حُرمة المساجد وعمارتها

عبد الله العلوي الشريفي

2010-03-25 - 1431/04/09
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ عمارة المساجد نوعان: حِسِّية ومعنوية 2/ آداب ارتياد المساجد 3/ تنظيف المساجد وتطييبها وصيانتها من الأقذار 4/ تهيئة الأجواء للعابدين 5/ خفض الصوت ولو كان بطاعة 6/ البعد عن الحديث في شؤون الدنيا 7/ النهي عن البيع والشراء والبحث عن الأشياء الضائعة بالمساجد 8/ رسالة المسجد أوسع وأشمل من مجرد أداء العبادة

اقتباس

ونحنُ نُسَرُّ كثيرًا لما نراهُ في بعض النَّاسِ من حرْصٍ على ارْتيادِ المساجدِ، ونحْمدُ اللهَ على ذلك، ولكنْ نسْتاءُ -في الوقْتِ نفسه- لما نراهُ في بعضهم من بُعْدٍ عن آدابِ المسْجدِ وأَخْلاقهِ، ومن نقْصٍ كبيرٍ في معْرفةِ دينهم وفقْههِ...

 

 

 

 

 

 إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُـرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا ونَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَخْلَصُ مَنْ عبدَ ربَّهُ ودعاهُ، وَأصْدقُ من تقرَّبَ إليهِ وناجاهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، الَّذينَ استنُّوا به في عملهِ، وَأَتْبَاعِهِ ومن تبعَهُمْ بإحسانٍ إلى يوم الدِّينِ...

أَمَّا بَعْدُ:

فيَا إِخْوَةَ الإِيمَانِ: يقولُ اللهُ -عز وجل-: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [التوبة: 18]. فعمارة المسجدِ على نوعين: عمارةٌ حسِّيةٌ: بالبناءِ والتَّرميم والتَّنظيفِ وغيْرهِ... وعمارةٌ معنويةٌ: بالصلاة والذِّكْر وقراءةِ القُرْآنِ وحلقاتِ العلْمِ...

ورَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رغَّبَ في ارْتيادِ المساجدِ فقالَ: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ -لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ- لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ". [باب فضل صلاة الجماعة - كتاب الأذان - البخاري].

وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ". [باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح - كتاب الأذان - البخاري].

ونحنُ نُسَرُّ كثيرًا لما نراهُ في بعض النَّاسِ من حرْصٍ على ارْتيادِ المساجدِ، ونحْمدُ اللهَ على ذلك، ولكنْ نسْتاءُ -في الوقْتِ نفسه- لما نراهُ في بعضهم من بُعْدٍ عن آدابِ المسْجدِ وأَخْلاقهِ، ومن نقْصٍ كبيرٍ في معْرفةِ دينهم وفقْههِ... فالمسجدُ -أيها الإخوة المؤمنون- له حُرْمَةٌ خاصَّةٌ يجبُ علينا أن نراعِيَهَا، وله آدابٌ علينا أن لا نفرِّطَ فيها، وذلك حتَّى تتحققَ الرِّسالةُ الَّتي أرادها اللهُ منهُ.

ومن هذه الآدابِ:

تنظيفهُ وتطييبهُ وصيَّانتُهُ من الأقذار والروائح الكريهةِ؛ فقدْ صحَّ في الحديثِ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: "أَمَـرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الـدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ". [بـاب ما ذكر في تطييب المساجد - كتاب الجمعة - سنن الترمذي].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ -أي تكْنسهُ- فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: "فَهَلاَّ آذَنْتُمُونِي؟! فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا". [باب ما جاء في الصلاة على القبر - كتاب ما جاء في الجنائز - سنن الترمذي]. وهذا تكريمٌ للَّذين يشْغلون أنْفُسهم بتنظيف المساجد وتطهيرها.

وعن جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ". [باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث - كتاب الأذان - البخاري].

ويُلْحقُ بذلك كُلُّ ما لهُ رائحةٌ كريهةٌ من المأكولاتِ وغيْرها، وأخصُّ بالذِّكْر هنا رائحةَ الجواربِ التي تنبعثُ من بعض المصلِّينَ، فهي أسوأُ رائحةً من رائحةِ الثوم والبصلِ.

وإنَّ من قلَّةِ الذَّوْقِ، ومن مخالفة قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: 31]، أن يأْتيَ المصلِّي وثيَّابُهُ متَّسخةً، فلا يُنظِّفُها قبل أن يدخُلَ إلى المسْجدِ، ثمَّ يزاحمُ الآخَرينَ بهذه الثِّياب القذرة، التي ربَّما تنبعثُ منها الرَّائحةُ الكريهةُ.

وقد حثَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثَ كثيرةٍ على التطيبِ والاغتسالِ، وذلك ليكون المسْلمُ نظيفَ الجِسْمِ، نظيفَ الثَّوْبِ والظَّاهرِ، كما هو نظيفُ القلبِ والباطنِ.

هذا، وقد حرص الإسلام على تهيئة جو هادئٍ في المساجد للعابدينَ، لكيلاَّ يشغَلَهُم شاغلٌ في مناجاتهم للهِ، وقيامهم بين يديْه، فحَظَرَ رفْعَ الصَّوْتِ في المسْجدِ حتَّى بقراءةِ القرآنِ؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: "أَلاَ إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَـاجٍ رَبَّهُ، فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلاَ يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ -أَوْ قَالَ:- فِي الصَّلاَةِ". [باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل - كتاب الصلاة - سنن أبي داود].

وإذا كان من المحظور رفع الصوت بكلام الله في المسجد، فكيف بمن يرفع صوْتَهُ فيها بالجدلِ ولغْو الحديثِ، وبالخصومةِ والمُشاجرةِ، وبالشَّتْمِ والانشغالِ بالقيلِ والقالِ، وبالغيبةِ والحديثِ في أمْر الدُّنْيا، وما جرى لفلانٍ، فالمسجدُ ينبغي أن ينزَّهَ عن كُلِّ هذا، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "سيكونُ في آخر الزَّمانِ قوْمٌ يكون حديثهم في مساجدهم، ليس للهِ فيهم حاجةٌ". [الحديث رقم 196 صحيح الترغيب والترهيب].

وقد ورد النهي عن البيع والشراء، والبحث عن الأشياء الضائعة في المسجد؛ لأنَّ هذه الأمورَ تصْرفُ النَّاسَ عنِ العبادةِ والغايةِ المتوخَّاةِ من المسجد؛ فعن أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا". [باب من نشد الضالة في المسجد وما يقوله - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - مسلم].

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيـعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ". [باب النهي عن البيع في المسجد - كتاب البيوع - سنن الترمذي].

كلُّ ذلك -أيها الإخوة المؤمنون- مبالغة في احترام المساجد، ولكِيَلا يخْرجَ بها النَّاسُ عن الغرضِ الذي بُنيتْ له.

فاتقوا الله -عباد الله- واحفظوا للمساجد حُرمَتها، ودرِّبوا أبناءَكم على آداب المسجد، واحذروا من كلِّ عملِ فيه انتهاكٌ لحُرمَةِ بيوتِ الله.

نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين، وبحديث نبيه الصادق الأمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فيا إخوة الإيمان: إن الهدفَ الأسمى من بناء المساجد في الإسلام هو عبادة الله وحده، قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن: 18].

ولكن ليست الغايةُ من المسجد هي عبادة الله تعالى فقط، بل رسالته أوسعُ وأشمل؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعله دار عبادةٍ ومشعل هدايةٍ، ومعهد علم، ومركز قيادة ومجلسَ شورى...

والتاريخ يشهد بأن بعض المساجد الكبرى في العالم الإسلامي كانت بمثابة معاهدَ وأكاديمياتٍ علميةٍ ذاتِ شأنٍ عظيم، تخرَّج منها المحدِّثون، والفقهاءُ، والخطباءُ، والوعَّاظُ، والمؤرِّخون، والأدباءُ، واللُّغويون، والنحويون... بل في مثل هذه المساجد استطاعَ حتى عامَّة الناس من حرفيين وفلاَّحين وتجار... وغيرهم، أن يستوعبوا تعاليم شريعتهم، ويفقهوا الضَّروريَ من علوم دينهم ودنْياهم... وبمرور الزمان، انحسرت وتقلَّصت رسالة المسجد، وضعُفَ دورُهُ وتأثيرُه، واتسعتِ الفجوةُ بينه وبين الواقع المعيش، تؤدَّى به الصلوات الخمسُ والجمعةُ، ثم يغلق ويغادرهُ المسلمون إلى أسواقهم وشوارعهم ومنتدياتهم... فأصبح أغلب المسلمين يجهلون شريعتهم ودينَهم جهلاً تامًّا، إلاَّ معلوماتٍ سطحيةً عن العبادات، بل أكثرهم يؤدُّون العباداتِ تأديةً آليةً، مقلِّدين في ذلك آباءهم ومشايخَهم...

نسألُ اللهَ -عز وجل- أن يعيد إلى مساجدنا وظيفتها وحيويَّتها، حتى ندخُلَ إليها طالبين زادًا، ونخرج منها إلى الحياة وفي حسِّنا يقظة، وفي صدرنا بصيرة، وفي أرواحنا ضياء.

هذا؛ وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على أكرم خلق الله محمدٍ بنِ عبدِ الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال -عزَّ من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلِّم وباركْ على عبدك ورسولك سيِّدِنا محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الرَّاشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحقِّ يا ربَّ العالمين.

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، ونسألك العزيمة على الرُّشد، ونسألُك شكر نعمتك وحسنَ عبادتك، ونسألك لسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا، ونعوذ بك من شرِّ ما تعلم، ونسألك من خير ما تعلم، ونستغفرك ممَّا تعلم، إنك أنت علاَّمُ الغيوب.

اللهم ارحمنا، وارحم والدينا، وارحم من علَّمنا، والمسلمين أجمعين، برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.. آمين. والحمد لله ربِّ العالمين.
 

 

 

 

 

المرفقات

1166

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات