حسرات

علي باوزير

2017-01-12 - 1438/04/14
عناصر الخطبة
1/ عِظَمُ التحسر يوم القيامة 2/ أعمال ومواقف جالبة للحسرات يوم القيامة 3/ انتهاز فرصة الحياة لتجنب التحسر يوم القيامة

اقتباس

هذه الحسرات العظيمة لا تساوي حسرات الدنيا بأجمعها أمامها شيئا، يرى الإنسان يوم القيامة عمله فيريد الرجوع ويتمنى العودة فلا يجد إلى هذا سبيلا فيقول: يا ليتني قدمت لحياتي! يتحسر الإنسان على ما فرط في حق الله، على ما ضيع من أوامر الله، يتحسر على واجبات أهملها، وعلى محرمات اقترفها، قال الله -تعالى-: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر:56-58].

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق القول كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد: أيها المسلمون عباد الله، تتكرر في حياتنا مشاهد يومية: رجل خرج من بيته وكان في جيبه مبلغ من المال فضاع منه في الطريق فأخذ يتحسر ويتندم على ضياع هذا المال منه. رجل آخر كان يسير بسيارته في طريق فأصيب بحادث فأخذ يتحسر ويتندم: لو أنه صار في الطريق الآخر لما أصابه هذا الحادث. طالب قيل له: راجع دروسك من كذا وكذا فتساهل وأهمل فجاءت أسئلة الامتحان من حيث أُمر أن يراجع فلم يستطع الجواب فتحسر وتندم، فرصة كانت بين يديه فضيعها. رجل آخر قيل له اهتم بولدك واعتن به فلم يستمع لكلام الناس الناصحين حتى وقع ولده في جريمة فأخذ يتحسر ويتندم على أنه لم يستمع لكلام الناصحين حتى وقع الفأس في الرأس. وهكذا؛ مشاهد كثيرة يتحسر الناس فيها على أمور جرت، وعلى أخطاء حصلت، وعلى أموال ونحوها ضاعت عليهم.

 

ولكن -أيها الأحباب- هذه الحسرات كلها هناك ما هو أعظم منها وما هو أشد، كل ما في هذه الدنيا قابل للاستدراك والتصحيح، وإن فات شيء منها فإنما هو متاع زائل وحطام فانٍ لا يضر الإنسان زواله ولا ذهابه؛ ولكن -أيها الأحباب- هناك حسرات في وقت لا تنفع فيه الحسرة، هناك ندامات في زمن لا تشفع فيه الندامة، هناك حسرات في مكان لا يستطيع الإنسان أن يفعل فيه شيئا، لا يستطيع أن يستدرك أو أن يصحح ما وقع فيه؛ إنها حسرات يوم القيامة.

 

هذه الحسرات العظيمة لا تساوي حسرات الدنيا بأجمعها أمامها شيئا، يرى الإنسان يوم القيامة عمله فيريد الرجوع ويتمنى العودة فلا يجد إلى هذا سبيلا فيقول: يا ليتني قدمت لحياتي! يتحسر الإنسان على ما فرط في حق الله، على ما ضيع من أوامر الله، يتحسر على واجبات أهملها، وعلى محرمات اقترفها، قال الله -تعالى-: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر:56-58].

 

فماذا تنفع الندامة في ذلك الوقت وفي ذلك الزمان؟ انتهى العمل، وانقضى الأمل، وذهبت الفرصة، وليس الوقت وقت تزود؛ وإنما هو وقت حساب على وقت، على ما قدم الإنسان، ماذا ينفعه أن يتمنى العودة والرجوع إلى الدنيا والسبيل إليها قد صار مقطوعا والعودة إليها قد صارت ممنوعة؟ ماذا ينفعه أن يتحسر ويتأسف على الواجبات التي أهملها؟ ألم يكن في الدنيا صحيحا سليما معافى؟ ألم يكن في الدنيا عنده الفراغ والوقت والزمن؟ ألم يعطه الله -سبحانه وتعالى- ويرزقه المال والولد؟ ألم يمد في هذه الدنيا مددا عظيما من كل شيء؟ فماذا فعل فيها؟ وماذا قدم فيها؟ أفي ذلك الوقت يأتي ويتحسر ويتندم وما تنفعه الحسرة والندامة؟.

 

يتحسر الإنسان على رفيق سوء تعرف عليه في الدنيا فصده عن سبيل الله: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) [الفرقان:27-29].

 

كان عبدا صالحا محافظا على الصلوات فتعرف على رفيق سوء صده عنها، كان قريبا إلى الله مطيعا لأمر الله فتعرف على هذا الصاحب السيئ فأبعده عن الله وقربه من الشيطان؛ فيعض يديه يوم القيامة ندما وأسفا وحسرة على التعرف على هذا الرفيق السيئ وعلى مجالسته ومخالطته.

 

ولكن؛ ماذا تنفعه وقد صاروا أعداء يتبرأ كل واحد منهم من الآخر؟ (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67].

 

يتحسر الإنسان على اتباعه لأناس أشراف من الوجهاء والكبراء أطاعهم في معصية الله، كذب لأجلهم، غش وخدع واحتال لأجلهم، بل ربما -والعياذ بالله- أراق الدم المحرم وقتل النفس المعصومة طاعة لهم؛ فماذا ينفعونه من الله -تبارك وتعالى-؟ يتحسر على طاعته لهم يوم القيامة ولا تنفعه الحسرة! (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ) [البقرة:165-166]، هؤلاء الأتباع، هؤلاء المتبوعون، هؤلاء الكبراء الوجهاء يتبرؤون من أتباعهم، يتملصون من المسؤولية أمامهم، ينفون أنهم قد أمروهم بمعصية الله. (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ) [البقرة:166]، أسباب الدنيا: المناصب، والقوة، والسلطة، انتهت في ذلك اليوم، المال، والجاه، والسلطان، لا يوجد في ذلك الوقت، العلاقة، والمحبة، والمودة، والتعظيم بينهم، ليس له وجود في ذلك الزمان؛ فيتبرأ المتبعون من الأتباع، فعند ذلك: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا)، لو نستطيع أن نعود إلى الدنيا فنتبرأ منهم ، لو نتمكن من الرجوع إلى الحياة لأجل أن نصحح خطأنا ولا نكون أتباعا لأمثال هؤلاء فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة:167].

 

هذه الطاعة وهذا الاتباع يصير حسرات عليهم يوم القيامة، قال الله -عز وجل-: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) [الأحزاب:66-68].

 

وما ينفعهم أن يضاعف لهم العذاب، ما ينفع التابع أن يضاعف العذاب للمتبوع؛ فإن العذاب لاحق به لاحق.

 

يوم القيامة -أيها الأحباب- يتحسر أهل الشر على ما أنفقوا من الأموال ليصدوا بها عن سبيل الله -تبارك وتعالى-، سخروا أموالهم لنصرة الشيطان ولمحاربة دين الرحمن فيبطل الله مكرهم ويفسد سعيهم ويجعل ما أنفقوا حسرة عليهم يوم القيامة، قال الله -تبارك وتعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36].

 

فلا تنفعهم هذه النفقة، ولا ينفعهم هذا المكر والكيد، يوم القيامة يتحسر الإنسان على سعيه وراء المناصب، واللهف وراءها لتحقيق المكاسب الشخصية، والمنافع المادية، يتحسر الإنسان على هذه المناصب، ويتمنى أن لم يكن قد تولاها أو قد صار فيها.

 

يروي لنا الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة"، أي: على المناصب العليا، "وإنها ستكون ندامة وحسرة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة!".

 

نعم المرضعة! ما أحسن هذه المناصب حين يتحصل الإنسان من ورائها على المكاسب! حين يكون فيها فيحصل على المال، ويحصل على الوجاهة، ويحصل على كذا وكذا؛ ولكن، بئست الفاطمة إن ترك هذا المنصب! إذا انقطع عنه بموت أو بغيره؛ فتذهب اللذة وتبقى الحسرة، تذهب المكاسب وتبقى السيئات والآثام، يذهب الجاه والسلطان وتبقى المسؤولية في رقبة الإنسان يحاسب عليها يوم القيامة بين يدي الله -تبارك وتعالى- فيتحسر ويتندم ويتمنى أنه لم يكن في هذا المنصب؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله!.

 

يتحسر الإنسان يوم القيامة على المجالس الفارغة والأوقات الضائعة التي ذهبت في القيل والقال، يتحسر على كل ساعة مرت من عمره لم تقربه إلى الله ولم تبعده عن النار، يقول -صلى الله عليه وسلم-، كما روى ذلك أبو داود في سننه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وأرضاه عن حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-، أنه قال: "ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة"، ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون فيه الله -تبارك وتعالى-، وما أكثر هذه المجالس في حياة الناس! تمر الساعات الطوال فيها لا يذكر اسم الله -عز وجل-، فيقومون من هذا المجلس كما يقومون عن جيفة حمار، ويكون عليهم حسرة يوم القيامة.

 

وروى النسائي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وأرضاه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يجلس قوم مجلسا لا يصلون فيه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة؛ لما يرون من الثواب"، يدخلون الجنة، ولكن -مع ذلك- يتحسرون على ذلك المجلس الذي جلسوه ولم يصلوا فيه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما يرون من ثواب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم في الجنة، لكنهم يتحسرون لأنه فأتتهم فرصة عظيمة.

 

يتحسر الإنسان على تضييع القرآن، يتحسر على عدم أخذه له مع قدرته عليه، فإن القرآن بركة، وإن ثوابه عند الله -سبحانه وتعالى- عظيم، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه"، "اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما"، تدافعان عنهم يوم القيامة. ثم يقول -صلى الله عليه وسلم-: "اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، أي: السحرة. "فإن أخذها بركة، وتركها حسرة"، يتحسر الإنسان يوم القيامة أنه لم يأخذ هذه السورة المباركة، وهكذا سائر القرآن العظيم.

 

بارك لله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك  له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا.

 

وبعد: أيها الأحباب الكرام، إن من أعظم ما يتحسر عليه الإنسان يوم القيامة أعمالا صالحات كان يظنها زادا ويدخرها ليوم المعاد، كان في عقله وقلبه وفكره وخاطره أن هذه الأعمال ستنجيه بين يدي الله -سبحانه وتعالى-، وأنه لا شك سيدخل الجنة، فهو الصالح الصادق الصائم القوام المتصدق الجواد الكريم المنفق، يحتسب هذه الأعمال عند الله -تبارك وتعالى- فيأتي يوم القيامة فيجدها قد صارت هباء منثورا: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان:23]، (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:103-104].

 

تعبوا ونصبوا، اجتهدوا وثابروا في الدنيا لأجل أن يحصلوا هذا الزاد العظيم، لأن أن يجمعوا الحسنات التي تنفعهم عند الله -تبارك وتعالى-، فيأتون يوم القيامة لا يجدونها شيئا! أين ذهبت؟ أفسدها الرياء، أفسدها طلب السمعة، أفسدها عدم الإخلاص لله -تبارك وتعالى-، فلا يقبل الله -عز وجل- منها شيئا.

 

يأتي الإنسان يوم القيامة بأعمال كثيرة فتؤخذ وتنسف أمامه! أي حسرة توازي هذه الحسرة؟! يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أتدرون من المفلس؟"، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، ويأتي وقد سب هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيأتي هذا فيأخذ من حسناته، ويأتي هذا ويأخذ من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار"، والعياذ بالله!.

 

تخيل -يا عبد الله- لو أن بيتك ينهب أمامك قطعة قطعة وأنت واقف تشاهد تتفرج لا تستطيع أن تفعل شيئا، وجهدك وتعب عمرك والبيت الذي أنفقت فيه كل مالك يؤخذ أمامك وينهب قطعة قطعة، أي حسرة ستقطع قلبك في ذلك الوقت؟!  فكيف بمن يرى حسناته يوم القيامة، وهي سبيله الوحيد للنجاة والخلاص من عذاب الله، يراها تؤخذ أمامه حسنة حسنة وهو جالس يشاهد هذا المنظر! حسرة عظيمة! وندامة كبيرة!.

 

بل أكثر من هذا يأتي يوم القيامة أناس من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأعمال كالجبال فتنسف أمامهم! يقول -صلى الله عليه وسلم-: "لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله هباءً منثورا"، قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جَلِّهم لنا، ألّا نكون منهم ونحن لا نعلم! قال : "أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها"! فلا تنفعهم تلك الحسنات الكثيرة، وتنسف نسفا، ولا يبقى منها شيء، فعند ذلك يعتصر القلب ألما وهو يرى هذه الحسنات كلها قد صارت هباء منثورا ولم تنفعه شيئا.

 

ثم -أيها الأحباب- تأتي الحسرة الأعظم التي لا حسرة بعدها ولا ندامة فوقها، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ -زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ- فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يا أهْلَ النَّارِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ. قَال: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ"، يذبح الموت وهم يشاهدون هذا المنظر أمامهم، "ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ -ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ- (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)"

 

قضي الأمر، انتهى المطاف، يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم. يقول -صلى الله عليه وسلم-: "فلو أن أحداً مات من الفرح لمات أهل الجنة فرحا، ولو أن احد مات من الحزن لمات أهل النار حزنا"، والعياذ بالله.

 

هذا الحال -أيها الأحباب- وهذه الحسرات كلنا معرض لأن يقع فيها وأن يكون من أهلها؛ لكننا لا زلنا في الفرصة، لا زلنا في دار العمل، لا زلنا في دار التزود والاستعداد، فاعمل لدارك، لمآلك، واستعد من ممرك لمقرك، وتهيأ لأن تكون يوم القيامة من أهل الفرحة والسرور، لا أن تكون من أهل الحسرة والندامة! قال الله -تبارك وتعالى-: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) [الحاقة:19-29].

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا من أهل اليمين، نسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا من الناجين المفلحين، نسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا يوم القيامة من أهل الفرحة والسرور، وأن يجنبنا الحسرة والندامة.

 

اللهم يا ربنا نسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، نسألك يا ربنا أن تغفر ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تتجاوز عن سيئاتنا.

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات