حال الأشقياء

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-01-20 - 1435/03/19
عناصر الخطبة
1/من هم الأشقياء؟! 2/أحوال الأشقياء في الدنيا وبعض صفاتهم 3/صور من أحوال الأشقياء في الآخرة 4/التحذير من الاتصاف بصفات الأشقياء 5/دور المسلمين في إرشاد الأشقياء 6/التحذير من الغفلة والركون إلى الدنيا

اقتباس

الأشقياء أقوام مخذولون تنكَّرُوا لفِطَرِهم، وأظلمت بالشكوك قلوبهم، لم تنفذ إليهم أشعة الإسلام بسكينة، ولا تسربت إليهم أنوار اليقين براحة، يجادلون في الله بغير علمٍ ولا هدًى ولا كتاب منير، مساكين ثم مساكين، دخلوا الحياة وخرجوا منها ولم ينعموا بأطايب ما فيها، وأعظم ما فيها: الإيمان بالله والاحتماء بجنابه...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ذي العزِّ المجيد، والبطش الشديد، المبدئ المعيد، الفعَّال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بعد الإنذار بالنار والوعيد، المكرم لمن خافه واتقاه بدار لهم فيها من كل خير مزيد. فسبحان من قسم خلقه وجعلهم فريقين (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود: 105]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا كفء ولا نديد، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله الداعي إلى التوحيد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه صلاة وسلامًا إلى يوم المزيد.

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى المولى، واحذروا غضبه.

 

عباد الله الأخيار: الله ربنا -سبحانه- أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل عليهم كتبه، ليعرفوا الناس بربهم ويعلموهم شعائر دينهم، فقوم انقادوا فعاشوا في الدنيا على الإيمان، ونرجو أن يعيشوا في الآخرة عيش السعداء، وقوم آخرون تكبروا وكفروا وعاندوا، وأصروا على الشرك وعلى الكبر، وعلى الصد عن سبيل الله -جل وعلا-، فهؤلاء هم الأشقياء، قال ربنا -سبحانه-: (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ) [هود: 106-108]، نعوذ بالله من حال الأشقياء، ونسأله -سبحانه- عيش السعداء.

 

أيها الإخوة: أحوال الأشقياء في الدنيا مريرة، فقد قطعوا مراحل حياتهم سائرين إلى دار الشقاء، متزودين غضب الرب، مصحوبين بالشياطين تسوقهم إلى منازلهم سوقًا حثيثًا، وتزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجًا. نعوذ بالله من حالهم ومصيرهم.

 

أيها المسلمون: الأشقياء أقوام مخذولون تنكَّرُوا لفِطَرِهم، وأظلمت بالشكوك قلوبهم، لم تنفذ إليهم أشعة الإسلام بسكينة، ولا تسربت إليهم أنوار اليقين براحة، يجادلون في الله بغير علمٍ ولا هدًى ولا كتاب منير، مساكين ثم مساكين، دخلوا الحياة وخرجوا منها ولم ينعموا بأطايب ما فيها، وأعظم ما فيها: الإيمان بالله والاحتماء بجنابه، خسروا أنفسهم وخسروا حياتهم، لا يذوقون للسرور طعمًا. نسأل الله السلامة والعافية.

 

عباد الله: والأشقياء نوعان: كفار ومنافقون، قال الله تعالى في وصفهم ووصف أحوالهم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) [البقرة: 161-162]. وقال الله تعالى في معرض تبكيتهم يوم القيامة: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: 20].

 

فالكفار والمشركون والمنافقون لا حظ لهم في الآخرة، وأما في الدنيا فهم: (يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: 12]، وما أكثر هؤلاء الغاوين الضالين المتبعين إبليس اللعين، فهؤلاء كالأنعام التي فقدت العقول؛ حيث آثروا ما يفنى على ما يبقى، فلم يستفيدوا من عقولهم وأسماعهم وأبصارهم.

 

ويا ليتهم تدبروا فيما خُلقوا له! لعلموا أنهم إنما خُلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، ووهبهم الله الأفئدة والأسماع والأبصار لتكون عوناً لهم على القيام بأوامر الله، وحقوقه، فاستعانوا بها على معصية الله، والصدّ عن سبيله، ومحاربة أوليائه ودينه، وغفلوا عن أنفع الأشياء وأحسنها من الإيمان بالله وطاعته وذكره.

 

فهؤلاء حذّرهم الله من مصير سيئ بأن يكونوا ممن مصيره جهنم وممن خُلقوا لها، وهم بأعمال أهلها يعملون كما قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179]، فهؤلاء أضلّ من الأنعام السائمة؛ لأن الأنعام يهديها راعيها فتهتدي، وتعرف طريق هلاكها فتجتنبه، وهؤلاء صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون، فكل حيوان بهيم فهو أهدى منهم، وصدق الله: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: 44].

 

أيها الإخوة: مساكين والله هؤلاء الذين يقطعون مراحل أعمارهم سائرين إلى دار الشقاء، متزودين غضب الرب -سبحانه-، ومعاداة كتبه ورسله وما بُعثوا به، ومعاداة أوليائه وعباده الصالحين، يجتهدون في الصد عن سبيله -سبحانه-، ومحاربة من يدعو إلى دينه.. لقد قطع هؤلاء الأشقياء مراحل أعمارهم في ضدّ ما يحبه الله ويرضاه. فما أعظم جرمهم!! وما أكبر خسارتهم!! وما أشد عقوبتهم!! فهم أشد الناس جرماً، فما أجدرهم بلعنة الله وغضبه وسخطه؟.

 

أيها الإخوة: دعونا نتساءل: أي جرم أعظم من رد الحق والهدى الذي اختاره الله لعباده؟ وأي جرم أعظم من إيذاء وصد وقتل الذين يأمرون بالقسط والعدل من الناس ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، الذي في حقيقته إحسان إلى الخلق ونصح لهم؟، وقد وصف ربنا هؤلاء وتوعدهم بأليم العذاب فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [آل عمران: 21-22]، إن هؤلاء بركوبهم هذه الجرائم وإصرارهم عليها قد استحقوا أشد العذاب في النار، وهو العذاب المؤلم بشدة للأبدان والقلوب والأرواح، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة.

 

عباد الله: وبعد أن يُسَاق الأشقياء إلى النار، وفي النار -أيها الإخوة في الله- ما لا يتصوره العقل، يقول الله -عز وجل- في كتابه الكريم: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر:47]، يصيحون في النار صياحاً مرتفعاً يقول الله عنهم: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) [فاطر:37]، فيقول الله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) [فاطر:37]، لقد عمرناكم في الدنيا وأعطيناكم فرصة للذكرى والعمل (وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر:37]، فلم يستفيدوا من أعمارهم في الخير، ولم يغتنموها في الصالحات.

 

أيها الإخوة: إن الأشقياء بكل معاني الشقاء هم المفلسون من كنوز الإيمان ومن رصيد اليقين، فهم أبداً في تعاسة وغضب ومهانة وذلة: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) [طه:124] فلا يسعد النفس ولا يزكيها ولا يطهرها ولا يسرها، ولا يفرحها ولا يذهب همها وغمها وقلقها إلا الإيمان بالله رب العالمين، بل ولا طعم للحياة أصلاً إلا بالإيمان.

 

جعلنا الله وإياكم من الرابحين السعداء، يوم يخسر المبطلون الأشقياء، ويتحسر المتحسرون التُّعساء، إن ربي وليُّ النعماء، وكاشف الضُّر والبلاء.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله، سيد الأولين والآخرين، والمبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

عباد الله: اعلموا أن طاعتكم لله هي الطريق إلى رضاه، وأنَّ الاستكثار من العبادة يحوِّلُ الأشقياءَ إلى سعداءَ، ويبدِّلُ الأعداءَ إلى أولياءَ، ويكون سببًا في محبة الله لعبده والدفاعِ عنه إذا أصابه من غير الله مكروه. والمداومة على الأعمال الصالحة تُطهِّر القلوبَ، وتزكّي الأنفسَ، وتُهذب الأرواحَ، وتُريح الأبدانَ، وتُسعدُ العبدَ في الدنيا والآخرة. فيا عجبًا لإنسان عاقل يعود إلى مرارة المعصية بعد أن ذاق حلاوة الطاعة!.

 

أيها الإخوة: عندما نقارن بين المستقيمين الصالحين الطاهرين، وبين الحائرين التائهين، التعساء الأشقياء المليئين بالشك والهموم والقلق، وضيق الصدر، نجد البون شاسعًا والمقارنة بينهما تقودنا وتحثنا إلى المسارعة في الخيرات.

 

عباد الله: إن الأشقياء من الكفار والمشركين لما أساءوا العمل في الدنيا كان مصيرهم يوم القيامة إلى جهنم وبئس المصير، قال -سبحانه-: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر: 38-48].

 

والمتأمل في هذه الآيات يجد فيها تحذيرًا شديدًا من أربع صفات أخرجت الخلق إلى زمرة الأشقياء الهالكين، وعلى رأس هذه الأربع: ترك الصلاة، وهي عمود الإخلاص للمعبود، فمتى يفلح من ضيع صلاته؟! وجمع إليها ترك إطعام المسكين، الذي هو من صنوف الإحسان إلى العبيد، فلا عبادة للخالق، ولا إحسان للمخلوق. وضم إلى ما سبق الخوض في الباطل والتكذيب بالحق؛ فلأجل هذا فهم مخلدون في النار، والعياذ بالله لا تنفعهم شفاعة الشافعين. نسأل الله أن ينجينا من خزي يوم القيامة.

 

عباد الله: ما أجهل العصاة بربهم ودينه!! نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها كما قال -سبحانه-: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ)  [المدثر: 49-51].

 

عباد الله: إذا كان أكثر أهل الأرض الآن يعيشون في الكفر والضلال والفجور, وعدد الكفار قد يزيد على ستة آلاف مليون نسمة, ويموت منهم يومياً إلى النار أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان, وهم غارقون في الشهوات والملذات. فمن المسئول عن ترك هذا الوباء من الكفر والشرك والظلم والفساد ينتشر في البشرية؟! فمن لهؤلاء الضلال يرشدهم ويعلمهم ويضحي بجزء من وقته في نشر الإسلام ويعمل على نجاتهم؟! من لهؤلاء الغرقى؟!.

 

أيها الإخوة: إن علينا أمانة الدعوة ومسئولية البلاغ، كلّ بحسبه، فهل نحن أدينا أمانة الدعوة إلى الله؛ ليسمع الناس الحق الذي شرفنا الله بالدعوة إليه، فيهتدوا إليه، ويسعدوا به في الدنيا والآخرة، وينجوا من عذاب الله يوم القيامة، (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [إبراهيم: 52].

 

أيها الإخوة: ما أصعب أحوال الأشقياء، وما أشقى حال الإنسان الذي سمع الحق ثم أعرض عنه وصدَّ عنه!! إن الجبال العظيمة الصلبة العالية الراسية، أخبر عنها خالقها العظيم أنه لو أنزل عليها كلامه لخشعت وتصدعت من خشية الله كما قال -سبحانه-: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر: 21]، فوا عجبًا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال، تسمع آيات الله تتلى عليها، ويُذكر الرب جل جلاله فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فليس بمستنكَر على الله ولا يخالف حكمته أن يخلق لها ناراً تذيبها إذا لم تَلِنْ بكلامه وذكره وزواجره ومواعظه. نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين.

 

أيها الأحبة: تذكروا جيدًا أن من لم يلن قلبه في هذه الدار، فإن أمامه المليِّن الأعظم في نار جهنم التي تذيب الأجسام الصلبة، والأحجار القاسية، والنفوس العاصية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6].

 

أيها الإخوة: هل نحن من الفائزين السعداء أم نحن من الخاسرين الأشقياء؟! قال سعيد بن أبي عطية: "لما حضر أبا عطية الموتُ جزع منه فقالوا له: أتجزع من الموت؟ قال: ما لي لا أجزع وإنما هي ساعة ثم لا أدري أين يذهب بي؟!".

 

وكيف تنام العين وهي قريرة *** ولم تدر في أي المحلين تنزل

 

وكان سفيان الثوري يقول قبل أن يقوم من مجلس حديثه يقول عن الدنيا:

 

أرى الأشقياء لا يسأمونها *** على  أنهم فيها عـراة وجوَّع

وإنها وإن كانت تُسِرّ فإنها *** سحابة صيف عن قليل تقشّعُ

 

هكذا كان يقول عن الدنيا: أرى أشقياء الناس لا يسأمونها ولا يسأمون أن يغرقوا أنفسهم في ملذاتها ومتاعها، ولو فوَّت ذلك عليهم أداء حقوق الله تعالى التي خُلقوا لأجلها، على أنهم فيها عراة وجوعى، وإنها وإن كانت تسرُ حينًا فإنها سحابة صيف عن قليل تمضي وتزول.

 

نعوذ بالله من حال الأشقياء، ونسأل الله أن يأخذ بنواصينا إليه.

 

 

 

المرفقات

الأشقياء

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات