أما مَجَادِيحٌ السَّمَاءِ الَّتِي تُسْتَنْزَلُ بِهَا الْأَمْطَارُ؛ فهو الاستغفار يقول الحق -تبارك وتعالى- في خضم دعوة نوحٍ -عليه السلام- لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10-12].

 

وحثَّ عليه عمر -رضي الله عنه- في مثل ما نحن أتينا إليه وهو الاستسقاء.. فعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَمَا زَادَ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى رَجَعَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْنَاكَ اسْتسْقَيْتَ؟ قَالَ: "لَقَدْ طَلَبْتُ الْمَطَرَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي تُسْتَنْزَلُ بِهَا الْمَطَرُ".

 

نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا الاستغفار والتوبة؛ إنه على كل شيء قدير.

اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا.. وبقية الدعاء ثم دعوة المصلين لقلب الرداء.. والدعاء مستقبلي القبلة…

المرفقات

خطبة-الاستسقاء-من-أسباب-منع-القطر-من-السماء.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات