حالنا بعد رمضان

محمد بن عبدالرحمن العريفي

2011-09-12 - 1432/10/14
التصنيفات: التربية رمضان
عناصر الخطبة
1/ أنوار رمضان وبركاته 2/ المداومة على الطاعة بعد رمضان وعدم نقض العهد 3/ إثارة بعض الفلكيين البلبلة بالتشكيك في رؤيا هلال شوال

اقتباس

فصّل الله تعالى لنا متى تدخل الأشهر ومتى تخرج، وكيف نصوم، وكيف نصلي، وكيف نعبد الله تعالى، وجرت سنة المسلمين منذ عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا على أن ينظروا النظرة الرؤيا الشرعية ثم يصوموا أو يفطروا .. ثم نفاجأ خلال السنين الماضية، السنين القريبة، ربما بدأت خلال الخمس سنوات القريبة، وابتلينا بها خلال هذا الشهر أكثر ما ابتلينا به فيما مضى، من حُسَّابٍ فلكيين يخطِّئون الرؤيا الشرعية ..

 

 

 

 

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير. 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصر به من الجهالة، وكَثَّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العَيلة، ولمّ به بعد الشتات، وأمَّن به بعد الخوف، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ما ذكره الذاكرون الأبرار، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من صالح أمته، وأن يحشرنا يوم القيامة جميعا في زمرته.

أما بعد:

يها الأخوة الكرام: قضى الله تعالى وقدَّر أن تكون الأزمان الفاضلة تتنوع وتنقسم خلال العام، فلقد كنا قبل أيام نتكلم عن استقبال شهر رمضان المبارك، فكان كما وصف الله تعالى حاله لما قال -جل في علاه-: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ...) [البقرة:183-184]، فكانت هي أيام معدودات مرت علينا بأنوارها وبصلاتها وصيامها وقيامها، مرَّتْ بصدقاتها وتلاوتها، كم ترددت الأصوات في الحناجر؟ وكم سكبت الدموع من المحاجر؟.

في تلك الليالي الفضليات تقبل الله تعالى ما تقبل من عباده ورد من رد، ونسأل الله تعالى أن نكون فيها من المقبولين، وأن نكون من عتقاء النار أجمعين.

أيها الأخوة الكرام: ولئن انتهى عنا شهر رمضان المبارك بما فيه من فضائل فإننا نترقب خلال هذه الأيام مكملا من مكملات الشهر الكريم، وهو ما ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- لما قال: "مَن صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: "مَن صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر".

فيشرع للمسلم أن يبادر دائما إلى الفضيلة، فإذا مدح النبي -عليه الصلاة والسلام- عملا من الأعمال فيشرع لأهل الإيمان أن يقبلوا عليه، فيصوموا الست من شوال قربة إلى رب العالمين لأجل ان يكون شهر رمضان الحسنة بعشر أمثالها، فهو بعشرة أشهر، وتكون هذه الست بستين يوما فتكمل شهرين، فكأنما صام هذا الدهر كله.

ثم نترقب بعدها أن يدخل علينا عشر ذو الحجة التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام-: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من عشر ذي الحجة؟". قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء". فنحمد الله تعالى على أن يسر لنا مثل ذلك.

أيها الإخوة المسلمون: إن من علامات قبول العمل الصالح أن يزداد المرء عملاً صالحاً بعده، وأن يكون حالك بعد العمل الصالح خيرا من حالك قبله، أن يكون حالك بعد رمضان في حرصك على الصلاة وحرصك على الصيام وكفّ أذاك عن الناس وحفظك للسانك وحرصك على الصدقة، أن يكون حالك بعد رمضان خيرا من حالك قبل رمضان، وينبغي أن يشعر الإنسان بنفسه، وأن يشعر غيره أنه تغير فعلا بعد رمضان.

لذلك لما تكلم أهل العلم عن معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، قالوا: والحج المبرور هو الذي يكون حاله بعد الحج خيرا من حاله قبل الحج، يعني في صلاته وعبادته ولسانه وسلوكه، وهذا من علامات قَبول الحج.

كذلك من علامات قبول الصيام أن يؤثر رمضان فيك، وإن كنت خلال رمضان امتنعت عن مشاهد أشياء محرمة فينبغي أن تستمر على ذلك بعد رمضان، وإن كنت خلال رمضان تشهد صلاة الفجر في المسجد فينبغي ان تستمر على هذا العمل الصالح بعد رمضان.

إن كنت خلال رمضان عطفت على الفقراء والمساكين ثم شعرت بحزنهم وبحاجتهم، وأشفقت عليهم فلتستمر على هذا السلوك وهذه الرحمة بعد رمضان، لئن كنت في رمضان لا يمر بك يوم الا وقد تلوت من كتاب الله تعالى ماتنتفع به وترتفع فينبغى أن تحرص على ذلك أيضا بعد رمضان، وألا يكون حالك مع القرآن كحالك مع الصيام الواجب الذي لا يجب الا في رمضان في كل سنة مرة، كلا، بل أن يكون القرآن ملازما لك على كل حال: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) [فاطر:29].

ويخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن القرآن يشفع لأهله يوم القيامة، أهله الذين يعتنون به، أهله الذين يجالسونه، أهله الذين لا يهملونه، أهله الذين لا يهجرونه، (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا) [الفرقان:30]، مهجورا لا يتلون آياته، مهجورا لا يتفكرون في عباراته، مهجورا لا يكاد أحدهم يمسكه إلا ربما يبكر يوم الجمعة، بل ينبغي أن يكون رمضان محطة لزيادة الحماس، لزيادة الارتباط الحقيقي بالقرآن، لزيادة التدبر الصادق للآيات، بحيث إنك في رمضان وأنت تقرأ تقول في نفسك أين كنت عنك أيها القرآن؟ أين كان قلبي عنك؟ لأستمرن في قراءتك حتى بعد رمضان، فلا تنقض هذا العهد.

كم من إنسان منا كان يصلي التراويح كان يقول في نفسه: لأستمِرَّنَّ على صلاة الوِتْرِ بعد رمضان ولن أقطعها أبدا، انتبه! لا تنقض هذا العهد.

كم من إنسان منا لما شعر بحلاوة الدعاء مع الإمَامِ أو مع نفسه قال: أين كنتُ قبل رمضان عن هذه الحلاوة؟ أين كان قلبي عن هذه المتعة عن هذا الإيمان؟ لأستمرنَّ على ذلك بعد رمضان، ثم ضيع بعد رمضان. فلا تنقض العهد.

كم منا لما كان سمحا في صدقته أثناء رمضان فيتصدق بالريال والريالين، ثم يقول في نفسه: ما ضرَّني أن أتصدق بهذا المال اليسير وأتقرب إلى الله تعالى، فاعْلَمْ أنك ينبغي الا تنقض العهد، وأن تستمر على ذلك حتى بعد رمضان.

لذلك لما ذكر الله -جل وعلا- في كتابه عددا من الأعمال الصالحات واستمرار الناس عليها، قال -سبحانه وتعالى- موجها لنا جميعا: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) [النحل:92]، امرأة كانت تغزل، فإذا اشتد غزلها وحسُن ثم أخذ الناس يترقبون منها ان تغزل غيره لحسن صنعتها ولإتقانها فإذا بها ليس فقط لا تغزل غيره، لا؛ وإنما تأتي لهذا الغزل الذي تعبت فيه وصرفت قوة وجهداً فيه تأمر بأن ينقض مرة أخرى! فما الفائدة من ذلك؟!.

ما الفائدة من الصيام إلا أن تستمر على طاعة بعده؟ ما الفائدة من القيام؟ ما الفائدة من الدعاء في رمضان لما كنا نقول: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك؟ فإذا من الدين قيام الليل، ومن الدين تلاوة القرآن، ومن الدين الصدق والأخلاق الحسنة، ثم أنت تنقض ذلك بعد رمضان؛ فتعود إلى نومك عن صلاة الفجر، وربما عدت إلى تضييعك صلاة الجماعة، وهجرك القرآن، فينبغي أن يحرص المرء صادقا -أيها الأخوة الكرام- أن يكون صادقا مع نفسه في ألا يتبع هواه، ولا يتبع ذلل الشيطان.

أيها الإخوة المسلمون: هذه من الأعمال الصالحات، وقد أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- لما تكلم عن فضل الصلوات، موضحا ما يتعلق بصلاة الليل، قال: "لا يحافظ على الوِتْرِ إلا مؤمن"، فجعل من علامات الإيمان المحافظة على صلاة الوتر، وقال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: "إن الله قد زادكم صلاة فصلوها" ما بين صلاة العشاء والفجر، يعني صلاة الوتر. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحافظ على الوتر إلا مؤمن وعليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم وإن قيام الليل مطردة للداء عن الجسد".

قمنا في ليالي رمضان وكنا نقوم إحدى عشرة ركعة والمساجد تمتلئ بالناس وربما أطال الإمام الصلاة واستمر الناس معه مخبتين منكسرين، وهذا دأب المؤمنين الصالحين من امثالكم، لكن ينبغي أن نحرص على أن نواصل قيام الليل حتى بعد رمضان، ولو صلى الإنسان كل ليلة أيها الأفاضل ولو ركعة الوتر، أقله ركعة، لو صلى بعد العشاء ركعة واحدة لا تستغرق منه إلا نصف دقيقة لكتب عند الله -عز وجل- ممن قاموا الليل، يُعتبر ممن صلوا الليل وإن صلى ركعة، فكيف به إن صلى ثلاث ركعات أو صلى خمساً أو صلى سبعا، بلا شك أنه يكون أفضل وأقرب وأعلى عند ربنا -جل وعلا-، فاحرص ألا تنقطع عنها أبدا.

فان كنت إن صليتها في بيتك تكاسلت عنها، فصلِّها في المسجد إذا صليت العشاء، إن شئتَ صلِّ ركعتي سنة العشاء، وإن شئت أن تصلي فهي نافلة؛ لكن احرص على أن تصلي الوتر، فإن أفضل الصلوات بعد الصلوات الخمس المفروضات، أفضل الصلوات بعدها هي صلاة الوتر، ثم يأتي بعد ذلك سنة الفجر، ثم يأتي بعد ذلك بقية النوافل، لكن أفضل النوافل وأفضل الصلوات بعد المفروضات هي صلاة الوتر، ولو أن تصليها ركعة واحدة.

حتى إن بعض أهل العلم استدلوا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله قد زادكم صلاة فصلوها" يعني صلاة الوتر استدل بعض أهل العلم على وجوبها، وقالوا: ما دام أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "إن الله قد زادكم صلاة" معناه أن الصلوات الخمس أصبحت ستا، وذلك من تحريص النبي -عليه الصلاة والسلام- عليها، حتى إنه كان إذا فاتته صلاة الوتر بالليل قضاها -عليه الصلاة والسلام- بالنهار، كما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها-.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا ممن يواصلون على الأعمال الصالحات، وأسأل الله ان يجعل حالنا بعد شهر رمضان خيرا من حالنا قبله، أقول ما تسمعون وأستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستنَّ بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد أيها الأخوة الكرام: لقد جرت عادة المسلمين منذ أن فرض الله تعالى الصوم في السنة الثانية للهجرة، جرت عادة وسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وسنة أصحابه الكرام من الخلفاء الراشدين، وسنة المسلمين من بعدهم على أن يعتمدوا في دخول رمضان وفي خروجه على الرؤيا الشرعية، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، صوموا لرؤيته يعني رؤية القمر، وأفطروا لرؤيته.

وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الشهر ربما يكون ثلاثين، وربما يكون تسعة وعشرين، ولا يجوز أن نحدد نحن طول الشهر بالثلاثين، أو قصره بالتسع وعشرين، إلا بالنظر إلى آية من آيات الله تعالى جعلها ظاهرة، كما قال -جل وعلا-: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء]، فصل الله تعالى لنا متى تدخل الأشهر ومتى تخرج، وكيف نصوم، وكيف نصلي، وكيف نعبد الله تعالى، وجرت سنة المسلمين منذ عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا على أن ينظروا النظرة الرؤيا الشرعية ثم يصوموا أو يفطروا.

ثم نفاجأ خلال السنين الماضية، السنين القريبة، ربما بدأت خلال الخمس سنوات القريبة، وابتلينا بها خلال هذا الشهر أكثر ما ابتلينا به فيما مضى، من حُسَّابٍ فلكيين يخطِّئون الرؤيا الشرعية أنا لا أعترض على أن يوجد حساب فلكي، فهذا من القديم ومن قرأ في كتب الأولين وجد أنهم كانوا ينظرون في الفلك ويحسبون الأشهر، وعندهم حسابات فلكية وأنظمة يسيرون عليها منذ أكثر من أربعمائة سنة وخمسمائة سنة وسبعمائة سنة وهذا موجود فلم يكتشف قريبا، بل هو من القديم، توجد حسابات فلكية، كان يعرفها الأولون من خلال نظرهم في النجوم، متى يطلع القمر ومتى يغيب؟ لا أعترض على وجود هذه الحسابات الفلكية، لكن الاعتراض على أن تكون هذه الحسابات الفلكية مشكِّكة في الرؤيا الشرعية.

وبدأ عدد من الفلكيين خلال هذا الشهر الكريم الذي يتعبد الناس فيه لربهم ويتقربون إليه ما بين صلاة وصيام وتلاوة وصدقة، أشغلوا خلال العشر الأواخر بتحديد متى يكون العيد، فقائلٌ هو الثلاثاء، وقائل هو الاربعاء، ونقاشات بينهم.

وجزم عدد كبير منه جزما قاطعا على انه لا يمكن أبداً ويستحيل مطلقاً أن يكون العيد هو يوم الثلاثاء، وقالوا إن ذلك يستحيل فلكيا في الكون، يستحيل أن يرى هلال شوال في ليل الاثنين الذي هو ليلة الثلاثاء، ويستحيل تبعا لذلك أن يكون يوم الثلاثاء هو يوم عيد الفطر المبارك.

حتى إن بعض الجمعيات جعلت جائزة لمن يستطيع اثبات أن الثلاثاء هو يوم العيد؛ من شدة جزمه أن الثلاثاء من رمضان، وقطعه بذلك! وأنه يستحيل أبداً أن يرى هلال شوال في يوم الاثنين ليلا الذي هو يوم الثلاثاء إنما لا يمكن أن يرى في ليلة الثلاثاء، وبالتالي يوم الاربعاء هو يوم العيد.

فلما كُوِّنَت اللجان ليس فقط في المملكة العربية السعودية بل في عدد من دول العالم، كونت اللجان الشرعية التي جرت عادتها أن تنظر وتترقب دخول الشهر، سواء دخول شهر رمضان أو دخول شهر شوال، أو دخول شهر ذي الحجة، أو دخول شهر محرم، وهذه الأشهر الأربعة يحرصون جدا على تحديدها لما فيها من أيام لها ميزة، وهم أيضا يحددون بقية الشهور، لكن هذه الأشهر يهتم بها الناس أكثر من غيرها، دخول رمضان، دخول شوال، دخول عشر ذي الحجة لتحديد يوم عرفه ويوم العيد، دخول شهر محرم لتحديد يوم عاشوراء وصيامه.

وجرت العادة أن المحكمة عندهم نظام يتعاملون به في ذلك، ولهم ضوابط في القياس على هؤلاء الشهود والنظر في دقتهم وفي معلوماتهم وفي قدراتهم، وأنه ليس أي شاهد يقبل منه، وليس أي واحد يدخل المحكمة ويقول: رأيت الهلال، كلا! بل هناك ضوابط وأنظمة وقوانين تحكم ذلك.

وشهد في المحكمة العليا في المملكة ست من الشهود المتقنين الذين لهم خبرة طويلة في مشاهدة الهلال، خبرة تصل إلى ثلاثين سنة في ترقب الهلال وفي مشاهدته، أقبلوا وشهدوا في المحكمة شهادة لا تقبل الشك بأنهم رأوا الهلال، وهؤلاء الشهود الستة أقبلوا من عدة مناطق وليس من منطقة واحدة.

وفي مصر أخرج الأزهر أحد عشر لجنة بعضهم دكاترة في الفلك لأجل أن يترقبوا الهلال في عدة مدن، وأقبلت لجنتان منهم وشهدت أنهم رأوا أيضا هلال شوال، وأن العيد هو يوم الثلاثاء.

وفي السعودية رأوا الهلال صريحا وأن العيد يوم الثلاثاء، وأُسقِط في يد عدد من الفلكين وبعضهم بروفسورات في الفلك ودكاترة في الجامعة! و بعضهم هواة! ولم يشككوا في أنفسهم ولا في علمهم، كلا، وإنما بدؤوا يشككون في أمانة وقدرة وصدق أولئك الذين رأوا الهلال.

حتى إني قرأت لبعضهم قوله إنه ينبغي اخضاع الستة الذين شهدوا برؤية الهلال إخضاعهم لاختبارات نفسية واختبارات واقعية، يمكن عنده مرض نفسي، عنده انفصام، عنده انواع من التخيلات، عنده مس من الجن ظن أنه الهلال، وأقبل بعضهم ويقول إن الذي رؤي هو كوكب زحل وليس الهلال، وإذا برئيس قسم الفلك في إحدى الجامعات يكذب ذلك ويقول: لا يمكن أبدا أن يشتبه كوكب زحل بالقمر؛ وذلك لاختلاف الشكل أصلا، والذي يقول إنه يمكن أن يشتبه كوكب زحل وان يظن هو القمر أو العكس هذا جاهل بالفلك أصلا!.

وأقرأ هذه الأيام كلاما في الصحافة يشكك في مثل ذلك، بل إننا كنا في عيد الفطر المبارك ونحن في فرحة العيد وابتهاجنا به -مع الأسف- تصل الرسائل من القنوات الاخبارية والمواقع الاخبارية والجرائد تصل الرسائل على جولاتنا يقولون إنكم يلزمكم الصوم والقيام هذا اليوم، وإنكم اليوم في رمضان ولستم في شوال، ويشككون في ذلك، مما دعاني في يوم العيد نفسه في الليل أخرج بنفسي من أجل النظر إلى الهلال، وكنت أصلا في احدى القرى القريبة من الرياض، وكان الجو صحوا، فخرجت بنفسي لأنظر إلى الهلال، والهلال في أول ليلة يخرج عادة لا يكون واضحا وضوحا شديدا، إنما إذا كانت الليلة الثانية له يعني عمره ليلتان أو عمره ثلاث ليالي يبدأ يتضح أكثر فينظر إليه الكل المتدرب على ذلك وصاحب الخبرة وغيره.

وكنت أقول في نفسي سأخرج أنظر للهلال ونحن في العيد ليلا، الذين هم يقولون هذه أول ليلة من ليالي العيد، وإذا بالهلال واضح جدا، ومرتفع، وكل راءٍ له يجزم بأن عمر الهلال ليلتان أو ثلاث، رآه كل من خرج من أجل أن ينظر إليه، وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يكون الناس اليوم عيد، ويلزمكم القضاء! وإن كانوا هم يعتقدون ذلك، فمن كان يعتقد جازما من غير شك أن الناس قد أخطؤوا وأن يوم العيد هو من رمضان فيجب عليه أن يقضي، فنقول لهؤلاء الفلكين يجب عليكم أن تقضوا يوما واحدا ما دام انكم تجزمون أن الناس أخطؤوا وأفطرتم معهم، يجب عليكم أن تقضوا.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) [النساء:83]، هذا وصف لفريق كانوا يحبون البلبلة والاضطراب في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-، مجموعة من الناس إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، أي موضوع أذاعوا به، خرجوا إلى الطريق وقالوا حصل كذا وكذا، ثم وجه الله الأمة فقال: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ)، أي: الرسول موجود تعالوا بلغوه: يا رسول الله هناك كذا وكذا فكيف نتصرف؟ (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء:83].

فالفلكيون لو أنهم ما شككوا كتبوا إلى المحكمة العليا، جاءوا وزاروا سماحة المفتي، زاروا رئيس مجلس القضاء الأعلى، جاءوا وردوه إلى أهل العلم، راصدو الديون الملكي، نحن رأينا كذا ووجهة نظرنا كذا، (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ)، يعني لما كان موجوداً، فلما توفي النبي -عليه الصلاة والسلام- فإلى أولي الأمر أولي العلم أولي الاختصاص محكمة عليا هي المسئولة عن ذلك تعالوا وخاطبوها، بدل أن تبدأ تنشر ذلك بالجرائد وتقول: نُخضعهم لاختبارات نفسية!.

ياجماعة، بعض هؤلاء الذين يتكلمون في بعض هذه الجمعيات الفلكية هم هواة، لما تكلموا بمثل هذا يذمون علم أشخاص خبرتهم تفوق الثلاثين سنة، لما كان هؤلاء الهواة أطفالا لا يدرون ما الكتاب ولا الايمان، لما كان عمره سبع سنوات او ست سنوات وهذا الخبير الفلكي الذي شهد برؤية هلال شوال هو بأجهزته ومراصده يراقب الهلال وانت عمرك سبع سنوات، وربما لا تزال بحفاظتك!.

ثم الآن تبدأ تشكك وتقول ينبغي ان يختبر نفسيا؟ وينظر إلى عقله وإلى قدرته الواقعية؟! لا ينبغي أن يذاع مثل ذلك، ولا أن يفسد على الناس مثل ذلك، وقد أعجبني اخراجهم بعد ذلك لبيان وفقهم الله الجمعية التي شككت في البداية أخرجوا بعد بيانا قالوا: إننا إذا صار عندنا وجهة نظر في السنوات القادمة فسوف نخاطب الجهات المسؤولة ولن نعلن ذلك للناس.

وأقوال بارك الله فيكم، وتوبتكم أسأل الله أن يقبلها، فإنكم قد أحدثتم بلبلة واضطرابا عند الناس، وأصبح الناس في العيد بدلا من أن يقول للآخر من العايدين وتقبل الله منا ومنك، بدأ أحدهم يقول للآخر: عسى ما أفطرت، ترى اليوم رمضان! وأفسدوا على الناس فرحتهم.

أسأل الله ان يهدي الجميع وأن يدلنا على الحق، وأن يجمع كلمة المسلمين على الخير والهدى يارب العالمين.

والله كما نتألم سابقا لما يختلف المسلمون فيصوم المغرب قبل السعودية أو تصوم مصر قبل السودان أو يصوم اليمن قبل العراق، كنا نتألم ونقول يا جماعة صوموا يوما واحدا وافطروا في يوم واحد، فإذا بأهل البلد الواحد يشكك في وجود العيد أو عدم وجوده!.

هذا والله من كبريات المسائل التي ينبغي أن يوقف أمامها وقفة جادة، وأن يؤدِّب ولي الأمر كل مَن يشكِّك في هذه الأمور، يشكك في مصداقية الشهود، في حكمة القضاة، في حكمة ولي الأمر، يعني خادم الحرمين (مَشُّوهَا) عليه هؤلاء وجعلوه يصدر البيان بأن غدا العيد؟ مشت عليه كذبة الشهود وجهلهم وعدم معرفتهم؟ هذا بلا شك تشكيك، وينبغي أن يؤدب أمثال هؤلاء إلى أن يقروا بخطئهم، ويؤخذ عليهم إقرار بعدم البلبلة مرة أخرى.

أسأل الله أن يكتب للجميع الهداية.

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

بعد رمضان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات