حسن الخاتمة

عصام بن هاشم الجفري

2011-11-24 - 1432/12/28
عناصر الخطبة
1/ بشريات حسن الخاتمة 2/ علامات حسن الخاتمة 3/ أسباب تعين على حسن الخاتمة
اهداف الخطبة

اقتباس

إن من كتب الله له السعادة وفاز بحسن الخاتمة كان من أول البشرى له في ساعة الاحتضار بشرى من الملائكة الكرام؛ حيث أخبر عن ذلك قيوم السموات والأرض بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، بشرى لما بعد الموت وطمأنينة لما خلف من أهل وأولاد ..

 

 

 

 

 

 

 

 

الحمد لله الذي كتب العزة لمن أطاعه واتبع هداه، وكتب الذلة والشقاء لمن أعرض عن سبيل الهدى واتبع هواه، أحمده سبحانه وأشكره لما تفضل به علينا من النعم وأسداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يخيب من رجاه، ولا يسأم من ناجاه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اختاره ربه من بين البرية واصطفاه، وطهره من الرجس والآثام ونقاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه.

أما بعد: فيقول ربنا -جل في علاه- مبشرًا العباد المتقين: (لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 198].

أيها الأحبة في الله: تحدثت في الخطبة الماضية عن سوء الخاتمة كثمرة من ثمرات الاستمرار على المعاصي والذنوب والعياذ بالله، واليوم أحدثكم عن الجانب المقابل وهو حسن الخاتمة، بأن يموت الإنسان على عمل من أعمال الخير، يدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟! قَالَ: "يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ"، جعلني الله وإياكم ممن أراد بهم الخير فأحسن خاتمتهم.

معاشر الأحباب: إن من كتب الله له السعادة وفاز بحسن الخاتمة كان من أول البشرى له في ساعة الاحتضار بشرى من الملائكة الكرام؛ حيث أخبر عن ذلك قيوم السموات والأرض بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30]، بشرى لما بعد الموت وطمأنينة لما خلف من أهل وأولاد، إن العبد الصالح -أيها الأحبة- في الله إذا حضرته الوفاة ورأى البشرى بالنجاة أحب لقاء الله فيحب الله لقاءه؛ ففي الصحيحين عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: "لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَه".

فهذا خير البرية -صلوات ربي وسلامه عليه- في سكرات موته كان يقول: "بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى"، تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها-: فعلمت أنه لا يختارنا، وهذا بلال -رضي الله عنه- بينما كان يعتبر بعض أهله أن موته مصيبة وحزن كان يرد عليهم في سكرة موته: "بل وا فرحتاه، غدًا نلقى الأحبة؛ محمدًا وصحبه".

ولحسن الخاتمة -معاشر الأحباب- علامات وهي كثيرة؛ منها: النطق بالشهادتين فعَنْ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ : قَالَ : رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ كَانَ آخِر كَلَامه لا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة"، أي إذا كان آخر كلمة تلفظ بها من الدنيا هي كلمة التوحيد فيا ليت شعري هل نوفق لذلك أم تغلب علينا ذنوب قارفناها فنخذل في تلك الساعة؟!

ومنها: رشح جبينه عرقًا لما رواه الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ".

ومنها: الموت ليلة الجمعة أو نهارها؛ لما أخرجه الإمام أحمد من طرق عدة والإمام الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ".

ومنها: أن يموت شهيدًا في سبيل الله بأي نوع من أنواع الشهادة؛ لما رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟!"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: "إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ"، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: "مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ"، وعند الإمام الترمذي عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، وعند أبي داود أن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ -أي بحمل أو نفاس- شَهِيدٌ". وهذه شهادة للمرأة. وعند الإمام أحمد: "وَالْمَرْأَةُ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا جَمْعَاءَ".

ومنها: الموت رباطًا في سبيل الله؛ لما رواه الإمام مسلم عن سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ". وهذا الحديث بشرى لرجال الأمن وحرس الحدود ونحوهم، ومن تلك العلامات الموت على عمل صالح لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

معاشر المؤمنين: اعلموا -رحمني الله وإياكم- أن من ظهر عليه شيء من تلك العلامات أو وقعت له، لا يلزم من ذلك الجزم له بأنه من أهل الجنة، وإنما يستبشر له بذلك، كما أن عدم وقوع شيء منها للميت لا يلزم الحكم بأنه غير صالح أو أنه قد ختم له بغير الصلاح.

يا ربِ إن عَظُمتْ ذنوبي كثرةً *** فلقـد علمتُ بأن عفوكَ أعظمُ
إن كانَ لا يرجوكَ إلا مُحسنٌ *** فمـن الذي يدعو ويرجو المجرمُ
أدعوكَ ربِّ كما أمرتَ تضرعًا *** فإذا رددتَ يدي فمنْ ذا يرحمُ
مـا لي إليكَ وسيلةً إلا الرجا *** وجميـل عفـوك ثم إني مسلمُ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: 27].

 

 

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا شبيه له، ولا ند له، ولا مثيل له: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11]، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله-، وأعدوا لساعة الاحتضار عدتها، واعملوا -رحمني الله وإياكم- أن من الأسباب التي تعين على حسن الخاتمة أن يلزم الإنسان طاعة الله وتقواه، ورأس ذلك وأساسه تحقيق التوحيد، والحذر من ارتكاب المحرمات، والمبادرة إلى التوبة مما تلطخ به المرء منها، كبيرها وصغيرها.

ومنها: أن يلحّ المرء على ربه بطلب حسن الخاتمة، وقد ذُكر عن رجل من السلف أنه كان يكثر في سجوده من سؤال الله الميتة الحسنة، فتوفاه الله وهو ساجد بين يديه.

ومنها: أن يعمل الإنسان جهده وطاقته في إصلاح ظاهره وباطنه، وليولي إصلاح الباطن الجانب الأكبر، فإن عليه المدار، ومتى ما علم الله منه الصلاح والإخلاص والإقبال عليه فحاشاه سبحانه أن يخذله في آخر لحظات عمره، ومنها تغليب حسن الظن بالله في ساعة السكرة، فيا أيها الأحبة في الله: إن أحدنا لا يعلم متى تكون نهايته ومتى تأتيه تلك اللحظة، فهلموا أحبتي لنعاهد الله من هذه اللحظة ومن هذا المكان المبارك أن نحرص على الاستقامة وعلى طاعة الله، هلموا لنجعلها توبة نصوحًا مما أسرفنا به على أنفسنا، واستعدادًا لتلك اللحظة الرهيبة.

أيها الأحباب: نبهوا زوجاتكم وبنياتكم قواعد البيوت إلى خطر الخاتمة، ووجهوهن أن يحرصن على حسن الختام، ودلوهن إلى طريق ذلك وأسبابه، خوفوهن من سوء الخاتمة، وأعلموهن أن الأعمال بالخواتيم.
 

 

 

 

 

المرفقات

حسن الخاتمة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات