جهاد عمر 1

ناصر بن مسفر الزهراني

2022-10-06 - 1444/03/10
التصنيفات: شخصيات مؤثرة
عناصر الخطبة
1/ من فضائل الفاروق عمر 2/ إعماله الإدارية 3/ تفقده الشخصي لشؤون المسلمين بالمدينة 4/ اتساع الفتوحات في عهده 5/ رحلته لبيت المقدس لتسلم مفاتيح الأرض المقدسة

اقتباس

إنَّ العزَّة والرِّفْعَةَ هي في القوةِ والمهابةِ، والعظمةِ والديانةِ، وليسَتْ في مظاهرَ جوفاءَ، وتصرُّفاتٍ بلهاءَ، ماذا ينفعُ منظرٌ خلّابٌ، ومَلْبَسٌ جذّابٌ، مَعَ كَرامَةٍ تُداسُ، وعرضٍ يُنْتَهَكُ، وحقٍّ يُغْتَصَبُ، وذِلَّةٍ تُحْتَسى، ومُقدَّساتٍ تُهانُ؟ لَقَدْ قابلَهُ الرُّومُ بملابسَ فاخرةٍ، ومناظرَ باهرةٍ، ولكنَّهم يحملونَ تحتَها قلوبًا ذليلةً، وأنفُسًا هزيلةً، وهِمَمًا رخيصةً، وكانُوا يرونَ أنفسَهُمْ أمامَ عمرَ أذلَّ مِنَ الجُعْلانِ، وأحقرَ مِنَ الحيوانِ ..

 

 

 

 

 

أحدثَتْ معركةُ اليرموكِ هَزَّةً عنيفةً في صفوفِ الرُّومِ أذهلَتْ عقولَهُمْ، وفرَّقَتْ فلولَهُمْ، وأرعبَتْ قلوبَهُمْ، وكَسَرَتْ شوكَتَهُمْ، وحطَّمَتْ حِدَّتَهُمْ.

لَقَدْ ذاقُوا ويلاتٍ عديدةً، وحروبًا شديدةً، وعرفُوا قُوَّةَ المُسلمينَ، وعِزَّةَ المؤمنينَ في معاركَ كثيرةٍ، ولقاءاتٍ شهيرةٍ؛ ولكنَّ اليرموكَ كانَتْ فيصلًا مكينًا، وفتحًا مبينًا، ونصرًا متينًا، أعادَتْ الهيبةَ، ورفعَتِ الهِمَّةَ، وأورثَتِ العِزَّةَ، تناثرَتْ عُقَدُ مُدَنِ الشّام بعدَها، وأخذَ المسلمونَ يفتحونَها بلدةً بلدةً، ومدينةً مدينةً، وحصنًا حصنًا، وفُتِحَتْ فلسطينُ كلُّها إلا بيتَ المقدسِ، كانَ الرُّومُ قَدْ تشبَّثُوا بِها، وأَحكمُوا تحصينَها؛ فَقَدْ كانُوا يرونَ أَنَّ خروجَ أرواحِهِمْ أَيْسَرُ عليهِمْ مِنْ خروجِهِمْ مِنْها، وأنَّ انتزاعَ قلوبِهِمْ مِنْ بينِ جنوبِهِمْ أخفُّ وطأةً عندَهُمْ مِنِ انْتزاعِ القدسِ مِنْ أيديهِمْ.

ولكنَّ المُسلمينَ أحكمُوا الحصارَ، وشدُّوا الوَثاقَ، وأصرّوا على النِّزالِ، فحِيْنما رَأى الرُّومُ ذلكَ، وأيقنُوا بِما هنالكَ، وعرفُوا ببأسِ المسلمينَ في حروبِهِمْ، وصدقِهِمْ في وعودِهِمْ، بادرُوا بالكتابةِ إلى أبي عبيدةَ -رضي الله عنه- يطلبونَ الصُّلْحَ أُسوةً ببعضِ المُدنِ الأُخرى الَّتي طَلبَتْ الصُّلْحَ مع المسلمينَ فصالَحَهُمْ المُسلمونَ، فكانُوا أصدقَ النّاسِ عهودًا، وأبرَّهُمْ وعودًا، ولكنَّهم اشترطُوا لتسليمِ مفاتيح القُدسِ شرطًا عجيبًا، وأمرًا غريبًا، وهُوَ أَنْ يتولّى ذلكَ الصُّلْحَ، ويَشْهَدَ هَذا الفتحَ، عمرُ بنُ الخطّابِ -رضي الله عنه-، وهذهِ عجيبةٌ ثانيةٌ مِنْ أعاجيبِ القُدْسِ التّارِيخيَّةِ!.

إنَّ العجيبةَ الأُولى أَنْ يُسْرى بالنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إليها، ويُعْرَجَ بِهِ مِنْها، والعجيبةُ الثانيةُ أَنْ يَفْتَحَ عُمَرُ البلادَ كُلَّها، والأمْصَارَ جميعَها، مِنَ الشّامِ، والعِراقِ، ومِصْرَ، وبلادِ فارسَ، وغيرِها مِنْ أنحاءِ الدُّنْيا ثُمَّ في بيتِ المقدسِ يأبى الرُّومُ إلّا حضورَهُ.

وكأنَّ اللهَ تَعالى أَرادَ بذلكَ أَنْ تَقْوى الصِّلَةُ بينَ مَكَّةَ والمَدِينةِ والقُدْسِ، وتؤكَّدَ العِلاقَةُ، وتمتُنَ الوشيجَةُ، وتُعَمَّقَ العقيدةُ، وتحسنَ الأُسوةُ، وتعظمَ القدوةُ، وتظهرَ الكرامةُ، وتصدقَ النُّبوَّةُ، بهذا الرَّجُلِ المُلْهَمِ، والإِمامِ الأعظمِ، وهِيَ كَرامةٌ لَهُ مِنَ الله، ومِيْزَةٌ مِنْ مَولاهُ.

فَقَدْ أعزَّهُ اللهُ بالإسلامِ، وأعزَّ الإسلامَ بِهِ، فَهُو صاحبُ المواقفِ الفائقةِ، والمشاهدِ الرّائقةِ، صاحبُ بدرٍ وأُحُدَ، والمشاهدِ كلِّها مَعَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُعِي بأميرِ المؤمنينَ، وأوَّلُ مَنْ كتبَ التّاريخَ، وجَمَعَ النّاسَ على التَّراويحِ، وأوَّلُ مَنْ عَسَّ بالمدينةِ، وحَمَلَ الدّرَّةَ وأدَّبَ بِها، وفتحَ الفتوحَ، ومَصَّرَ الأمصارَ، وجَنَّدَ الأجنادَ، ووضعَ الخراجَ، ودَوَّنَ الدواوينَ، واسْتَقْضى القُضاةَ، وفتحَ الشّام كلَّها، والجزيرةَ، والمَوْصِلَ، ومِصْرَ، وفلسطينَ، والعِراقَ، ومدائنَ كِسْرى، وخُراسانَ، وأصبهانَ، وفُتِحَ في عهدِهِ أَكْثَرُ من ستِّينَ بلدًا.

وشَرَّفَ اللهُ عُمَرَ بأَنْ يتسلَّمَ مفاتيحَ الأرضِ المباركةِ بيدِهِ، وأَنْ يرسُمَ للأُمَّةِ بلْ للدُّنْيا كلِّها، صورةً هائمةً بالحسنِ، ناطقةً بالجمالِ، تبقى دُرَّةً على جبينِ الزَّمانِ، وغُرَّةً في وجهِ التّاريخِ، وأُعجوبةً في دُنْيا العظماءِ، فجاءَتْ القِصَّةُ كلُّها مِنْ مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها، آيةً في الحُسْنِ، روعةً في الجمالِ، قِمَّةً في العظمةِ، بهجةً في الشَّكلِ، تحفةً في المضمونٍ.

ضربَ اللهُ -جلَّ وعلا- مثلًا حسنًا لِمَنْ أرادَ أَنْ يكونَ أهلًا لفلسطينَ، وجديرًا بِحَمْلِ رايةِ الدِّيْنِ، وحقيقًا بالفتحِ المُبينِ؛ وهَكذا ظلَّ هذا المثل الأَسْمى، والأُنْمُوْذَج الأَرْقى كُلَّما ضَعُفَ المسلمونَ، وأخلدُوا إلى الأرضِ، ومالُوا إلى اللَّذاتِ، وتركُوا الجهادَ، ورضُوا بالزَّرْعِ، وعشقُوا المباهجَ، وفُتِنُوا باللّذائذِ.

والآنَ خَيَّم على المسلمينَ الذُّلُّ، وسُلِّطَ عليهِمُ العدوُّ، وفتكَ بِهِمُ الخصومُ، وسُلِبَتْ منهُم فلسطينُ، ثم لا يستردُّها على مرِّ التّاريخِ إِلّا أُناسٌ مضَوْا على أَثَرِ عُمَر، وأخذُوا بنهجِ عُمرَ، وسارُوا بسيرةِ عُمرَ، وتلكَ سُنَّةٌ ثابتةٌ، وحقيقةٌ ماثلةٌ؛ إِذْ لا يتغيَّرُ مَجْرى التّاريخِ، ولا تَخْتلفُ سُنَّةُ الحَياةِ، ولا تتبدَّلُ مسبِّباتُ الأحداثِ.

نعودُ إلى مدينةِ المصطفى- صلى الله عليه وسلم-، فهناكَ عمرُ بنُ الخطّابِ، يتحسَّسُ مِنْ أخْبارِ المُجاهدينَ، ويترقَّبُ كُتُبَ المُقاتلينَ، وهو معهُمْ بقلبِهِ وقالَبِهِ، يَرْسُمُ الخُطَطَ مِنَ المَدينةِ، ويبعثُ بِها إليهمْ، ولا تزالُ نصائحُهُ الثَّمينةُ، ومواعظُهُ البليغةُ، ودعواتُهُ الصَّادقَةُ، تتنزَّلُ على قلوبِ جيوشِهِ بردًا وسلامًا، تَشُدُّ مِنْ أزرِهِمْ، وتقوِّيْ مِنْ عزيمتِهِمْ، وترفع من هممهِمْ.

ثُمَّ هُوَ يقومُ على شؤُون المسلمينَ في مدينةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، يتفقَّدُ أحوالَهُمْ، ويتتبَّعُ أخبارَهُمْ، يعودُ مريضَهُمْ، ويكسُوْ فقيرَهُمْ، ويُطعمُ جائعَهُمْ، ويعينُ ضعيفَهُمْ؛ إذا جاعُوا حلفَ عُمرُ ألّا يذوقَ اللَّحْمَ، وألّا يشبعَ حتَّى يشبعَ أطفالُ المسلمينَ، يصعدُ المنبرَ وبطنُهُ يقرقِعُ مِنْ شدَّةِ الجُوعِ، ومِنْ أكل الخبزِ اليابسِ والزَّيْتِ، فينادي بطنَهُ قائلًا : قرقِعْ أَوْ لا تقرقِعْ، والله لا تذوقُ اللَّحْمَ حتَّى يشبعَ أطفالُ المسلمينَ!.

خَرجَ ليلةً مِنَ اللَّيالي فخرجَ وراءَهُ طلحةُ بنُ عُبَيدِ الله يرقبُهُ أينَ يذهبُ، فإذا بِهِ يدخلُ بيتًا غريبًا عليهِ، فيَعْجَبُ طلحةُ مِنْ هَذا الموقفِ، ومَعَ ثقتِهِ البالِغَةِ بِعُمرَ إلّا أنَّه عَجِبَ من تَسَلُّلِهِ في هذهِ اللَّيلةِ الحالكةِ إلى ذلكَ البيتِ، فَما كادَ يُصَدِّقُ أَنْ تَطلعَ الشَّمسُ حتّى ذهبَ إلى ذلكَ البيتِ، فإِذا فيهِ عجوزٌ عمياءُ مُقعدَةٌ، فيقُول لها طلحةُ ما بالُ هَذا الرَّجلِ يأتيكِ؟ فقالَتْ لَهُ : إنَّهُ يتعاهدُني منذُ مُدَّةٍ طويلةٍ، يأتيني بما يُصْلِحُنِي، ويُخْرِجُ الأَذى عَنِّي. فرجفَتْ نفسُ طلحةَ، ودمعَتْ عَينُهُ، واضطربَ فؤادُهُ، وقال لنفسِهِ: ثكلتْكَ أُمُّكَ يا طلحةُ! أتَتَبَّع عثراتِ عُمَرَ؟!.

فِي هذهِ الأثناءِ العمريَّةِ الإيمانيَّةِ جاءَ الكتابُ إلى عمرَ! مِمَّنْ؟ مِنْ أَبِي عُبيدَةَ. خيرًا! ماذا يريدُ؟ يخبرُك أَنَّهُ فتحَ فلسطينَ، ولم يبقَ إلّا بيتُ المقدسِ، وأَنَّ الرُّومَ اشترطُوا أَنْ يتمَّ الصُّلْحُ مع أميرِ المؤمنينَ عُمرَ، وأنَّهُمْ لا يُسْلِّمُونَ مفاتيحَها إلّا بيدِهِ. فيجمعُ عمرُ صحابةَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كعادتِهِ، ثم يشاورُهُمْ في الأمرِ فيستقرُّ الرّأْيُ على أَنْ يذهبَ أميرُ المؤمنينَ ليتَسَلَّمَ مفاتيحَ القدسِ بيدِهِ، فيستخلفُ على المدينةِ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، ثُمَّ يأمرُ براحلتِهِ، وينطلقُ مُتكلًا على الله إلى بيتِ المقدسِ، في رحلةٍ يقفُ التّاريخُ مبهورًا أمامَ حقائِقِها، ويَبْقى الزَّمانُ مشدوهًا بوثائِقِها، ويهيمُ أربابُ المبادئ بدقائِقِها.

ركبَ عمرُ على جملٍ أورقَ تلوحُ صلعتُهُ للشمسِ، ليسَ عليهِ قَلَنْسُوَةٌ ولا عِمامَةٌ، وعليهِ قميصٌ قديمٌ قَدْ تَخَرَّقَ، وهُوَ مُرَقَّعٌ من كلِّ مكانٍ، وكانَ غُلامُهُ مَعَهُ، فكانَ عمرُ يتبادلُ الركوبَ على البعيرِ مَعَ غلامِهِ، تارةً يركبُ ويمشي الغلامُ، وتارةً يركبُ الغلامُ، ويمشي عمرُ، فلمّا وصلُوا إلى القدسِ كانَتْ النَّوْبَةَ للغُلامِ، فدخلُوا المدينةَ وعمرُ يمشي وغلامُهُ راكبٌ على البعيرِ، فكانَ منظرًا أذهلَ ملوكَ الكِبْرِ، وأساطينَ الخيلاءِ، وأربابَ الزَّعاماتِ.

إنَّ العزَّة والرِّفْعَةَ هي في القوةِ والمهابةِ، والعظمةِ والديانةِ، وليسَتْ في مظاهرَ جوفاءَ، وتصرُّفاتٍ بلهاءَ، ماذا ينفعُ منظرٌ خلّابٌ، ومَلْبَسٌ جذّابٌ، مَعَ كَرامَةٍ تُداسُ، وعرضٍ يُنْتَهَكُ، وحقٍّ يُغْتَصَبُ، وذِلَّةٍ تُحْتَسى، ومُقدَّساتٍ تُهانُ؟ لَقَدْ قابلَهُ الرُّومُ بملابسَ فاخرةٍ، ومناظرَ باهرةٍ، ولكنَّهم يحملونَ تحتَها قلوبًا ذليلةً، وأنفُسًا هزيلةً، وهِمَمًا رخيصةً، وكانُوا يرونَ أنفسَهُمْ أمامَ عمرَ أذلَّ مِنَ الجُعْلانِ، وأحقرَ مِنَ الحيوانِ، فالعزَّةُ عِزَّةُ النَّفْسِ، والكَرامَةُ كَرامَةُ الرُّوْحِ، والمنظرُ منظرُ التَّقوى، (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف:26].

سَلْ قاهرَ الفُرْسِ والرُّومانِ هل شَفَعَتْ *** لهُ الفُتوحُ وهل أغنَى تواليها؟
ما واقَعَ الرُّومَ إلاَّ فَرَّ قارِحُهَا *** وما رمَى الفُرسَ إلا طاشَ راميها
ولم يحز بَلدةً إلاَّ سَمِعْتَ بها *** اللهُ أكبرُ تَدْوِي في نواحيها
غزا وأبْلَى وخيْلُ اللهِ قدْ عُقِدَتْ *** باليُمْنِ والنَّصر والبشرى نواصيها

خرجَتْ جيوشُ المسلمينَ ووفودُهُمْ يتقدَّمُهُمْ صحابةُ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لاستقبالِ عمرَ، وكانَ على رأسِهِمْ أبو عبيدةَ، فلمّا رآهُ عمرُ احتضنَهُ وتعانَقا طويلًا، ثُمَّ أخذَ بيدِهِ إلى شجرةٍ بِمَنْأَىً عَنِ النّاسِ، وقالَ لَهُ: تعالَ بنا نَبْكِ ساعةً يا أبا عبيدةَ، فَقاما إلى تلكَ الشَّجَرَةِ يتعانقانِ ويبكيانِ حتَّى كادَتْ تَزْهَقُ أنفسُهما.

يا اللهُ! يا اللهُ! لماذا يبكيانِ؟ هَذا يومُ نَصْرٍ، هَذا يَوْمُ عِزَّةٍ، هَذا يومُ رِفْعَةٍ، هَذا يومُ كرامةٍ، يومُ ضحكٍ، يومُ سرورٍ، فَلِمَاذا البكاءُ؟! لَقَدِ التقَيا بعدَ غيابٍ طويلٍ، فَثارَتْ في نَفْسَيْهِما مَشاعرُ عديدةٌ، وذكرياتٌ حميدةٌ، لَقَدْ تَذكَّرَ كلُّ واحدٍ منهما بالآخرَ أيَّامَهُ مَع حبيبِهِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-.

لَقَدْ عاشا الجاهليَّةَ بظُلْمِها وظُلُماتِها، وشُؤْمِها ونَكَباتِها، وشِرْكِها ومَهانَتِها، وذُلِّها ونَزَعاتِها، فهداهُما اللهُ بمحمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، فإِذا بهِما يفتحانِ الأمْصارَ، ويَمْلُكانِ الدِّيارَ، وتدينُ لَهُمُ العَربُ، ويخضعُ لِسُلْطانِهِمُ العَجَمُ، يَقْهَرُونَ المُلوكَ، ويُسْقِطُونَ العُظَماءَ، ويُسْعِدُوْنَ الدُّنْيا، وينشرونَ النُّوْرَ، ويَتَسلَّمُونَ مفاتيحَ الأرضِ.

يا لَهُ منْ موقفٍ عظيمٍ، ومَشْهَدٍ مُثِيْرٍ، وحَدَثٍ مُبْهِجٍ! ولكنْ ما الَّذي ينقصُهُ؟! ينقصُهُ حبيبٌ غائبٌ، لَم تكتحِلْ عينُهُ برؤيةِ هذه الرّاياتِ العظيمةِ، والمشاهدِ الكريمةِ، إِنَّهُ مُحمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- الَّذي كانَ يبشِّرُهُمْ بهذهِ البَشائرِ.

يَبْكي عمرُ؛ لأنَّهُ تَذَكَّرَ بأَبي عُبيدةَ أيَّامَهُ مَعَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، يَبْكي أبو عبيدةَ؛ لأنَّه يَجِدُ في عمرَ رِيْحَ مُحمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، يَحْتَضِنُ كلُّ واحدٍ مِنْهُما الآخرَ وهُوَ يتذكَّرُ احتضانَهُ للنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وعِنَاقَهُ للحبيبِ، وتقبيلَهُ للْمُصْطفى؛ فَمَنِ الَّذي يَرى عمرَ ولا يتذكَّرَ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم-؟ إذ لَمْ يكنْ يُرى الرسولُ –صلى الله عليه وسلم- إلّا وأبو بكرٍ عَنْ يمينِهِ وعمرُ عَنْ يسارِهِ.

يبكي عمرُ وأبو عبيدةَ لذكرياتٍ غاليةٍ، وأحداثٍ ماضيةٍ، وأيامٍ زاهيةٍ، أيامٍ بصحبةِ الحبيبِ، ورِفْقَةِ العظيمِ، ومُجالسَةِ الرَّحيمِ، جلسُوا في مجلِسِهِ، وضحكُوا لضحكِهِ، وبكَوا لبكائِهِ، وقاتلُوا تحتَ لوائِهِ، كَمْ تَمتَّعُوا بالنَّظَرِ إلى وجهِهِ المُشْرِقِ، كَمْ سعدُوا بقربِهِ، كَمْ أَكلُوا على مائدتِهِ، كَمْ شربُوا مِنْ يدِهِ، كَمْ قَبَّلُوا كفَّهُ، ولثمُوا جبينَهُ!.

كَمْ حزِنُوا فآنسَهُمْ، وتكدَّرُوا فأسعدَهُمْ، وتحدَّثُوا فأضحكَهُمْ، وترافقُوا فمازحَهُمْ، يتلقَّوْنَ القُرآنَ مِنْ فَمِهِ غَضًّا طَرِيًّا، ويتسابقونَ لطاعتِهِ بُكْرةً وعشيًا، وكانَ يأمُرُهُمْ بالصَّبْرِ والصَّلاة وأنْ يكونَ المرءُ تقيًّا؛ فعليهِ صلاةُ الله وسلامُهُ يومَ وُلِدَ ويومَ يموتُ ويومَ يُبْعَثُ حيًّا.

أروحُ وَقَدْ خَتَمْتُ على فؤادي *** بحبِّكَ أنْ يحلَّ بهِ سِواكا
إِذا اشتَبَكَتْ دمُوعٌ في خُدُودٍ *** تبيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تباكَى
فلَو أنِّي استطعْتُ غضَضْتُ طرفي *** فلَمْ أُبْصِرْ بِهِ حتَّى أراكا

ألَيْسُوا معذورينَ إذًا في بُكائِهِمْ، ونحيبِهِمْ، وتَذَكُّرِ حبيبِهِمْ؟ تَصَوَّرْ نفسَكَ وأنتَ مَعَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- تجلسُ في مجلسِهِ، وتأكلُ على مائدتِهِ، وتتأمَّلُ قسماتِ وجهِهِ، وتُمتِّعُ نفسَكَ بابتساماتِه العاطرةِ، ونظراتِه الآسرةِ، تقبِّلُ جبينَهُ، تضعُ كفَّكَ بكفِّهِ، تستمعُ إلى كلامِهِ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ يَمْلِكَ قلبَكَ، ويأخذَ لُبَّكَ، ويُهَيْمِنَ على مشاعرِكَ وأحاسيسِكَ حتّى يكونَ أحبَّ إليكَ مِنْ نفسِكَ وولدِكَ ومالِكَ والنّاس أجمعينَ، فجأةً يرحلُ ويتركُكَ، ويغيبُ ويذرُكَ؛ أيُّ هَمٍّ تتجرَّعُهُ، وأيُّ حزنٍ تتكبَّدُهُ؟.

يا ليتَني كنتُ بينَ القَوْمِ إذ حضروا *** مُمتَّعَ القلبِ والأسْماعِ والبَصَرِ
أُقَبِّلُ الكفَّ كَفَّ الجودِ كم بَذَلَتْ *** سَحَّاءَ بالخَيرِ مِثْلَ السَّلْسَلِ الهَدِرِ
أَلُوْذُ بالرَّحْلِ أَمْشِيْ في مَعِيَّتِهِ *** وَأَرْتَوِيْ مِنْ رَسُوْلِ الله بالنَّظرِ
أُسَرُّ بالمَشْي لَوْ طالَ المسِيْرُ بِنا *** وَمَا انقَضَى مِنْ لِقاءِ المُصْطَفَى وَطَري
يا رَبِّ لا تَحْرِمَنَّا مِنْ شَفَاعتِهِ *** وَحَوْضِهِ العَذْبِ يومَ الموقِفِ العَسِرِ

حُقَّ لعمرَ وأبي عُبيدةَ أَنْ يَبْكِيا، بَلْ لا أَدْري كيفَ حملَتْهُما أقدامُهُما، وكيفَ نقلَتْهُما قِواهُما، حُقٌّ لأعينِهِمْ أَنْ تدمَعَ، ولقلوبِهِمْ أَنْ تَخْفِقَ، ولجوارحِهِمْ أَنْ تَضْطَرِبَ، ولأرواحِهِمْ أَنْ تَتَمزَّقَ، ولأفئدتِهِمْ أن تَتَقَطَّعَ، ولأنفسهِمْ أَنْ تَتَبدَّدَ، ولعقولِهِم أَنْ تطيشَ، ولأفكارِهِمْ أَنْ تَذْهُلَ.
لا يَعرفُ الشَّوقَ إلا مَنْ يُكابِدُهُ *** ولا الصَّبابةَ إلا مَن يُعانيها

بَعْدَ هَذا المشهدِ المُؤْلمِ المُذْهلِ الَّذي أهاجَ قلوبَ القومِ، وأسالَ عبراتِ الحاضرينَ، وأثارَ أحزانَ الفاتحينَ، حتَّى تبلَّلَتْ الأرضُ بدموعٍ مؤْمنةٍ صادقةٍ كَتَبَتْ على صفحاتِ أرضِ الشَّامِ أصدقَ دلائل الحُبِّ، وأسمى آياتِ الوُدِّ، وأجلَّ معاني الإيمانِ، بعدَ ذلكَ انطلقَتْ جيوشُ المسلمينَ ووفودُهِمْ مملوءَةً بالعزَّةِ، معمورةً بالهمَّةِ، محفوفةً بالسَّكينةِ، مصحوبةً بالإيمانِ، معطَّرةً بهتافاتِ التَّسْبيحِ والتَّكْبيرِ، انطلقَتْ في طريقِها إلى بيتِ المقدسِ.

وفي خِضَمِّ هذهِ المشاعرِ المملوءَةِ بنشوةِ النَّصْرِ، وعزَّةِ النَّفْسِ، خَشِيَ عُمرُ أن تتطرَّقَ ذراتٌ مِنَ الكِبْرِ أو العُجْبِ إلى قلبِهِ أو قلوبِ المؤمنينَ، فأرادَ أن يعطيَهُمْ درسًا عمليًّا يَبْقى محفورًا في الأذهانِ، مغروسًا في الوجْدان؛ إذ وَجَدَ في طريقِهِ مخاضةً؛ ماءً وطينًا ووحلًا, فنزلَ عَنْ بعيرِهِ وأمسكَ حذاءَهُ بيدِهِ، وخاضَ الماءَ برجلِهِ، ومشى في الوَحْلِ، فدُهِشَ القومُ، وذُهلِ الملأُ، وأُحرجَ الجنودُ.

فقامَ إليهِ أبو عبيدةَ: يا أميرَ المؤمنينَ! ما هَذا؟! لَقَدْ صنعْتَ اليومَ صنيعًا عظيمًا عندَ أهلِ الأرضِ، فضربَ عمرُ بيدِهِ على صدرِ أبي عبيدةَ وقَال: أَوَلَوْ غيرُك يقولُها يا أبا عبيدَة! إنَّكُمْ كُنْتُمْ أذلَّ النّاس، وأحقرَ النّاس، وأقلَّ النّاسِ، فأعزَّكُمُ اللهُ بالإِسلامِ؛ فمهما تطلبُوا العِزَّ بغيرِهِ يذلَّكُمُ اللهُ.

ما أعظمَكَ يا عمرُ! ما أروعَكَ يا عمرُ! أحييْتَ بالإِيمانِ نفوسًا، ولقَّنْتَ بالتَّواضعِ دروسًا.
 

 

 

 

 

 

المرفقات

عمر 1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات