حلب رثاء أم إباء

إبراهيم الدويش

2017-01-04 - 1438/04/06
التصنيفات: الأحداث العامة
عناصر الخطبة
1/ قراءة في أحداث حلب وصمودها والتفاعل معها 2/ حال حلب الشهباء وأهلها 3/ دروسٌ من أحداث سقوط حلب 4/ عدم اليأس والتعلق بأسباب النصر
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

وبعيدًا عن الخطب العصماء، ومجالس العزاء، وقصائد الحزن والرثاء، فما رأيناه من تفاعل الشعوب بكل اتجاهاتها وفئاتها مع أحداث حلب في الأيام الماضية يسر ويُفرح قلوب المؤمنين وإن لم يَشفها، وبمشيئة الله له ما بعده.   

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد للهِ مُعِزِّ أوليائه، ومذل أعدائه، ناصر الموحدين، وقاهر الملحدين والمشركين. والصلاة والسلام على النبي الأمين، بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى أصحابه أُسد العرين، ومن تبعهم، وسار على دربهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد: عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى، واستمسكوا بالعروة الوثقى، (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. 

 

أيها المسلمون: لن نبكي اليوم حلب ولا أهلها، لن نبكي سقوطها ولا ما جرى فيها، ليس لأننا لم نتوجع أو نتألم أو ندمع، وليس لأن شعور جسد المسلم الواحد مات فينا، بل لأن أحداث حلب بالأمس واليوم حرّكت هذا الجسد وأعادت له الأمل، فكلنا شاهد وسمع وقرأ، بل وتفاعل مع المسلمين في أصقاع الأرض، نعم تألموا وصرخوا، وبكوا، هبوا وكتبوا وتحركوا وطالبوا، أرجوك لا تقل: ثم ماذا بعد؟ فكلنا يعلم ويُدرك أن أمتنا الإسلامية حكومات وشعوبًا تعيش حالة ضعف شديد، وتنازع وفرقة، وإغراق في الشبهات والشهوات لا مثيل له، فأرجو أن لا نطالبها فوق ما تحتمل حتى لا نُهلكها، "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ؛ فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ"، وهو أيضًا: "أَهْلَكُهُمْ". 

 

وبعيدًا عن الخطب العصماء، ومجالس العزاء، وقصائد الحزن والرثاء، فما رأيناه من تفاعل الشعوب بكل اتجاهاتها وفئاتها مع أحداث حلب في الأيام الماضية يسر ويُفرح قلوب المؤمنين وإن لم يَشفها، وبمشيئة الله له ما بعده.     

 

تكالبي يا كل وحش الفلا *** وأيقظي المارد من مرقده

قد كاد يُنسيه الهوى أصله *** ويَمّحي قرآنه في يده

واليوم طار الذل من قلبه *** وعاد يبني المجد من مسجده 

 

لقد أيقظت أحداث سوريا عامة، وحلب خاصة، المسلمين، عرفوا من خلالها العدو من الصديق، وعرفوا حقيقة الإرهاب ومن خلفه، وانكشفت سوءة المنافق والمخادع والخائن، وانطلقت ألسنة وأقلام العامة قبل الخاصة تصدع بالحق وتطالب بمعاقبة الخونة والمجرمين؛ لا تقل: متى وكيف؟! فالظلم لن يدوم، والظالم -لا شك- سينهار، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) [إبراهيم:42].

 

وأما الدماء الطاهرة التي تجري، والنفوس الشريفة التي تُزهق، فحسبها قول الحق -عَزّ وَجَل-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169]، وقوله -سبحانه-: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران:139-140].

 

ليس الغريب أن تسقط حلب، بل الغريب والعجيب أن تصمد حلب كل هذه السنين، وكل هذا الصمود بفضل الله ثم بفضل صبر وثبات قلة مؤمنة من الثوار المجاهدين من الشعب السوري الأبي، وقفوا بحزم وصلابة وشجاعة أمام بطش الآلة العسكرية الروسية وجيوش الصفويين والفاطميين من المجوس والنصيريين وشذاذ الآفاق من عصابات وميليشيات مجمعة من أقطار الأرض تحت راية الرفض، والثأر من أهل السنة، وبكل غطرسة وكبرياء، وحقد أسود، وبكل أنواع الأسلحة والقنابل المحرمة دوليًّا، ورغم الخذلان لهم من الجميع، ورغم تفرق قادات الفصائل وتناحرهم فيما بينهم، ورغم المكر الدولي الذي يرعى مصالحه فقط.

ولو كان رمحًا واحدًا لاتَّقيته *** ولكنَّه رمحٌ وثانٍ وثالثُ

 

هذه حال أهلنا وأحبابنا اليوم في حلب الشهباء، حلب العلماء والفضلاء، حلب التاريخ والمآثر والأمجاد، حلب العراقة والأصالة، حلب المقاومة والصمود والإباء، حلب الشموخ والكبرياء، حلب منطلق حملات الصوائف والشواتي ضد دولة الروم الأرثوذكسية طوال عهود الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، وقد أذاقتهم الأمرَّين، حلب التي قادت مدن الشام لمقاومة المد الرافضي المجوسي اليهودي المتمثل في الدولة العبيدية والتي جيشت الجيوش لاحتلال الشام خلال أكثر من نصف قرن، فهم الآن ينتقمون من حلب، ومن سجل حلب في المقاومة والصمود ودحر الأعداء. 

 

ذهب تيمور لنك وجنكيز خان وهولاكو، وذهب قادة حملات الصليب والقرمطي والصفوي، وبقي الإسلام في الشام، وسيبقى -بإذن الله وحوله وقوته- رغم كيد الأعداء ومكر المنافقين وتآمرهم، فوالله! إن وعد الصادق المصدوق في الصحيحين حق، بقوله: "لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ"، وفي رواية: "لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ"، فلا تخافوا على حلب فهي من الشام، والله تكفل لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بالشام، وفي الحديث: "أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ" أخرجه أحمد بإسناد صحيح.

أنت الحياة جمالًا، فانفضي رهبًا *** فالله أكرم أن يخزيك يا حلبُ

 

وما زالت حلب تُعطي الدروس للأمة بعد الدروس، أعظمها وأهمها: أننا عندما نتحد ونقف خلف قضايانا كأمة مسلمة فلن يقف أمامنا أي قوة مهما كان سلاحها وحجمها، ومهما كان ضعفنا وقلة حيلتنا! فيا ليتنا نستمر بِهبّتنا ونستثمر أحداث حلب بمطالبات ومساع متكررة رسمية وشعبية وبكل الوسائل لجمع كلمة الشعب السوري المجاهد، وتوحيد قيادات فصائله تحت قيادة وراية واحدة، لتكون المحنة منحة، وليكون استثمارًا لهذه الدماء السورية الزكية، وثمنًا مباركًا لهدف وغاية عظيمة تشفِي صدور المسلمين، وتعود بالعزة والتمكين، لسوريا البلد المسلم العظيم.

 

ألا ترون أن أحداث حلب حرّكت جموع المسلمين عبر كل الوسائل وهي تصرخ بالثوار وقادة الفصائل بسوريا: كفاكم قتل بعضكم! كفى لقتل المسلم للمسلم! فإننا -والله- لا نرى ولا نسمع عن قتل يهودي ليهودي، ولا قتل شيعي لشيعي؟! فما بالكم رضيتم بقصد أو دون قصد بتحريضهم ومكرهم وإثارة الإحن والفتن بينكم لقتل مسلم لمسلم، فيا ليت ثوار سوريا الأبطال يتحدون ويستجيبون لصرخات الشعوب المسلمة هذه الأيام، فإن سقطت حلب بعد أن صمدت وصبرت فستعود حتمًا وبحول الله وقوته.

 

لكن؛ علينا أن نسعى لفعل الأسباب؛ لتجتمع الأمة الإسلامية وتُوحد وُجهتها وتعرف حقًا عدوها، فلندع الخلافات والتصنيفات الفكرية والحزبية والقبلية، والأطماع الشخصية؛ فإن العدو يتربص بنا، فلننشغل بعدونا الحقيقي قبل أن يجوس بديارنا ويحل بدارنا.

 

تكالب المعتدون اليوم واتحدوا *** وأصبحوا عند باب الدار واقتربوا

ونحن كالمرتجي عطفًا ومَرحمةً *** من الذئاب، وراء الباب نرتقبُ

 

فأرجوكم يا شباب المسلمين، استثمروا يقظتكم وغيرتكم، فالدماء الزكية التي سالت أمس بحلب تستحق منا أن نتناسى خلافاتنا الداخلية، ونلتف حول ولاتنا وعلمائنا الربانيين؛ لأجل وطننا وأمتنا وديننا، أرجوكم ما دام في الأمر فسحة، فالعدو بعد حلب وسوريا يُصرح وبكل فجاجة ولجاجة أن وجهته (مكة) حرسها الله وحمى وطننا وكل بلاد المسلمين من رجسهم وحقدهم ومن كل ذي شر، فعودوا يا مسلمين، وخاصة أنتم يا معاشر الشباب، عودوا لدينكم، واستفيدوا من دروس حلب، واستعيدوا العزيمة والهمة، وطهروا قلوبكم بالإخلاص لله، واليقين بوعده ونصره، (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد:7].

 

ووالله! بيدكم الخير الكثير، والعمل الصالح الوفير، والذي أعظمه وأحبه إلى الله: بذل كل الأسباب للاجتماع ورص الصفوف، ونبذ أسباب التفرق، وقد سخر الله الوسائل لكم وسهلها بأيديكم، فأروا الله من أنفسكم خيرًا.

 

شباب الجيل للإسلام عودوا *** فأنتم روحه وبكم يسود

وأنتم سر نهضته قديمًا *** وأنتم فجره الزاهي الجديد

 

إي والله! أنتم سر نهضة الإسلام، ونهضة الشعوب والأمم، فلا تهولنكم المصائب، فالمصائب درجات، لكن أعظمها مصيبة الدين، فاللهَ اللهَ بدينكم! ولنحذر -معاشر المسلمين- شعوبًا وحكومات من التواني والفتور في واجباتنا تجاه إخواننا في سوريا وفي العراق وفي كل مكان، لا نريد أن نقول غدًا: (أُكلنا يوم أكلت الثورة السورية)، فمعركة سوريا معركة عقيدة ووجود، نكون أو لا نكون، وليست مسألة قابلة للتفاوض والمساومة، فالأهداف المشؤومة للعدو لن تتوقف عند حدود حلب ولا الشام ولا العراق فقط، فليعلموا أن من صميم أمنهم القومي إرجاع الحق لأصحابه في سوريا والعراق، وأن اللعب بالتركيبة السكانية والتغيير الديموغرافي نار ستحرقهم قبل غيرهم، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21]. 

 

أيها المسلمون: إن كان بكى الكثير بالأمس على حلب المدينة الجميلة، وتوجع لها ولأهلها، وتفطر قلبه أسفًا وكمدًا وحسرة على جرائم حرب بشعة في حق الإنسانية التي يتغنى بها عالم النفاق والمصالح، فإن الكثير الكثير أيضًا نعى بالأمس الإنسانية برمتها في حلب، وأيقنوا أن الإنسانية العالمية ذبحت في شوارعها وطرقاتها، وماتت في مبانيها المدمرة، ودفنت في أحيائها المنكوبة، لم تكن الإهانة لأبطال وفرسان حلب، بل لقد أهينت فيها الآدمية الغربية، وديست على قوانينها الأممية، فالروس والمجوس وأذنابهم لم يستطيعوا احتلالها إلا بعد حرقها كلها بلا استثناء، وبلا رحمة لأطفال أو نساء، ولا شفقة بمريض يئن صباح مساء، بل بكل قذارة وعنجهية، وخسة ووحشية، فظائع ومآسٍ وأهوال وأرض محروقة وهدم المنازل بالصواريخ على رؤوس ساكنيها من النساء والعجزة والأطفال، إنها صكوك إدانة لا بطولة، فقد انتصروا على أنقاض حلب، وعلى جثث الأطفال والنساء.

 

نعم، التاريخ لا يرحم، فهو سيشهد ويسجل أنهم دمروا حلب، ودمروا كل شيء فيها، دمروا شوارعها ومساجدها وأسواقها ومنازلها، وأنهم استهدفوا كل حي يتحرك فيها، أبادوا أهل أحياء بأكملها ودفنوهم تحت الأنقاض والركام وهم أحياء، لقد تحولت إلى مدينة أشباح، قصف وتدمير وتجويع وحصار، وفتك واغتصاب وإعدامات جماعية، وتعذيب بأساليب لم يخطر لك على بال من صعق وقتل وسحل ودفن الأحياء، يقول شهود عيان: تحولت حلب إلى جحيم لا يطاق، قامت القيامة فيها، فمن الجو الطائرات تقصف، ومن البحر السفن والبوارج والغواصات تقذف، ومن البر الدبابات والراجمات ترجم، والمدافع وأنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة تُلقي حِممها كنيران البراكين، الموت منتشر في كل لحظة وجهة، والأشلاء متناثرة في الشوارع والطرقات، والنيران مشتعلة في المباني والملاجئ والمستشفيات، ويقولون: لن نتحدث عن مصاب العرض والشرف، واغتصاب الحرائر!.

 

أوَّاهُ يا حلبَ الأمجادِ يا لُغةً *** من الشموخ طوى إبدَعَهَا الصَّخَبُ

حربٌ تُشنُّ بلا وعيٍ ولا خُلقٍ *** فالطفلُ يُقتلُ، والأعراضُ تُغتَصَبُ

يا رب وحدك أنت المستعان فما *** نرجو سواكَ إذا ما اشتدت الكُرَبُ

إيماننا بك يطوي كلَّ مانشروا *** من المآسي، ويُنهي كلَّ ما جلبوا 

 

معاشر المسلمين، يا أبطال سوريا، يا أسود حلب، ثقوا بأن الله ناصر المستضعفين ولو بعد حين، فإياكم أن تيأسوا حتى وإن تخلى عنكم الناصر والمعين، وإن اجتمعت عليكم جيوش العالم، فتفاءلوا فإن الفرج يولد من رحم الظلمة والمحنة، (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح:5-6]، فالتاريخ يشهد أن الأيام دول، والنصر تارة وتارة، إلا أن العاقبة للمتقين، وسقوط حلب وتدميرها لا يعنى النهاية، فالثورة قائمة، والجهاد باقٍ، ولن يسقط بسقوط حلب أو غيرها بإذن الله -تعالى-، فالشعب السوري المسلم الأبي لا يريد للإسلام والحرية بديلاً.

 

وعلينا فعل الأسباب؛ فاللهَ اللهَ في جمع الكلمة، وترصيص الصفوف، والتسامي على الاختلافات الفصائلية والحزبية، والمصالح الشخصية! فالإسلام أولاً، فشعب سوريا يُهجر ويُقتل، وأنهار الدماء تسيل، فإياكم والفرقة والاختلاف! (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال:46]، (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء:104].

 

جمع الله شملكم، وألف بين قلوبكم، وثبتكم، وسدد رأيكم ورميكم، ونصركم، وأخزى عدوكم. 

 

وأخيرً معاشر الشباب: لنحذر! فهناك من يريد أن يستثمر عواطف شبابنا وحماسهم فيستغل مثل هذه الظروف والأحداث للدفع بهم لغياهب الفتن وأماكن الصراع، ومن ثم الحيرة والضياع، فاحذروا وقوموا بواجب النصرة وأسبابها التي تستطيعون، وهي -والله- أبواب كثيرة، لكن المشوشين والمفتونين لهم ألف حيلة وحيلة للإيقاع بالشباب، وتثبيط النفوس، خاصة في مثل هذه الفتن والأحداث؛ فإن تكلّم فصيحٌ قالوا: وما يُجدي الكلام؟ وإن كتب كاتب قالوا: حبر على ورق! وإن غضب شاعر قالوا: وهل ستفتح حلب بقصديتك؟ وإن اتجه لباب الصدقة والإغاثة والجهاد بالمال، قالوا: يسرقها الإرهابيون وبها يُدمرون. وإن قالوا: الدعاء. قالوا: قد دعوتم ودعوتم، وما نفعكم الدعاء؟! وهكذا أغلقوا الطرق وسدوا الأبواب لنيأس ونستسلم، وننهزم نفسيًا.

 

هم يتناسون -أو أنهم لا يعلمون- أن الكلمة في شرعنا أمانة، وأن الإعلام جهاد، وأن الهم والدمعة شعورٌ بالجسد الواحد، وأن الميزان في الإسلام يزن مثاقيل الذر، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8].

 

وحسبكم أن الله يسمع ويرى، فافعلوا الخير كله، وأطلقوا العنان، فَحقٌ للحروف أن تزمجر، وللكلمات أن تصطرخ، وللعبارات أن تتفجر، وللدموع والعبرات أن تنهمر؛ وكلها -وغيرها كثير- أبواب للجهاد مشروعة، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن:16].

 

وها هم الجنود على الحدود يجاهدون العدو بكل بسالة تحت راية وقيادة شرعية واضحة، وسيأتي اليوم الذي تنتصر فيه لعامة المسلمين والمستضعفين في سوريا وغيرها، فلا تستعجلوا، ولا تتمنوا لقاء العدو، وإذا قدر الله ذلك فوالله لن نتردد لحظة لإجابة نداء ولي الأمر، فهي أمنية لكل مسلم صادق في الذب عن دينه ووطنه وعرضه، "واعلمُوا أنَّ النصرَ معَ الصبرِ، والفرجَ معَ الكربِ"، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق:7].

 

فاستعينوا بالله واصبروا فإن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده المتقين، نسأل الله أن يُقَيِّضَ للأمة أمرًا رشدا، يُعز فيه أهل الطاعة، ويُرفع فيه علم الجهاد، ويُنصر فيه المسلمون في كل مكان.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم

 

 

المرفقات

رثاء أم إباء

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات