خشية الله تعالى

عبد الله بن عبد الرحمن البعيجان

2017-02-18 - 1438/05/21
عناصر الخطبة
1/ الخوف من الله من أعمال القلوب المهمة 2/ فضائل الخوف من الله وخشيته 3/ ثمرات خشية الله في حياة المسلم 4/ كيف يحقق العباد الخوف من ربهم سبحانه؟

اقتباس

إن الحجارةَ وهي صُمٌّ جمادٌ تخِرُّ وتتصدَّعُ وتهبِطُ من خشيَةِ الله، لم يمنَعها الجُمودُ، وسَلبُ العقل والأحاسِيس، وعدمُ التكليفِ من الشُّعور والتأثُّر من خشيَةِ الله، ولم تنفَعها القوةُ والجلادَةُ والصَّلابَةُ لمُقاومة هذا التأثُّر، (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، فحرِيٌّ بنا - عباد الله - أن ندَّكِر، وبقلوبِنا أن تخشَى وتعتبِر.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله المُجيبِ الرَّقيبِ، المُطَّلِع على الضمائِر، العليمِ بما في السرائِر، يعلمُ ما في الصُّدور، وإليه تُرجعُ الأمور، أحصَى على العباد أعمالَهم، وقدَّر آجالَهم، أحمدُه وأشكرُه على فضلِه ونعمِه التي لا تُحصَى، سُبحان من جلَّ عن الشُّركاء والأندَاد، وخضَعَ لسُلطانِه العُظماءُ والأسيَاد، وتفطَّرَت لعظمتِه الأكبَاد، وتصدَّعَت من خشيَتِه الجِبالُ الصُّمُّ الجَماد.

 

سُبحان الله عددَ خلقِه، ورِضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه، ومِدادَ كلماتِه، سُبحان الله وبحمدِه، سُبحان الله العظيم، سُبحانَك ربَّنا ما أعظمَك، سُبحانَك ما أرحمَك، سُبحانَك تبارَك اسمُك، وتعالَى جدُّك، ولا إله غيرُك.

 

أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، تعالى عن الأضداد والأنداد والأولاد، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ العبادَ، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آلهِ وأصحابِه، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ المعاد.

 

أما بعدُ: فأُوصِيكم - عباد الله - ونفسِي بتقوَى الله - جلَّ وعلا - في السرِّ والنجوَى؛ فهي وصيَّةُ الله للأولين والآخرين: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131].

 

أيها المسلمون: ما أجدَرَ بنا أن نذكُر اللهَ - عزَّ وجل -، وأن نُجدِّد العهدَ بالتوبةِ، ونُروِّضَ أنفسَنا على مُخالفةِ الهوَى ولُزوم التقوَى، ونستشعِرَ رَقابةَ الله وعظمَتَه، ونتذكَّرَ حسابَه وعِقابَه، ونستعِدَّ للحظةِ الفِراقِ والتِفافِ السَّاقِ بالساقِ، ونتزوَّدَ للعَرضِ على الله (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 34- 37].

 

عباد الله: مع الانفِجار المعرفيِّ، والتقدُّم التِّقنِيِّ، وانفِتاح العالَم، وتغلغُل الغزو الثقافِيِّ، وتنوُّع وسائِلِ التواصُلِ الاجتماعيِّ التي اقتحَمَت البيوتَ، وأصبحَت بيدَ الصغيرِ والكبيرِ، والذَّكَر والأُنثَى، فإن المُسلم يحتاجُ في نفسِه وفي تربيةِ أهلِ بيته إلى خُلُقٍ عظيمٍ، وعبادةٍ جليلةٍ هي من أجَلِّ العباداتِ وأعظمِ القُرُبات، تحُولُ بين المرءِ وبين محارِمِ الله ومعاصِيه، وبها ينزَعُ العبدُ عن الحُرُمات ويُقبِلُ على الطاعات.

 

هي أصلُ كل فضيلةٍ، وباعِثُ كل قُربةٍ، وهي التي تزرَعُ في القلبِ هيبَةَ الله - عزَّ وجل-، إنها خشيَةُ الله في الغيب والشهادة.

 

فلله ما أعظمَها! ولله ما أحوَجَنا إليها! هي أساسُ صلاح الدنيا والآخرة، ومنَاطُ التقوَى، وبُرهانُ الإيمان، وثمرَةُ التوحيد والإخلاص، ومنبَعُ حُسن الخُلُق، يحتاجُ إليها الإنسانُ عمليًّا؛ لكي يعيشَ بشَرًا سوِيًّا.

 

خشيَةُ الله بالغيبِ هي مُقتضَى الإحسان: أن تعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكُن تراه فإنه يرَاكَ.

 

ومن لوازِمِها: الشعورُ برَقابةِ الله - عزَّ وجل -، والعلمُ بأنه شهيدٌ رقيبٌ على قلوبِ عبادِه وأعمالِهم، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19]، وأنه معهم حيث كانُوا (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة: 7].

 

فإن مَن علِمَ الله أن الله يرَاهُ حيث كان، وأنه مُطَّلِعٌ على باطنِه وظاهِرِه، وسِرِّه وعلانيتِه، واستحضَرَ ذلك في خلَواتِه أوجَبَ له ذلك تركَ المعاصِي في السرِّ.

 

عبادَ الله: خشيَةُ الله بالغيبِ مِفتاحٌ لأبوابِ المغفِرَة، فيها خيرٌ كثيرٌ وأجرٌ كبيرٌ، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) [الملك: 12].

 

خشيَةُ الله تعالى بالغيبِ سببٌ لحلُول مرضَاتِه ودخول جنَّاته، (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) [ق: 33، 34]، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة: 7، 8].

 

خشيَةُ الله تعالى بالغيبِ صِفةٌ من صِفاتِ المُتقين، (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء: 48، 49].

 

خشيَةُ الله تعالى بالغيبِ تُهيِّئُ القلوبَ للخير وقبُول التذكِرة والنُّصح، (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) [فاطر: 18]، (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) [الأعلى: 10، 11].

 

خشيَةُ الله تعالى تجعلُ من الموعِظةِ والتذكِرةِ والنُّصحِ أثَرًا في القلوبِ والأحاسِيسِ، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: 23].

 

ولقد اختَبَرَ الله المُحرِمين في خشيتِه ومخافتِه بالغيبِ فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) [المائدة: 94].

 

عبادَ الله:

إن الحجارةَ وهي صُمٌّ جمادٌ تخِرُّ وتتصدَّعُ وتهبِطُ من خشيَةِ الله، لم يمنَعها الجُمودُ، وسَلبُ العقل والأحاسِيس، وعدمُ التكليفِ من الشُّعور والتأثُّر من خشيَةِ الله، ولم تنفَعها القوةُ والجلادَةُ والصَّلابَةُ لمُقاومة هذا التأثُّر، (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [البقرة: 74].

فحرِيٌّ بنا - عباد الله - أن ندَّكِر، وبقلوبِنا أن تخشَى وتعتبِر.

 

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16].

 

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ ما تسمَعُون، وأستغفِرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ الذي سقَى القلوبَ بفِطرتِه وخشيَتِه، واستكانَت من رغبَتِه ورهبَتِه، وهدَانا بفضلِه ورحمتِه، والصلاةُ والسلامُ على خاتَمِ رُسُلِه وأنبيائِه، وعلى آلِه وأوليائِه.

 

عباد الله: أوفُوا العهدَ واستعِدُّوا للغَدِ؛ فالآخرةُ مُقبِلَة، والدنيا مُدبِرَة، والأجلُ قريبٌ، والسفَرُ بعيدٌ، والزادُ طَفيفٌ، والخَطرُ عظيمٌ، واعلَمُوا أن عليكم شُهودًا غيرَ مُتَّهمَة، هي جوارِحُكم فراقِبُوها، واتَّقُوا اللهَ في السرِّ والعلانِية؛ فإنه لا تخفَى عليه خافِيَة، والسرُّ عنده علانِية.

 

معاشِر المُسلمين: إن خشيةَ الله تعالى بالغيبِ سعادةٌ وسَكينةٌ، وراحةٌ وطُمأنينة، وحِصنٌ من الفِتَن، ولذَّتُها في القلبِ لا يعرِفُها من ذاقَها؛ فالعزمَ العزمَ، والجِدَّ الجِدَّ، والحِرصَ على توطينِ النفس على الخشيَةِ بالغيبِ، وكفِّها عن العيبِ، وتروِيضِها قبل الشَّيبِ، فإن القلبَ إذا امتلأَ بالخوفِ والمهابَةِ والإجلالِ لله - عزَّ وجل - أحجَمَت الأعضاءُ عن ارتِكابِ المعاصِي.

 

صحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثَلاثٌ مُنجِياتٌ: العدلُ في الغضَبِ والرِّضَا، والقصدُ في الفقرِ والغِنَى، وخشيَةُ الله في السرِّ والعلانِية».

 

وبعدُ .. عباد الله: فإن تزكِيةَ النفوسِ وخشيَةَ الله منُوطةٌ بصلاحِ القلوبِ: «ألا وإن في الجسَدِ مُضغَة إذا صلَحَت صلَحَ الجسَدُ كلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجسَدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ».

 

واستَعينُوا بالدعاء، وأُسوتُكم وقُدوتُكم في ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

اللهم اقسِم لنا من خشيتِك ما تحُولُ بينَنا وبين معاصِيك، اللهم اقسِم لنا من خشيتِك ما تحُولُ بينَنا وبين معاصِيك.

 

اللهم إنا نسألُك خشيتَك في الغيب والشهادة، اللهم إنا نسألُك خشيتَك في الغيب والشهادة، اللهم إنا نسألُك خشيتَك في الغيب والشهادة، وكلمةَ الحقِّ في الغضبِ والرِّضا، ونسألُك القصدَ في الفقر والغِنَى، ونسألُك نعيمًا لا يَبيد، وقُرَّةَ عينٍ لا تنقطِع.

 

ونسألُك الرِّضا بعد القضاء، ونسألُك بردَ العيش بعد الموتِ، ونسألُك لذَّةَ النظر إلى وجهِك، والشوقَ إلى لِقائِك في غير ضرَّاء مُضِرَّة، ولا فتنةٍ مُضِلَّة، اللهم زيِّنَّا بزينةِ الإيمان، واجعَلنا هُداةً مُهتَدين يا رب العالمين.

 

اللهم أصلِح قلوبَنا وأعمالَنا، اللهم أصلِح قلوبَنا وأعمالَنا، اللهم يا مُقلِّبَ القلوبِ! ثبِّت قلوبَنا على دينِك، اللهم يا مُصرِّفَ القلوبِ! صرِّف قلوبَنا على طاعتِك.

 

اللهم لا تُزِغ قلوبَنا بعد إذ هديتَنا برحمتِك يا أرحم الراحمين. اللهم أعزَّ الإسلام والمُسلمين، وانصُر عبادَك المُوحِّدين، واجعَل اللهم هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا وسائرَ بلاد المسلمين. اللهم آمنَّا في أوطاننا، اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا بتوفيقِك، وأيِّده بتأييدِك، وأعِزَّ به دينَك يا ربَّ العالمين.

 

عبادَ الله: صلُّوا وسلِّمُوا على مَن أمرَكم الله بالصلاةِ والسلامِ عليه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.

 

سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

 

 

المرفقات

وفتنة الابتلاء1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات