حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا (5) وجوب الإيمان به

إبراهيم بن محمد الحقيل

2008-12-01 - 1429/12/03
عناصر الخطبة
1/وجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم 2/ معنى الإيمان بالنبي ومقتضياته 3/ عموم رسالة النبي 4/ من أصول الإقرار برسالة النبي 5/ أقسام غير المؤمنين بالنبي 6/ الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم 7/ النبي رحمة للعالمين .
اهداف الخطبة
بيان وجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم / التحذير من إنكار رسالته وبيان أقسام المعرضين عنها .
عنوان فرعي أول
من أصول الإيمان
عنوان فرعي ثاني
بعثت للناس كافة
عنوان فرعي ثالث
يؤمنون ولكن !

اقتباس

والإيمان به عليه الصلاة والسلام هو التصديق مع الإقرار بنبوته، وذلك يقتضي محبته وطاعته، والقبول به، والانقياد له، والإذعان لدينه، والاستسلام لشريعته.

 

 

 

 

الحمد لله اللطيف الخبير؛ خلق الجن والإنس لعبادته، وكلفهم بحمل أمانته، وأوجب عليهم التزام شريعته، نحمده على نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ أرسل رسله لتبليغ رسالته، وهداية خلقه، فمنهم من قبل عن الله تعالى هدايته، والتزم شريعته، ومنهم من حقت عليه الضلالة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق هاديا ومعلما، وبشيرا ونذيرا؛ فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله تعالى حق جهاده حتى أتاه اليقين فجزاه الله تعالى عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ خير صحب لخير نبي، ترضى الله تعالى عنهم في كتابه العزيز، وذكر مناقبهم، ومدح صفاتهم، وأثنى على من أحبهم ممن جاءوا بعدهم (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10] وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى -أيها المسلمون- واعملوا صالحا؛ فإن الدنيا ليست لبقائكم، ولا هي منتهى آمالكم، وإن الآخرة هي داركم، ولن تنفعكم فيها آباؤكم ولا أبناؤكم، وإنما ينفعكم إيمانكم وتقواكم، فتزودوا بالإيمان والتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [لقمان:33].

أيها الناس: من رحمة الله تعالى بعباده هدايتهم وتعليمهم، وإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، وبيان الحق لهم، فمن العباد من قبل رحمة الله تعالى وهدايته، فاتبع رسله، وصدق كتبه، والتزم شريعته؛ فله سعادة الدنيا وفوز الآخرة. ومنهم من أبى رحمة الله تعالى، فعارض رسله، وكذب كتبه، واستنكف عن عبادته؛ فله شقاء الدنيا وعذاب الآخرة.

ورسولنا محمد عليه الصلاة والسلام هو خاتم الرسل فلا نبي بعده، أوجب الله تعالى على كل المكلفين منذ بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة الإيمان به، وتصديقه واتباعه؛ فلا دين يوصل إلى الله تعالى إلا دينه، ولا شريعة يحبها الله تعالى ويرضاها لعباده إلا شريعته (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ) [آل عمران: من الآية19] وفي الآية الأخرى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85] وجاءت الآيات القرآنية آمرة أمته بالإيمان به (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) [النساء: من الآية170] وفي آية أخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) [الحديد: من الآية28] وفي ثالثة (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) [التغابن: من الآية8].

وتوعد الله عز وجل من لم يؤمن به سبحانه وبرسوله صلى الله عليه وسلم بنار جهنم (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً) [الفتح:13] , والإيمان به عليه الصلاة والسلام هو التصديق مع الإقرار بنبوته، وذلك يقتضي محبته وطاعته، والقبول به، والانقياد له، والإذعان لدينه، والاستسلام لشريعته.
وقد أخبرنا الله تعالى أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أُرسل إلى الناس كلهم إلى قيام الساعة، وهذا يقتضي بأنه ليس رسولا إلى أمة دون أمة، أو إلى جنس دون جنس، أو رسولا في زمن دون زمن، بل هو رسول الله تعالى إلى العالمين منذ بعثته إلى قيام الساعة في كل زمان ومكان (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) [سـبأ: من الآية28] وأمره الله تعالى أن يخاطب الناس بذلك (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف: من الآية158] وفي الآية الأخرى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [الأنعام: من الآية19] وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وهي مثل قوله سبحانه: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) [الفرقان:1] وقال عليه الصلاة والسلام: "كان كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى كل أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ" رواه الشيخان.

ولوازم هذه النصوص الكثيرة: أن كل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستجب لها، ولم يؤمن به فهو من الكافرين، ومأواه النار خالدا فيها؛ كما جاء مصرحا به في قوله عز وجل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) [هود: من الآية17] وفي الآية الأخرى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة: من الآية121] وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ من هذه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ ولم يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إلا كان من أَصْحَابِ النَّارِ) رواه مسلم.

ومن أصول الإقرار برسالته عليه الصلاة والسلام الاعتقاد بأنه آخر الرسل، وخاتم النبيين فلا نبي بعده، فمن ادعى النبوة بعده فهو كاذب، أو ادعى أن له ما للأنبياء من التشريع باسم الولاية أو غيرها فهو كاذب كذلك (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) [الأحزاب: من الآية40] وقال عليه الصلاة والسلام: "لا نَبِيَّ بَعْدِي" متفق عليه.

ولا بد أن يقر العبد بأن ما جاء به من القرآن هو من عند الله تعالى مصدقا لما قبله من الكتب والرسل، وقاضيا على كل الشرائع السابقة، فناسخ لبعضها، ومكمل لأكثرها (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) [المائدة: من الآية48] وهذا يقتضي طاعته عليه الصلاة والسلام، والاستسلام لشريعته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [النساء: من الآية59] وفي آية أخرى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [النور: من الآية54] وبين سبحانه أن الهداية إنما تكون بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) [النور: من الآية54].

ولا يسع مؤمنا الخروج عن طاعته، أو التحاكم إلى غير شريعته، وإلا لم يكن مؤمنا به (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) [الأحزاب: من الآية36] وفي الآية الأخرى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) [الحشر: من الآية7] والذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم على أقسام؛ فقسم منهم كذبوه، وزعموا أن الله تعالى لم يرسله إلى الناس نبيا ورسولا، مع قيام الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة على صدقه ونصحه لأمته عليه الصلاة والسلام، وهذا القسم هم أكثر أمم الأرض في الماضي وفي الحاضر من أنواع الوثنيين والملحدين، ومن طوائف أهل الكتاب.

وقسم آخر زعموا أنهم يصدقونه، ولكنهم جعلوه نبيا لأمة العرب فحسب، وبعضهم يحصرون نبوته في زمن بعثته وحياته، دون القرون التي بعده، أو يحصرونها فيمن هم في مكة أو في جزيرة العرب دون غيرهم. وهؤلاء متناقضون، فإن آمنوا أنه نبي لزمهم أن يصدقوا ما جاء به عن الله تعالى، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بالقرآن وأنه كلام الله تعالى، وفي القرآن أنه عليه الصلاة والسلام مرسل إلى الناس كافة، ورسول الله تعالى إلى الناس جميعا، في كل زمان ومكان؛ فإن آمنوا بنبوته لزمهم تصديق خبره هذا وإلا كانوا متناقضين.

وقسم ثالث أظهروا تصديقهم بنبوته عليه الصلاة والسلام لكنهم زعموا أن الطرق كلها موصلة إلى الله تعالى، وأن الأديان كلها مرضية عنده سبحانه، وهم من يسمون بالروحانيين، وكثير منهم يخصون ذلك بما يسمونه الأديان السماوية أو الأديان الإبراهيمية؛ ليدخلوا اليهودية والنصرانية في الدين الصحيح. وهؤلاء إن كانوا يصدقون بنبوته عليه الصلاة والسلام لزمهم أن يصدقوا بخبره، وقد أخبر عن الله تعالى أن من ابتغى غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، كما أخبر أن من لم يؤمن بما جاء به فهو من أهل النار، ومما جاء به إبطال اليهودية والنصرانية وسائر الأديان والملل سوى دينه عليه الصلاة والسلام؛ فلزمهم تصديقه في ذلك واتباعه، أو تكذيبه، وإلا كانوا متناقضين.

وقسم رابع أظهروا إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم زعموا أن لشريعته باطنا وظاهرا، وأن باطن شريعته لا يعرفه إلا هم ومشايخهم، فخرجوا على ظاهر شريعة النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الباطن الذي اخترعوه، وزعموا اختصاصهم به دون سائر الناس، وكل الفرق الباطنية التي أبطلت دين النبي صلى الله عليه وسلم، وقدحت في أزواجه وأصحابه رضي الله عنهم، وغالت في رؤوسها ومشايخها هم من هذا القسم، وإيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم منقوض بإبطالهم لشريعته عليه الصلاة والسلام، وإحداثهم لدين آخر زعموا أنه باطن دين محمد صلى الله عليه وسلم.

وقسم خامس زعموا إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم غالوا فيه، وعبدوه من دون الله تعالى، فيدعونه ويستغيثون به، ويسألونه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فنقضوا ما جاءهم به عليه الصلاة والسلام من إفراد الله تعالى بالعبادة إلى الشرك به سبحانه، والغلو في نبيه عليه الصلاة والسلام.

ومنهم من أحدثوا له الموالد، وغالوا في المدائح، وأطروه كما أطرت النصارى ابن مريم، وقد نهى عليه الصلاة والسلام أمته عن ذلك، فوقعوا فيما نهاهم عنه.

وقسم سادس أظهروا تصديقهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ويزعمون الإيمان به وتعظيمه، ويصلون عليه إذا ذكر، ولكنهم يعتقدون أو يظنون أن بوسعهم الخروج عن شريعته، وأن ما جاء به من الدين يختص بما يتعلق بالآخرة من العبادات المحضة والأخلاق ونحوها دون ما يتعلق بالدنيا التي يزعمون أنها متروكة للناس، وكثير من أصحاب الاتجاهات العلمانية هم من هذا القسم، وهم متناقضون أيضا لأنهم إن آمنوا به وصدقوه لزمهم أن يقبلوا أخباره، ويذعنوا لأحكامه المتعلقة بأمور الدنيا وأمور الآخرة ولا فرق، وإلا لم يكونوا مستسلمين لشريعته، وعدم استسلامهم لشريعته قادح في إيمانهم بنبوته عليه الصلاة والسلام.

وكثير منهم يلجأ في تنصله من أوامر الشريعة إلى التحريف والتأويل؛ فما لا يوافق أهواءهم يزعمون خصوصيته في زمن الرسالة دون هذا الزمن، أو يدعون أنه كان لظروف خاصة، أو أنه من قبيل العادات المتروكة للناس، ولا سيما إذا كان الحكم الشرعي معارضا للحرية الغربية أو الديمقراطية أو بما يدعونه حقوقا للإنسان أو للمرأة أو نحو ذلك.

وسبب ضلالهم هذا أنهم آمنوا بالمناهج الغربية المعاصرة إيمانا مطلقا ثم حاكموا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إليها، فإن وافقتها الشريعة المحمدية انقلبوا إلى علماء ووعاظ وخطباء يدعون الناس إليها، ويستدلون لها، وإن عارضتها الشريعة رفضوها أو تأولوها أو حرفوها أو كذبوها، ومن رفض شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد نقض إيمانه به.

ومع التجييش الإعلامي للمناهج الغربية المنحرفة عن دين الإسلام، والدعاية لها، وإظهار محاسنها؛ قد يجد بعض الناس حرجا في قلبه من أحكام الشريعة، أو عدم انقياد لها، أو تمنٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت بها، وهذا الضيق والحرج والتمني مما يقدح في الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يتعارض مع التسليم المطلق له عليه الصلاة والسلام.

إن النتيجة الحتمية للإيمان به عليه الصلاة والسلام، والرضا به نبيا ورسولاً التسليم المطلق فيما جاء به، أو أخبر عنه، وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه، من غير ضيق أو حرج أو تعقيب أو جدال أو مناقشة، أو أخذ ببعض ما جاء به وترك للبعض للآخر؛ إذ إن من التناقض أن يزعم العبد أنه مؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ يتمرَّد على بعض ما جاء به، أو ينازعه فيه، أو لا يرضى به، أو يُنصِّب نفسه معقِّبًا عليه، أو نحو ذلك ممَّا ينقض الإيمان برسالته عليه الصلاة والسلام.

ألا فاتقوا الله ربكم -أيها المسلمون- وأسلموا له قلوبكم، وأخلصوا له دينكم، واستسلموا لشريعة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن الإيمان لا يكون إلا بذلك.

واحذروا مناهج المنحرفين ولو كثروا، ولو زخرفوا كلامهم بلحن القول، وحسن البيان، ولو ملكوا نواصي الإعلام في الأرض، وكانت أصواتهم عالية منتشرة؛ فإن الباطل باطل ولو كثر أتباعه وعلت أصواتهم، وإن الحق حق ولو قلَّ أتباعه وضعفت أصواتهم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [النساء:65].

بارك الله لي ولكم...
 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281] أيها المسلمون: أرسل الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين، فكان من قبول رحمة الله تعالى: الإيمانُ به عليه الصلاة والسلام، وقبول شريعته، والتزام سنته. كماكان تكذيبه أو رفض شريعته رفضا لرحمة الله تعالى.

ولذا كان أسعد الناس برحمة الله تعالى يوم القيامة هم من قبلوا رحمته في الدنيا، فاتبعوا رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام، وكان أبعد الناس عن رحمة الله تعالى في الدار الآخرة هم من لم يقبلوا رحمته في الدنيا، فلم يتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. وما طعن الطاعنين في شخص النبي صلى الله عليه وسلم أو في رسالته أو شريعته أو سيرته من قبل كفرة أهل الكتاب، أو من ملاحدة الغرب، أو من زنادقة العرب إلا طعن في الله تعالى، ورفض لرحمته، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وتنزه رسوله صلى الله عليه وسلم عن ما يقولون ويفترون.

ويلهم كيف يطعنون في النبي صلى الله عليه وسلم، ويكذبونه، ويسخرون منه، ويرفضون شريعته، وهو رحمة الله تعالى للناس كلهم إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، مؤمنهم وكافرهم، بل تعدت الرحمة به إلى العجماوات من الطير والحيوان، بما جاء به من دين الإسلام الذي حفظ الحقوق، وأوفى العهود، وأعطى كل ذي حق حقه؛ فكان رحمة لمن على الأرض أجمعين كما قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107] لقد رحم الله تعالى به المؤمنين بما ينالونه من السعادة والسكينة والطمأنينة في الدنيا، والفوز العظيم في الآخرة.

ورحم الله تعالى به الكفار بما حفظ لهم من الحقوق، وأوفى لهم من العهود، فلا يكرهون على الإسلام، ولا يغدر بهم لكفرهم، ومن دخل في عهد ذمة أو أمان كان له الأمان في نفسه وأهله وماله، لا يتعدى عليه ولا يظلم ما دام ملتزما عهده، ومن خانه خان دين الله تعالى.

بل رحم الله تعالى به الكفار المحاربين للإسلام بما شرع لهم من حقوق وهم محاربون، من دعوتهم إلى الإسلام، وتخييرهم قبل الحرب بينه وبين الجزية، ورحم به نساءهم وذراريهم ورهبانهم وشيوخهم فلا يقتلون في الحرب إلا إذا شاركوا في محاربة المسلمين.

وكانت الرحمة بالحيوان والطير في دين محمد صلى الله عليه وسلم متممة للرحمة بالعالمين، فلا يجوز تعذيبها ولا تجويعها ولا تكليفها ما لا تطيق، ولا اتخاذها هدفا يرمى إليه، ولا ذبحها إلا بحقها، وحقها أن يأكلها ولا يرميها، وقد دخل النار امرأة في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا أطلقتها، ودخل الجنة بغي في كلب سقته فشكر الله تعالى لها فغفر لها.

فاعرفوا رحمكم الله تعالى قدر نعمة الله سبحانه عليكم ببعثة خاتم النبيين وإمام المرسين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، واحمدوا الله تعالى على نعمته ببعثته إليكم نبيا ورسولا، واشكروه على أن هداكم لدينه، واعرفوا لوازم الإيمان به عليه الصلاة والسلام ، واتبعوا سنته، والتزموا هديه، واقبلوا حكمه، ولا تجدوا في صدوركم حرجا من أي شيء جاءكم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الحق من عند الله تبارك وتعالى، وما عارضه فهو الباطل أيا كان مصدره، ومهما كان وزن قائله (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [آل عمران:164].

وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم.... 

 

 

 

المرفقات

النبي صلى الله عليه وسلم علينا (5) وجوب الإيمان به

النبي صلى الله عليه وسلم علينا (5) وجوب الإيمان به - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات