حتى يأتيك اليقين

الشيخ عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2024-12-27 - 1446/06/25 2025-01-02 - 1446/07/02
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/غرور الدنيا وحتمية الارتحال عنها 2/استحضار ساعة الاحتضار والآخرة يفضي لصلاح الحال والمآل 3/خطر الغفلة على حياة العبد الأخروية 4/مفهوم حديث "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.." 5/الصبر على ألم الفقد يخفف التبعات ويفضي لنيل الدرجات.

اقتباس

مَنْ اسْتَحْضَرَ سَاعَةَ الاحْتِضَارِ لَمْ يَطُلْ في الدُّنْيا أَمَلُه ولَمْ يَفْسُدْ فيها عَمَلُه، يَرْضَى مِنْ الدُنيا بِما قُسِمَ لَه، ويَسْعَى فيها بِما يُصْلِحُ دِيْنَهُ ودُنْياه، يَحْفَظُ الحقُوقَ ويُؤَدِيْها، ويَحاذِرُ المُحَرَّماتِ ويَتَّقِيْها... ذِكْرُ الآخِرَةِ لَيْسَ مُكَدِّراً لِلْحَياةِ، ولا مُنَغِّصَاً للملذَّاتِ، ولا صارِفاً عَنْ المُباحاتِ، وإِنَّما مُهذبٌ للنُّفُوسِ، مُصْلِحٌ للأَعمالِ، حاجِبٌ عَنْ المُحرَّمات...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَمَّا بَعْدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

 

أَيُّها المُسْلِمُون: عَابِرٌ يَمْضِيْ نَحْوَ غايَةٍ، ومُسافِرٌ يَعْبُرُ في سَبِيْل، ومَنْ سَلَكَ سَبِيْلاً تَزَوَّدَ لَه، ومَنْ قَصَدَ وِجْهَةً شَمَّرَ إِليها، والحَياةُ رِحْلَةٌ والدُّنْيا مَتَاع، والعُمُرُ قَصِيرٌ والخاتِمَةُ غَيْب؛ (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيْمٌ خَبِيْر).

 

إِنا لَنَفْرَحُ بالأَيامِ نَقْطَعُها *** وكُلُّ يَومٍ لَنا يُدْنِي مِن الأَجَلِ

حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جَارِي *** مَا هَذِهِ الدُنيا بِدَارِ قَرارِ

بَينا يُرَى الإِنْسَانُ فِيْها مُخبِراً *** حَتّى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبارِ

فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنِيَّةُ يَقِظَةٌ *** وَالمَرءُ بَينَهُما خَيالِ ساري

وَالنَفسُ إِنْ رَضِيَت بِذَلِكَ أَو أَبَت *** مُنقادةٌ بِأَزمَّة الأَقْدَارِ

فاقْضُوا مآرِبكم عُجَالاً إِنَّما *** أَعْمَارُكُم سَفَرٌ مِنَ الأَسْفَارِ

 

فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنِيَّةُ يَقِظَةٌ حَقِيْقَةٌ مَنْ لَمْ يَعِيهَا اليَومَ وَعَاهَا غَداً، ومَنْ لَمْ يَفْقَهها في حَياتِه فَقِهَهَا عِندَ مَمَاتِه، حِيْنَ تَنْزِلُ بِالمَرْءِ سَاعَةُ الأَجَلِ، وتَحِلُّ بِهِ لَحْظَةُ الاحْتِضارِ، يُدْرِكُ أَنَّ حَياتَهُ التي انْقَضَتْ بِأَيَّامِها وأَعْوَامِها، وتَقَلُّباتِها وأَحْوَالِها، وأَفْراحِها وأَتْراحِها بآلامِهَا وَآمالِها، وسُكُونِها وَأَعْمَالِها، وحُلُولِها وتَرْحالِها لَمْ تَكُنْ كُلُّها إِلا كَحُلُمٍ زَال، أَو كَطِيْفٍ مَرَّ في خَيال؛ (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).

 

كَما سَيُدْرِكُ المُحْتَضَرُ أَنَّ الحَياةَ الآخِرَةَ التِي سَيَنْقَلِبُ إِليها هِيَ الحَياةُ الحَقُّ، وهِيَ حَياةُ الخُلُود. يُفِيِقُ المُحْتَضَرُ فَيَتَذَكَّرُ؛ (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * یَقُولُ یَـٰلَیتَنِي قَدَّمتُ لِحَیَاتِي)، (وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ الآخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ).

 

المَوْتُ مَوعِدُ صِدْقٍ ولَحْظَةُ إِفاقَة، ولِكُلِّ نَفْسٍ أَجَلٌ، ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتاب؛ (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).

 

المَوْتُ هُوَ اليَقِيْنُ، وما أَجْمَعَ الأَحياءُ على حَقِيْقَةٍ ما أَجْمَعُوا على الإِيْقانِ بالمَوتْ، وأَنَّهُ مَصِيْرُ كُلِّ حَيٍّ، وأَنَّه لا يُدْفَعُ بِقُوَّةٍ ولا يُرَدُّ بأَعْوان، ولا يُتَّقَى بِحِيْلَةٍ ولا يُقْهَرُ بِسُلْطَانْ؛ (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)، (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، جَاءَتْ سَكْرَةُ المَوتِ بالحَقِّ، فَتِلْكَ السَّاعَةُ التي كُنْتَ مِنْها تَحاذِرُ.

 

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِى الحَذَارُ عَنِ الفَتَى *** إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ

 

المَوْتُ هُوَ اليَقِيْنُ، لَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ -رضي الله عنه- وغُسِّلَ وكُفِّنَ في أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وقَالَ: "أَمَّا هو فقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ -يَعْنِيْ المَوْتُ- واللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو له الخَيْرَ"(رواه البخاري)، ما كانَ غَيْباً قَدْ خَفِي؛ فالمَوتُ جَلَّاهُ وأَظْهَرَهُ، والمَوتُ يَرْفَعُ أَسْتاراً مِنْ الحُجُبِ.

 

لَمْ يَزَل المُؤْمِنُ مُوقِناً بالغِيْبِ الذي أَخْبَرَ اللهُ بِه؛ فَهُوَ في الحَياةِ مِنْ خَبَرِ الآخِرَةِ على؛ (عِلْمِ يَقِيْن)، وعلى قَدْرِ إِيْمانِ المرءِ يَعْلُو يَقِيْنُه.

 

لَمْ يَزَلِ المُؤْمِنُ من أَمْرِ الآخرَةِ على (عِلْمِ يَقِيْن) حَتَى إِذا ما نَزَلَ بِهِ المَوتُ، وعايَنَ مَشاهِدَ الاحتِضارِ، وكُشِفَ لَهُ الغِطاءُ، وأَبْصَرَ ما كانَ يُخْبَرُ بِهِ، ارتَقَى مِنْ عِلْمِ اليَقِيْنِ إِلى عَيْنِ اليَقِيْن؛ فَهُو يَرَى الأَمْرَ عِيَاناً مُبْصَراً؛ (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ).

 

حَتَى إِذا ما قُبِضَتِ الرُّوحُ، وقَامَ الحِسابُ، وعَظُمَ الفَزَعُ، وطَالَ الوُقُوفُ، ونُصِبَتِ المَوازِيْنُ، وتطايَرَتِ الصُّحُفُ، ومُدَّ الصِراطُ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ، وجِيءَ بالنَّارِ صَارَ أَمْرُ الآخِرَةِ لَهُ حَقُّ اليَقِيْن؛ فَهُوَ يَقِفُ في الحَقِّ الذي لا مِراءَ فِيه؛ (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ).

 

والمَوتُ أَوَّلُ حَقِيْقَةٍ يَنْكَشِفُ بِها اليَقِيْن؛ (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، وإذا أَتَى اليَقِيْنُ لَمْ يُغِنِ الفاجِرَ إِيْمانٌ ولَمْ تَنْفَعْهُ تَوبَة؛ (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن).

 

فمَنْ اسْتَحْضَرَ سَاعَةَ الاحْتِضَارِ وأَدامَ ذِكْرَها ظَلَّ مُتَيَقِظاً فَطِناً، مُتأَهِباً مُشَمِّراً، يُحْسِنُ السَّعْيَ وُيْخْلٍصُ العَمَل، يُهذِّبُ نَفْسَهُ ويُصْلِحُها، ويُحاسِبُها ويُزَكِّيْها، يُقِيْمُها على الطَاعَةِ وعَن الهَوى يَزْجُرُها، يحْمِلُها على المَعْرُوفِ وعَنْ المنْكَرِ يَرْدَعُها، يَكُفُّها عَنْ المَظالِمِ ويُمْنَعُها عَن الآثام، يُرَاقِبُ رَبَهُ في الخَلَوةِ ويُراقِبُهُ بَيْنَ الأَنام.

 

مَنْ اسْتَحْضَرَ سَاعَةَ الاحْتِضَارِ لَمْ يَطُلْ في الدُّنْيا أَمَلُه ولَمْ يَفْسُدْ فيها عَمَلُه، يَرْضَى مِنْ الدُنيا بِما قُسِمَ لَه، ويَسْعَى فيها بِما يُصْلِحُ دِيْنَهُ ودُنْياه، يَحْفَظُ الحقُوقَ ويُؤَدِيْها، ويَحاذِرُ المُحَرَّماتِ ويَتَّقِيْها.

 

ومَنْ غَفَلَ الآخِرَةِ تَاهَتْ بِهِ الأَهْواءُ، وتَقَلَّبَ في المُهْلِكات قَلْبُهُ يَقْسُو وإِيْمانُهُ يضْعُف، وعَمَلُهُ يَفْسُدُ وسَعْيهُ يَخِيْب؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ : أخَذَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بمَنْكِبِي، فقال: "كُنْ في الدُّنْيا كأنَّكَ غَريبٌ أو عابِرُ سبيلٍ"، وَكانَ ابنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- يقولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَساءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِك"(رواه البخاري).

 

ذِكْرُ الآخِرَةِ لَيْسَ مُكَدِّراً لِلْحَياةِ، ولا مُنَغِّصَاً للملذَّاتِ، ولا صارِفاً عَنْ المُباحاتِ، وإِنَّما مُهذبٌ للنُّفُوسِ، مُصْلِحٌ للأَعمالِ، حاجِبٌ عَنْ المُحرَّمات.

 

ذِكْرُ الآخِرَةِ طَاقَةٌ تَنْهَضُ بالهمَمِ إِلى أَعْلَى المَقَامَات، تُكْسِبُ صاحِبَها حُسَنَ الاسْتِقامَةِ وتَحْمِلُهُ على لُزُومِ الثَّبات؛ فَيُدْرِكُ بذلِكَ طِيْبَ عَيْشٍ في الدُّنيا، ويَدْرِكُ في الآخِرَةِ رَفِيعَ الدَّرَجات؛ (مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

 

ذِكْرُ الآخِرَةِ يُقِيْمُ في النُّفُوسِ المُيْزَانَ، فَيُبْصِرُ المَرءُ الدُّنيا على حَقِيْقَتِها، ويُبْصِرُ الآخِرَةَ على حَقِيْقَتِها؛ فَيَعْمَلُ لِكُلِّ دارٍ على قَدْرِ بَقائِهِ فِيْها؛ فَلا يَحْزَنُ إِنْ فاتَهُ مِنْ الدُّنيا مُبْتَغى، ولا يَبْطَرُ إِنْ نَالَ مِنْها يُرِيد؛ (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).

 

ذِكْرُ الآخِرَةِ هُوَ هَدْيُ المُرسَلِين؛ (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) جَعَلْنا ذِكْرَ الدَّارِ الآخِرَةِ يَعْمُرُ قَلُوبَهُم، فَهُم لا يَزالُونَ لَها يَعْمَلُون؛ (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ).

 

وما فارَقَ ذِكْرُ الآخِرَةِ قَلْباً إِلا وَهَن.

 

بارك الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً؛ أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- لعلكم ترحمون.

 

أيها المسلمون: رَهْبَةُ المَوتِ فِطْرَةٌ في النُّفُوسِ فَمُفارَقَةُ الحَياةِ لَهُا في النُّفُوسِ وَجَل؛ فالحَيُّ يَكْرَهُ المَوتَ؛ وكُرْهُ المَوتِ لا يُنافِي الإِيْمان. فَفِي الحديثِ القْدْسِيّ؛ قال الله -سُبحانه-: "وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ، تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأَنَا أَكْرَهُ مَساءَتَهُ"(واه البخاري).

 

فَإِذَا ما نَزَلَ بالمُؤْمِنِ المَوتُ وبُشِّرَ برحمةِ اللهِ ومَغْفِرَتِهِ ورِضْوانِهِ، أَحبَّ لِقاءَ اللهِ وكَرِهُ البَقاءَ في الدُّنيا؛ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: قَال: «مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ»؛ قَالَتْ، فَقُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، أكَراهِيَةُ المَوتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوتَ؛ قَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وإنَّ الكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذابِ اللهِ وَسَخَطهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وكَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ»(رواه مسلم).

 

وحسْنُ الخاتِمَةِ غَايَةٌ لا أَكْرَمَ مِنْها، حُسْنُ الخَاتِمَةِ أَنْ يَنْتَقِلَ المَرْءُ مِنْ دُنياهُ إلى آخِرَتِهِ على خَيرِ حالٍ، يَنْتَقِلُ إِلى الآخِرَةِ، مُسْتَقِيْماً على طَاعَةِ اللهِ، مُسْتَمْسِكاً بِشَرِيْعَةِ اللهِ، مُلْتَزِماً بِتَقْوَى اللهِ، فَيُقابَلُ مِن اللهِ بالبُشْرَى والنَّعِيْم؛ (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ).

 

حُسْنُ الخَاتِمَةِ ثَمَرَةٌ لِما كانَ عَلِيْهِ العَبدُ في حَياتِه، والعَبْدُ مأَمُورٌ بالسَّعْيِ في طَلَبِ حُسْنِ الخِتامح فَما اسْتَقامَ عَبْدٌ في الحَياةِ على طَاعَةِ اللهِ وأَخْلَصَ وصَدَقَ إِلا أَحْسَنَ اللهُ لُه الخِتام؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)؛ قَالَ ابنُ كَثِيْرٍ -رَحِمَهُ الله-: "أَي: حَافِظُوا عَلَى الإِسْلامِ في حَالِ صِحَّتِكُمْ وَسَلامَتِكُمْ لِتَمُوْتُوا عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الكَرِيْمَ -سُبحانَهُ- قَدْ أَجْرَى عَادَتَهُ بِكَرَمِهِ أَنَّهُ مَنْ عَاشَ عَلى شَيءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيءٍ بُعِثَ عَلَيْهِ، فَعِياذاً بِاللهِ مِنْ خِلافِ ذَلِك" ا.هـ

 

عِبادَ الله: وَفِراقُ الرَّاحِلينَ مِنَ الأَهْلِ والقَرابَةِ والجِيْرانِ والأَصْدِقاءِ لَهُ في النُفُوس أَلَم، مُصابٌ يُحْدِثُ في النُفُوسِ لَوعَةً، ونازِلَةٌ تُبْقِيْ في القُلُوبِ أَسَى، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يُواجِهُ أَقْدارَ اللهِ المؤْلِمَةَ بالرِّضا والتَّسْلِيْم، والصَّابِرُونَ لَهُم مِنَ الله أَعْظَمَ أَجْرٍ ولَهُم عِندَ اللهِ أَكْرَمَ جَزاء؛ عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ -تعالى-: "مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلَّا الجَنَّةُ"(رواه البخاري)، والصَّفِيُّ كُلُّ مَنْ صَفَتْ مَحَبَّتُهُ في القَلْبِ؛ (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وأَكْرَمُ الرَّاحِلينَ مَنْ أَبْقَى لَهُ بَعْدَ الرَّحِيْلِ في الخَيْرِ أَثَر..

 

اللهمَّ أحسن خاتِمَتنا..

 

المرفقات

حتى يأتيك اليقين.doc

حتى يأتيك اليقين.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات