حرب على الدين والعقول

خالد القرعاوي

2021-10-08 - 1443/03/02 2021-10-12 - 1443/03/06
عناصر الخطبة
1/تفضيل الله للإنسان عن سائر المخلوقات 2/أهمية الحفاظ على نعمة العقل 3/خطورة المخدرات والمسكرات ومفاسدها 3/وعيد شديد وعقوبات المخدرات والمسكرات 4/أسباب انتشار المخدرات 5/رسالة إلى الشباب.

اقتباس

الْمُسكِراتُ والمخدِّراتُ دوَّامةُ الضَّيَاعِ، وَفَقْدٌ لِلحَيَاءِ وَالإيمانِ، وَأَسَاسُ الجَرَائِمِ وَالْمَآسِي وَالأَهْوَالِ، أَرْعَبَتِ الصِّغَارَ وَأَبْكَتْ وَأَحَرَقَتْ أَكْبِادَ الأُمَّهَاتِ وَالكِبَارِ، نسيَ السَّكرانُ والْمُخدَّرُ ربَّه، فَظَلَمَ نفْسه، ومزَّق حياءَه, وَيَتَّمَ أَطْفَالَهُ، وَرَمَّلَ زَوجَتَهُ, وَفَضَحَ أَهْلَهُ، عَرْبَدَ وَلَهى, وَطَغَى وَلَغَا , لِذا أجمعَ العقلاءُ على ذمِّها، وترفَّع النُّبلاءُ عن طريقها...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله؛ أحلَّ لنا الطَّيباتِ وحرَّم علينا الخبائثَ، أَشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له لن يهلِكَ على اللهِ إلَّا هالكٌ، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُ اللهِ ورسولُه النَّاصِحُ الصَّادقُ، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى جميعِ الآلِ والأصحابِ، ومن تبعهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يومٍ المآبِ.

 

أمَّا بعد: فاتَّقوا الله حقَّ التَّقوى واستمسِكُوا من الإسلامِ بالعروةِ الوثقى, يقولُ المولى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[الإسراء:70].

 

عبادَ اللهِ: تمثَّل هذا التَّكريمُ في خَلْقِ اللهِ لنا في أحسنِ تقويم، فَقَد كرَّمَنا بالعقلِ السَّليمِ، وَوجَّهنا بالمحافظةِ على عقولِنا، وحمايتِها عن كلِّ ما يُخلُّ بها. وإذا حُفِظَ العقلُ حَافَظْنَا على الدِّين والأنفسِ والأعراضِ والأموالِ، وإذا ما أُهمِلَ ضاعَ المرءُ وانْحَرَفَ.

 

قَالَ الإمَامُ القُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: "التَّفضيلُ إنَّما هو بالعقلِ الذي هو عُمدةُ التَّكليفِ". ومع تلكَ الحقيقةِ الثَّابِتَةِ فقد أبَى بعضُ التَّائِهينَ، فوضعوا العقلَ تحتَ أقدامِهم، واتَّبعوا شهواتِهم، فأزالُوا عقولَهم، في كَأْسَةِ خمرٍ، أو جُرعةِ مُخدِّرٍ، فَانْسَلَخُوا من عَالمِ الإنسانيةِ، ولَبِسُوا ثوبَ الإجرامِ والبهيميِّةِ".

 

عِبَادَ اللهِ: كثيراً ما تُطالِعُنا وسائلُ الإعلامِ عن إحباطِ رجالِ الأمنِ تَهريبَ كَميَّاتٍ مَهُولَةٍ من الْمُخدِّراتِ والْمُسكراتِ بأشكَالِها وكَمِّياتِها والقبضِ على عددٍ هائِلٍ من المواطنينَ والمقيمينَ الذين مُسخت نفوسُهُم، وسَفُلَت أمورُهم، فباعوا دينَهم وأهلَهم ووطنَهم بثمنٍ بَخْسٍ وكانوا فيهَا من الزَّاهدين.

 

فيا تُرى كم ستفسِدُ تلكَ الْمخدِّراتُ من الشَّبابِ وتهدمُ من البُيُوتِ؟! يا تُرى مَنْ وراءَها؟! منهم ضَحاياها؟ فَنَسأَلُ اللهَ أنْ يَرُدَّ كيدَ الأعداءِ في نُحورِهم، وأن يفضَحَهم على رؤوسِ الأشهادِ.

 

ألا تعلمونَ -يَا رَعَاكُمُ اللهُ-: أنَّ آفةَ المجتمعاتِ كُلِّها غَنِيِّهَا وَفَقِيرِهَا، هي الْمُسكِراتُ والمخدِّرات؟ فهي أمُّ الخبائثِ، ودوَّامةُ الضَّيَاعِ، وهي لُغمٌ خطيرٌ، يفسدُ الشُّعُوبَ ويهدِّدُ قِيَمها وَأَخْلاقَهَا.

 

أيُّها الْمُؤمِنُونَ: الْمُسكِراتُ والمخدِّراتُ دوَّامةُ الضَّيَاعِ، وَفَقْدٌ لِلحَيَاءِ وَالإيمانِ، وَأَسَاسُ الجَرَائِمِ وَالْمَآسِي وَالأَهْوَالِ، أَرْعَبَتِ الصِّغَارَ وَأَبْكَتْ وَأَحَرَقَتْ أَكْبِادَ الأُمَّهَاتِ وَالكِبَارِ، نسيَ السَّكرانُ والْمُخدَّرُ ربَّه، فَظَلَمَ نفْسه، ومزَّق حياءَه, وَيَتَّمَ أَطْفَالَهُ، وَرَمَّلَ زَوجَتَهُ, وَفَضَحَ أَهْلَهُ، عَرْبَدَ وَلَهى, وَطَغَى وَلَغَا , لِذا أجمعَ العقلاءُ على ذمِّها، وترفَّع النُّبلاءُ عن طريقها، قال -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)[المائدة:90-91].

 

عِبَادَ اللهِ: الْخَمْرُ كلُّ ما خامرَ العقلَ وَغَطَّاهُ مهما كان نوعُه، وأيًّا كان اسمُه وجسمُهُ وجنْسُهُ، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ". وقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "كلُّ مُسكرٍ حرامٌ، إنَّ على الله عزَّ وجلَّ عهدًا لِمَنْ يشربُ الْمُسكرَ أن يسقيَه من طِينَةِ الْخَبَالِ"، قَالوا: يا رسولَ الله، ومَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ"، أو "عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ"(رَواهُ مُسْلِمٌ). وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مُدْمِنُ الْخَمْرِ إنْ مَاتَ لَقِيَ اللهَ كَعَابِدِ وَثَنٍ"(رواهُ أحمدُ وهُو حديث حَسَنٌ).

 

سُبْحَانَ اللهِ: إنِّها نصوصُ زجْرٍ ووعيدٍ، وتخويفٍ وتَهديدٍ. (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[آل عمران:182].

 

فاللهم احفظ علينا دِينَنَا وأخلاقَنا، وعافِنَا في أنفسِنَا وأهلِينا، وقِنَا والمسلمينَ شرَّ هذه البلايا، ورُدَّ ضالَّ المسلمين إليك ردًّا جميلاً. أقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وأستغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسلمِينَ منْ كُلِّ ذَنَّبٍ فاستَغفِرُوهُ إنَّهُ هُو الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ، خلَقَ الخلائِقَ فَأَحْسَنَهَا خَلقًا، ابتلَى العبادَ فَأَسعدَ وَأَشقَى، أَشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تعبُّدًا لهُ ورِقًّا، وَأَشهدُ أَنَّ نَبيَّنا محمَّدًا عبدُ الله ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آلِهِ وَأَصحابِه والتابعينَ ومن تبِعهم بإحسانٍ وَمَنْ كَانَ للهِ أَتْقَى.

 

أمَّا بعد: فاتَّقوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، واعلموا أنَّ الله توعَّدَ مُتعاطي الخُمُورِ والمخدِّراتِ بعقوباتٍ دنيويةٍ وأُخرَوِيَّةٍ أَفْظَعُها الَّلعنُ والطَّردُ من رحمةِ اللهِ. فعن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "أَتَاني جِبريلُ فقَالَ: يا محمدُ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لَعنَ الخمرَ وعَاصِرَهَا وَمُعتَصِرَها وشاربَها وحاملَها والمحمولةَ إليه وبائعَها ومُبْتَاعَها وَسَاقِيهَا ومُستَقِيَها"(صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ).

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ شَربِ الخمرَ وسكِرَ لم تقبلْ له صلاةٌ أربعينَ صباحًا، وإنْ ماتَ دَخَلَ النارَ، فإن تابَ، تابَ اللهُ عليه"(صَحَّحَهُ الألبَانِيُّ).

 

حُقَّ لِرسولِنَا -صلى الله عليه وسلم- يومَ أنْ لَعَنَ الْخَمْرَ بأشكَالِها؛ لأنَّ نَتَائِجَهَا: اغتصابٌ وسرقاتٌ، وقتلٌ وإجرامٌ، ونَصْبٌ واحتِيالٌ، وأُسرٌ مظلومَةٌ لا تعرفُ سوى الرُّعبِ والألَمِ والبُكاءِ؛ وتَفَكُّكٌ أُسَرِيٌّ، وتَشرِيدٌ للأطفال والنِّسَاءِ، وطردٌ من الوظيفةِ، وفشلٌ دراسيٌّ وضياعٌ للمستقبلِ، واختلالٌ في العقل، واكتئابٌ وَهَمٌّ، وقَلَقٌ وَغَمٌّ، واللهِ إنَّها صورٌ مُحزنَةٌ، ونِهايَاتٌ سَيئَةٌ، وفضيحةٌ في الدُّنيا وعذابٌ في الآخرةِ لمن ماتَ على ذلك، وفوقَ ذلِكَ كلِّهِ ضعفُ إيمانٍ وبُعْدٌ عن الرَّحيمِ الرَّحمنِ.

 

وإليكم -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- بَعْضًا مِنْ أَسْبَابِ انتشَارِ هذا البَلاءِ:

فأوَّلُها: ضَعفُ الإيمانِ، قال اللهُ -تعالى-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)[طه:124]، وفي الحديث يقولُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمنٌ".

 

ومن أعظمِ الأسبابِ: أصدقاءُ السُّوءِ. فَعَشَرَاتُ التائبينَ يُصدِّرون قَصَصَهم: بقولهم تعرَّفتُ على قُرَنَاءِ السُّوءِ، وقالوا لي: جرِّب، خُذْ مَجَّاناً، وهلمَّ جَرّاً...

 

ومن الأسبابِ: إهمالُ الوالدينِ وسوءُ التَّربيةِ وعدمُ المتابعةِ، ومن أراد الدَّليل فلينظر إلى شبابٍ وَفَتَيَاتٍ يجوبون الشوارعَ إلى ساعاتٍ متأخرةٍ من الَّليل. وَفي الْمَقَاهِي بلا حسيبٍ ولا رقيبٍ، يتعلَّمُ الصَّغيرُ من الكبير ما لا تُحمدُ عُقْبَاهُ، تدخينٌ ثمَّ تقليدٌ، وهكذا تبدأُ النهايةُ؟

 

عِبَادَ اللهِ: ومن أعظم أسبابِ انتشار المخدِّراتِ والمسكراتِ: تَزيينُ وَسَائِلِ الإعلامِ لَهَا؛ حيث يَعرِضُونَ مَنْ يُسمَّونَ بالفنانينَ والنُّجومَ وفي يدِ أحدِهم كأسُ خمرٍ أو سيجارةُ مخدِّر.

 

ومن الأسبابِ: الفراغُ القَاتِلُ، والبطالةُ المقيتةُ. ولا تنسوا أنَّ بعضَ العمالةِ الأجنبيةِ سببٌ في انتشار المسكراتِ والمخدِّرات؛ لرغبتهم على الأموالِ بأيِّ طريق كان.

 

أيُّها الكرامُ: وإنَّنَا لَنَقِفُ داعينَ اللهَ بالتَّوفيقِ لرجالِ مكافحةِ المخدِّراتِ ورجالِ الهيئاتِ وَمَنْ يُشارِكُهم بِجِدِّ وتضحِيَةٍ بالقبضِ على الْمُجرمينَ والْمروجينَ، جعل الله ذلك بميزان حسناتِهم. وباركَ في جهودهم.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وإِنَّ المُبتَلَينَ بِالمُخَدِّرَاتِ مَرضَى يَحتَاجُونَ إِلى رِّعَايَةِ وَعِلاجِ، وَغَرقَى يَتَشَوَّفُونَ إِلى مُسَاعَدَةٍ وَإِنقَاذٍ، وَمِن ثَمَّ فَلا بُدَّ مِن فَتحِ القُلُوبِ لهم، بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَنَصِيحَةٍ مُخلِصَةٍ، ومُعَامَلَةٍ حَسَنَةٍ، وَأَسَالِيبَ مُنَوَّعَةٍ، كما علينا أَنْ نُلِحَّ بِالدُّعَاءِ لهم.

 

معاشر الشَّبَاب: يَا َفَلَذَاتِ أَكبادِنَا، أدركتم أَنَّ طَرِيقَ المُخَدِّرَاتِ مُوحِشٌ ومظلمٍ وعالمٌ كَئِيبٌ، خِزْيٌ في الدُّنيَا وَخسارَةُ الآخِرَةِ. أَلا فَاتَّقُوا اللهَ شَبَابَنَا، وَكُونُوا أَقوِيَاءَ بِدِينِكُم مُتَوَكِّلِينَ عَلَى رَبِّكُم، وَلا تَجعَلُوا أَنفُسَكُم عَبِيدًا للمُسكِراتِ واِلمُخَدِّرَاتِ، ورَهَائِنَ في أَيدِي المُرَوِّجِينَ وَالمُفسِدِينَ، فَانتَبِهُوا لأَنفُسِكُم وَاحفَظُوا أَغلَى مَا تَملِكُونَ حَفِظَكُمُ اللهُ.

 

اللهم احفظ علينا دِينَنَا وأخلاقَنا، وعافِنَا في أنفسِنَا وأهلِينا، وقِنَا والمسلمينَ شرَّ هذه البلايا، ورُدَّ ضالَّ المسلمين إليك ردًّا جميلاً.

 

اللهم احفظ بلادَنا وشبَابَنا والمسلمينَ من كلِّ شرٍّ ومكروه. اللهم وفِّق ولاةَ أمرِنَا للقضاءِ على الفسادِ والمفسدينَ واجعلهم لشرعِك مُحَكِّمينَ. اللهم قويِّ عزائِمَهُم على الْحقِّ والهدى والدِّينِ.

 

اللهم انصر جنودنا واحفظ حدودنا، واغفر لنا ولوالدينا والمسلمين أجمعين. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النَّار.

 

عباد اللهِ: اذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على عموم نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 

المرفقات

حرب على الدين والعقول.doc

حرب على الدين والعقول.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات