حفصـة أم المؤمنين

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2021-07-27 - 1442/12/17

اقتباس

حفصة أم المؤمنين

 

 

عبدالغني المنشاوي

 

هي حفصة بنت عمر - عليهما الرضوان - وُلدت إذ قريش تبني البيت الحرام، وكانت حفصة قبل أن تنال شرف زواج رسول الله بها زوجةً للصحابي الجليل: خنيس بن حذافة السهمي القرشي، الذي شهد غزوتَي بدر وأحد، وهاجر بدينه إلى الحبشة، ثم أدركتْه المنيَّة في دار الهجرة، تاركًا وراءه أرملته الثاكلة الشابَّة حفصة بنت عمر.

 

 

 

مضت الأيام تخترم شبابَ حفصة، وتخنق صباها، وأخذ عمر يشعر بانقباض قاتلٍ كلما رأى ابنته الشابة رازحة تحت أعباء حزنها وانقباضها، وفي جو هذا الحزن القابض القاتم، لمعتْ في حواشي خاطر عمر فكرةٌ انفرجت لها أساريرُه، واحتلت مكانتَها من نفسه، فلا عليه أن يلمَّ أطراف شجاعته، ويسعى جاهدًا أن يختارَ لها زوجًا تأنس لصحبته، ويردُّ عليها بعض الذي فقدتْ في ألوان شتى قائمة من الحداد، حاولت أن تذري غصن شبابها، وتطفئ نور نضارتها، نيِّفًا وستة أشهر، وما اعتملت هذه الفكرة في نفس عمر وارتاح لها، حتى برز شخص أبي بكر أمام عينيه، فوقع اختيارُه عليه؛ لما امتاز به الصدِّيق من رزانة وسماحة ووداعة، ولكنَّ أبا بكر بعد إذ عرض عمر الأمرَ عليه، أمسك ولم يُجب، وانصرف عمر واجدًا لا يكاد يصدِّق أذنيه وعينيه، بأنَّ صاحبه رفض ابنته حفصة، بعد إذ عرضها أبوها عليه، ثم حملتْ عمرَ قدماه إلى بيت عثمان؛ إذ ماتت زوجتُه رقية بنت رسول الله - عليه صلوات الله - راجيًا أن يجبر عثمانُ بقَبوله، ما كسر أبو بكر برفضه، ولكن عثمان بعد إذ عرض عمر الأمر عليه، استمهله أيامًا جاءه بعدها فقال: "ما أريد أن أتزوج اليوم".

 

 

 

أصاب عمرَ دوارٌ كاد يتهاوى به نحو الأرض من حرج الموقف وقسوته، ثم ألفى نفسه وقد تدافقتْ به سَورته نحو رسول الله يشكو إليه صاحبيه، أقبل الرسول - عليه الصلوات - بوجهه على عمر، يسأله في رقة وملاطفة، ونفض عمر لدى الرسول جملة القصة، فما كان جوابه إلا أن قال له - عليه الصلوات - وهو يبتسم: ((يتزوج حفصةَ مَن هو خير من عثمان، ويتزوج عثمانُ مَن هي خير من حفصة)).

 

 

 

فما وسع عمرَ إلا أن يردِّد قولة الرسول، مأخوذًا بروعة المفاجأة:

 

"يتزوج حفصة مَن هو خير مِن عثمان؟"، يا ليت شعري؟ أيصدق ما يمر بالخاطر، فيتزوج الرسول من حفصة بنت عمر؟

 

 

 

هذا واللهِ الشرفُ الذي لم تتطاول إليه أمانيه، نهض عمر بعد هذه اللمحة الخاطفة والعرض السريع إلى رسول الله وهو في غمرة من الفرح يصافحه ويشكر الله فيه، وقد نسي ما عانت نفسُه العزيزة من قسوة الرفض، وخرج عمر من لدن رسول الله يكاد يطير بجَناحين من عزة وفرحة، ليزف إلى ابنته وإلى أبي بكر وعثمان وجميع أهل المدينة بشرى هذه الخِطبة المباركة.

 

 

 

ويشاء الله أن يكون أبو بكر أول مَن يلقى عمر، ويدرك سرَّ فرحته، فيُقبل عليه مهنئًا معتذرًا: لا تجدْ عليِّ يا عمر؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر حفصة؛ فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو تركها لتزوجتُها، وانصرف كلاهما إلى ابنته؛ عمر ليهنِّئ حفصه بأكرم زوج، وأبو بكر ليهوِّن على عائشة من وقع الخبر، وهكذا تمت نعمة الله على حفصة، تأسو جراحها، وتنسيها أتراحها، كما تمت على عثمان بزواج أم كلثوم بنت رسول الله - عليه صلوات الله.

 

حفصة في بيت الرسول:

 

كان في بيت الرسول قبل مقدم العروس زوجتان: سودة وعائشة؛ فأما سودة، فكانت الراضية المرحِّبة، وأما عائشة، فقد آلمها أن تكون لها ضرَّة كحفصة في شبابها وعزة نسبها، وشاء الله أن تتوالى على بيت الرسول زوجاتٌ جديدات، قرَّبت ما بين حفصة وعائشة؛ وقد فطن عمر لما يجمع بين الزوجتين الضرتين من ائتمار بالزوجات الأخريات، فأقبل على ابنته يحذِّرها مغبة هذا الائتمار، ويقول لها: أين أنت يا حفصة من عائشة؟ وأين أبوك من أبيها؟ ولما علم أنها تراجع رسولَ الله، ذهب إليها في غضب ثائر، وثورة غاضبة، ليقول لها: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله، يا بنيَّة، لا تغرنَّك هذه التي أعجبها حسنها وحبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها، والله لقد علمت أن رسول الله لا يحبك، ولولا أنا لطلَّقك.

 

 

 

تلبث حفصة فترة منطوية على نفسها، ثم تحنُّ إلى صحبة ضرتها الشابة المرحة؛ لتقوم بدور الحليف لها في معاركها، وتشفع لهما عند رسول الله أنوثة تثيرها الغيرة، وبنوة لأعزِّ صاحبين.

 

 

 

خلا رسول الله يومًا بمارية في بيت حفصة، فلما انصرفت مارية، دخلت حفصة حجرتها، وقالت للرسول: لقد رأيت مَن كان عندك، والله لقد سببتني، وما كنت تصنعها لولا هواني عليك، ثم استعبرت باكية، وما كان رسول الله ليهين بنت عمر، وقد تزوجها تكريمًا لعمر، فأقبل عليها يترضَّاها وأسرَّ اليها أن مارية حرام عليه إذا ضربت عن ذلك صفحًا، وطوت دونه كشحًا، فوقع ذلك من قلبها موقعَ الرضا، وباتت ليلتها سعيدةً بقرب الرسول وعطف الرسول.

 

 

 

لم تستطع الأنوثة الغيور أنْ تكتم السر وترعى العهد، فقد نفضت حفصة على مسامع عائشة في أول لقاء جليةَ الأمر، غافلةً أو متغافلة أنها إنما تشعل بذلك نار ثورة في بيت الرسول، فقد تزعَّمت عائشة زوجات الرسول في مظاهرة ناقمة على مارية؛ لكيلا يطمئن بها في مدينة الرسول مقامٌ، غضب رسولُ الله وهو البشر الرسول مما كان من زوجاته، فاعتزلهن شهرًا كاملاً، جرت في أثنائه شائعات أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطلِّق زوجاته.

 

 

 

روى رواة الخبر - وعلى رأسهم ابن حجر - أن رسول الله طلق حفصة تطليقة واحدة، ثم ارتجعها رحمة بعمر الذي حثا التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريلُ من الغد على رسول الله - عليه صلوات الله - وقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة بعمر، أو قال كما ترويه رواية أخرى: "أرجع حفصة؛ فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها زوجتك في الجنة"، قال صاحب الإصابة: "دخل عمر على ابنته وهي تبكي، فقال: لعل رسول الله طلَّقك؟ إنه كان طلَّقك مرة ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا".

 

 

 

وخرج عمر إلى المسجد قلقًا، فلقي المسلمين هناك ينكتون الحصى مطرقين، ويقولون: طلَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه، قصد عمر إلى الخزانة التي يقيم بها الرسول، وغلامه رباح قائم على عتبتها، فاستأذن عمر في الدخول على الرسول، وكرر النداء، ورباح لا يجيب، عندها رفع عمر صوته في أسًى وضراعة: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني أظنه ظنَّ أني جئته من أجل حفصة، والله لئن أمرني بضرب عنقها لأضربنَّ عنقها، وبلغ صوتُه سمْعَ الرسول، فرَقَّ وأذن له، فلما دخل عمر أجال بصره في الخزانة وبكى، قال رسول الله: ((ما يبكيك يا بن الخطاب؟))، فأشار عمر إلى الحصير الذي كان الرسول مضطجعًا عليه، وقد أثَّر في جنبه، وإلى قبضة من الشعير، ومثلها من قرظ، كانا كل ما في الخزانة من طعام، ثم كفكف عبرته وقال: يا رسول الله، ما يشق عليك من أمر النساء؟ إن كنت طلقتهن، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقد رد رسول الله على عمر طمأنينته بابتسامة رقيقة، فما طلق الرسول نساءه، ولكن هجرهن شهرًا، كاد قلب عمر يثب من صدره فرحة وابتهاجًا، واستأذن رسولَ الله أن ينزل إلى المسجد ليعلنها جهرة بصوته الندي، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يطلِّق نساءه، وأقبل رسولُ الله بعده، فتلا قول المولى - سبحانه -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ [التحريم: 1 - 5].

 

صدق التوبة وحسن الجزاء:

 

كان هذا الحدث بملابساته درسًا سماويًّا نافعًا موجّهًا لنساء النبي، وعلى رأسهن حفصة، التي رُدَّت عليها طمأنينتها بعد إذ كادت تهلك أسى وندمًا، لولا أن تداركتها رحمة الله، وما عرفت بعد ذلك إلا عنصر خير، ومستقر سكينة ووقار، فلما استجابت روح رسول الله إلى دعوة الرفيق الأعلى، كانت حفصة هي المختارة من بين أمهات المؤمنين - وفيهن عائشة - لتُحفَظَ عندها النسخة الخطية من كتاب الله، ولما ولي الخلافةَ عثمانُ أخذ النسخة المحفوطة عند حفصة، فنسخ منها النسخ الأربع التي وزعت على الأمصار، وأمر بإحراق ما عداها، وتفرغت حفصة جاهدة في ألوان العبادة، لا تصرفها عنها زهرة الدنيا ومفاتن الحياة، ولقد أوشكت أن تخرج مع عائشة مطالبة بدم عثمان، لولا أن حذرها أخوها عبدالله بن عمر مغبة هذا الخروج، فعدلت عنه، وكان من العادلين.

 

عاشت صوامة قوامة حتى ماتت في أخريات عهد عثمان، عليها وعلى جميع أمهات المؤمنين سلام من الله ورحمة ورضوان.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات