حديث عن إمام الحديث

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2020-11-23 - 1442/04/08
عناصر الخطبة
1/نشأة الإمام البخاري ونبذة عن حياته 2/فضائل الإمام البخاري وثناء العلماء عليه 3/السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي 4/خطورة الطعن في كتب السُّنة 5/محاولات التشكيك في مصادر الإسلام

اقتباس

إنه شيخ المحدِّثين وسيّد الحفّاظ وتاج العلماء.. كانت حياته وسيرته عجبًا من العجاب.. عجب منه أهل عصره، وأذهلتْ مَلَكَاته محدّثي زمانه حتى قيل فيه: هو آية من آيات الله تمشي في الأرض.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله المتفرد بالألوهية والبقاء، والعزة والكبرياء، كتب على نفسه الرحمة، وكتب على عباده الفناء، قدَّر لقومٍ السعادة ولآخرين الشقاء. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الله في الأرض وفي السماء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير الخلق وصفوة الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وورثته من الدعاة والعلماء وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وتدبّروا آياته، وارضوا بقضاء مَن لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

 

من بخارى إلى بلخ، ومنها إلى مرو، ومنها إلى نيسابور، ومن نيسابور إلى الري، ومن الري إلى واسط، ومن واسط إلى البصرة، ومن البصرة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى بغداد، ومن بغداد إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى جدة، ومن جدة إلى عيذاب، ومن عيذاب إلى الفسطاط، ومن الفسطاط إلى عسقلان، ومن عسقلان إلى قيسارية، ومن قيسارية إلى دمشق، ومن دمشق إلى بغداد، ثم العودة إلى بخارى.

 

رحلة قطعت قرابة أربعة عشر ألف كيلو متر في ظروف قاسية وإمكانات محدودة.

رجلة قطعها اليتيم الذي فقد أباه؛ فتولَّت رعايته أُمّ لا كالأمهات، لتكتبَ للتاريخ أنَّ اليتيم الحقيقي هو الذي له أُمّ تخلَّت أو أبٌ عنه مشغولٌ.

 

رحلة قطعها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري لا ليتاجر ولا ليفاخر، وإنما ليحفظ حديثًا أو يوثِّق رواية أو يتحقق من راوٍ، وليتحقق وعد الله بحفظ هذا الدين ولوعد رسوله "يَحملُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلّ خلَفٍ عُدُوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

 

إنه شيخ المحدِّثين وسيّد الحفّاظ وتاج العلماء.. كانت حياته وسيرته عجبًا من العجاب.. عجب منه أهل عصره، وأذهلتْ مَلَكَاته محدّثي زمانه حتى قيل فيه: هو آية من آيات الله تمشي في الأرض.

 

أكثر من الرحلة، والأخذ عن الشيوخ، حتى كتب عن ألف وثمانين رجلاً من أهل الحديث، قال وَرَّاقه: "سمعته يقول: دخلت بلخ، فسألوني أن أُملِي عليهم لكل مَن كتبت عنه حديثًا، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم".

 

قدم بغداد، وقد كان أئمة الحديث فيها يسمعون عن قوَّة حفظه؛ فأرادوا امتحانه، فعمدوا إلى عشرة من حفَّاظهم، مع كلِّ واحدٍ عشرةُ أحاديث قلَّبوا أسانيدها وخلَّطوها، فأخذوا يلقونها على البخاري حديثًا حديثًا، وهو يقول: لا أعرف هذا الحديث؛ حتى أنهوا المائة حديث، ثم أعاد عليهم المائة حديث بخطئهم، ثم أعادها مرة أخرى مصحَّحة؛ فأقرُّوا له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.

 

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "هنا يُخْضَعُ للبخاري، فما العجب من ردِّه الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا؛ بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرَّةٍ واحدةٍ".

 

لا تُذكر السُّنَّة إلا ويُذْكَر صحيح البخاري، ولقد كان سبب جمعه له كلمةً سمعها من شيخه إسحاق بن راهويه؛ حيث قال يومًا محدِّثًا تلاميذه: "لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"، قال البخاري: "فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب"، فما أعظمها من كلمة من مربٍّ أنتجت مشروعًا!، فطوبى لمُرَبٍّ محفِّز، وشيخ يفتح لطلابه أبواب مشاريع، ربما ينال بها من الثواب أضعاف عمله بنفسه.

 

وتمضي الأيام والبخاري ماضٍ في مشروعه العظيم حتى ذاع صيته، وتناقل الخاصة والعامة من أخبار عبقريته وحفظه الشيء الكثير، فكان لا يدخل بلداً إلا التفَّ حوله العلماء قبل العامة، يسألون ويختبرون، قال صالح بن محمد الأسدي: "كنت أستملي له ببغداد، فبلغ مَن حضر مجلس البخاري أكثر من عشرين ألفاً".

 

وكما بزَّ البخاري بحفظه وذكائه، تميَّز أيضاً بأخلاقه وزكائه، فقد كان زاهداً ورعاً، منشغلاً بالعبادة، سليم الصدر، عفيف اللسان، يقول عن نفسه: "ما اغتبتُ أحداً قطُّ منذ أن علمتُ أنَّ الغيبة حرام، وأرْجوا أن ألقى الله ولا يحاسبني أن اغتبتُ أحداً".

 

ومع اشتغال البخاري بالحديث إلا أن ذلك لم يشغله عن القرآن، فكان يحيي كل ليلة بثلث القرآن، ويختم كل ثلاث ليالٍ، وأما في رمضان فقد كان يختم في كل ليلة.

 

ذاك الإمام بعلمه وعمله، واتِّباعه للسُّنة وإخلاصه - بلغ صِيتُه الآفاق، وأثنى عليه العلماء؛ حتى قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "ولو فتحتُ بابَ ثناء الأئمة عليه، ممَّن تأخَّر عن عصره؛ لفني القِرْطاس، ونفدت الأنفاس؛ فذاك بحرٌ لا ساحل له"، ونقل عن قتيبة بن سعيد قوله: "جالستُ الفقهاءَ والزهَّاد والعبَّاد، فما رأيتُ منذ عقلتُ مثلَ محمدٍ بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة"، وقال: "لو كان محمد في الصحابة لكان آية".

 

تُوفِّي -رحمه الله تعالى- ليلة عيد الفطر، سنة ستٍّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة. وبوفاته -رحمه الله تعالى- طُوِيَتْ صفحةٌ من صفحات العلماء العاملين؛ لكنَّ ضوءها لم يخفت؛ بل ظل يضيء الطريق للسائرين، غُرَّةً في جبين تاريخ المسلمين ورجاله الأفذاذ. ولو لم يكن من ضوئها إلا كتابُه "الصحيح"؛ لأضاء ما بين الخافقَيْن، وكان شاهدًا له إلى يوم الدين.

 

قال الطواويسي: "رأيتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في النوم، ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقفٌ في موضع؛ فسلمتُ عليه، فردَّ عليَّ السلام، فقلتُ: ما وقوفكَ يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري. فلما كان بعد أيام؛ بلغني موته؛ فنظرتُ فإذا قد مات في الساعة التي رأيتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فيها".

 

رحمه الله -تعالى- رحمةً واسعةً، ورضيَ عنه، وجمعنا به في دار كرامته، ونفعنا بما نقول ونسمع، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

إنَّ من المقرَّر في شريعتنا أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وحين يذكرُ الاحتجاجَ بالسنة يأتي في مقدمتها صحيحُ البخاري، الذي تلقّته الأمة بالقبول، وعلى العمل به طوال العصور، وأجمع العلماء على أن أحاديثه قد قالها النبي -صلى الله عليه وسلم- قطعيّاً, كما قرّر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

 

وبقي أهل السنة عبر كل جيل على هذا المنهج لا يضرهم من خاصمهم أو خالفهم، وفي كل عصر وجيل تنبت نوابت تطعن في السنة أو في كتب الصحاح، بتبريرات عبثية، ونقد غير علمي خارج منهجية المحدثين المختصين.

 

نعم؛ للسنة والحديث خصوم ومحرّفون، وطاعنون ومنكرون، ولهم في طعنهم في صحيح البخاري طرائق متنوعة؛ إما بذوق عقلي، أو هوىً شهواني، أو ادعاء مناقضته للقرآن، واليوم تُردُّ أحاديث المصطفى الصحيحة لعدم توافقها مع التعايش، أو الحريات، أو القيم التي ينادي بها الغرب.

 

هذا الطعن العبثي بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والدعوة لفتح الباب لنقد مصادر التشريع دافعها الحقيقي هو استثقال التكاليف الشريعة، أو الاستحياء من بعض النصوص؛ إرضاءً لمن لن يرضى عنا بنص القرآن.

 

خذوها وعوها: الطعن في السنة -وفي مقدمتها أحاديث الصحيح- هي حلقة ضمن مشروع كبير عنوانه: التشكيك في مصادر الإسلام؛ لتكون النتيجة: ظهور أجيال ضعيفة هزيلة، مهزوزة الثقة بمصادر تشريعها ودينها ومبادئها.

 

يخدم هذا المشروع منافقون أعداء، أو جهلة أغبياء، أو مفتونون باحثون عن الأضواء, يجمعهم أنهم لا صيد لهم في العلم، يتحدثون عن شيخ المحدثين ويقيمون كتابه الصحيح، كأنما يقيّمون روائيًّا في روايته.

 

والله والله لن يضير صحيح البخاري غمز الطاعنين، ولا تفيهق المتعالمين، ولا تشكيك التافهين؛ لأن أحاديث الصحيح هي من الدين، والله تكفل بحفظ هذا الدين وبقائه, وما مثال هؤلاء إلا كمن يبصق على الشمس، أو ينطح الجبل الشامخ.

يا ناطح الجبل العالي ليثلمه *** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

 

تذهب الممالك، وتزول الدول، وتموت الرجال، وتتغير الأجيال، وتتغير الأطلال والآثار، ويبقى البخاري وصحيحه باقياً ما بقي الليل والنهار.

 

كونوا أنصار الله وحماة دينه والمدافعين عن سنة رسوله، وكونوا صخرة تتكسر عليها نصال الطاعنين، واستبينوا غايات الشانئين فليس هدفهم أبا هريرة ولا البخاري ولا أشخاصًا بذواتهم، لكنَّ الهدف الأكبر هدم هذا الدين بهدم مصدر من مصادر تشريعه عبر بوابة النقد والتشكيك قاتلهم الله أنى يؤفكون.

 

اللهم صلِّ وسلِّم ....

 

المرفقات

حديث عن إمام الحديث

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات