ثلاث وصايا نبوية عظيمة

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2020-11-17 - 1442/04/02
عناصر الخطبة
1/حديث نبوي جمع في النبي -صلى الله عليه وسلم- الوصية بخيري الدنيا والآخرة 2/وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصلاة واتقانها والخشوع فيها 3/وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بحفظ اللسان وصيانته 4/وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقناعة

اقتباس

عباد الله: لقد جمع الله -جل وعلا- لنبينا -صلى الله عليه وسلم- بديع الكلم، وجوامع الوصايا، وأكمل القول وأتمه وأحسنه، ومن كان ذا صلة وثيقة بالسنة، وهدي خير العباد -صلوات الله وسلامه عليه- فاز في دنياه وأخراه. وهذه وقفة -معاشر المؤمنين- مع وصية وجيزة وموعظة بليغة مأثورة عن نبينا الكريم -عليه الصلاة والسلام- جمعت الخير كله ووفَّته. فقد جمع هذا الحديث العظيم ثلاثة وصايا عظيمة جمعت الخير كله من فهمها وعمل بها حاز الخير في دنياه وأخراه. الوصية الأولى: وصية بالصلاة، والعناية بها، وحسن أدائها. والوصية الثانية: وصية...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: معاشر المؤمنين: اتقوا الله -تعالى-؛ فإن من اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.

وتقوى اللهِ -جل وعلا-: عملٌ بطاعةِ اللهِ على نورٍ من الله رجاءَ ثوابِ الله، وترْكٌ لمعصية اللهِ على نورٍ من الله خيفةَ عذابِ الله.

 

عباد الله: لقد جمع الله -جل وعلا- لنبينا -صلى الله عليه وسلم- بديع الكلم، وجوامع الوصايا، وأكمل القول وأتمه وأحسنه، ومن كان ذا صلة وثيقة بالسنة، وهدي خير العباد -صلوات الله وسلامه عليه- فاز في دنياه وأخراه.

 

وهذه وقفة -معاشر المؤمنين- مع وصية وجيزة وموعظة بليغة مأثورة عن نبينا الكريم -عليه الصلاة والسلام- جمعت الخير كله ووفَّته؛ ففي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- "أن رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ؟" وفي رواية: "عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: "إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأَجْمِعْ الْيَأسَ مِمَّا فِي يَدَيْ النَّاسِ"، وهو حديث حسن بما له من شواهد.

 

وقد جمع هذا الحديث العظيم ثلاثة وصايا عظيمة جمعت الخير كله من فهمها وعمل بها حاز الخير في دنياه وأخراه. الوصية الأولى -عباد الله-: وصية بالصلاة، والعناية بها، وحسن أدائها. والوصية الثانية: وصية بحفظ اللسان وصيانته. والوصية الثالثة: دعوة إلى القناعة، وتعلق القلب بالله وحده.

 

في الوصية الأولى -عباد الله-: دعا نبينا -عليه الصلاة والسلام- من قام في صلاته، أي شرع فيها، أن يصلي صلاة مودع، ومن المعلوم لدى الجميع أن المودع يستقصي في الأقوال والأفعال ما لا يستقصي غيره، وهذا معروف في أسفار الناس وتنقلاتهم؛ فمن ينتقل من بلد على أمل العودة له ليس شأنه كشأن من ينتقل منه على أمل عدم العودة إليه، فالمودع يستقصي ما لا يستقصي غيره، فإذا صلى العبد صلاته مستحضراً أنها صلاته الأخيرة، وأنه لن يصلي غيرها جَدَّ واجتهد فيها، وأحسن في أدائها وأتقن في ركوعها وسجودها وواجباتها ومستحباتها.

 

ولهذا ينبغي على عبد الله المؤمن أن يستحضر هذه الوصية في كل صلاة يصليها؛ يصلي صلاته صلاة مودع، يستشعر من خلال ذلك أنها الصلاة الأخيرة، وأنه لن يصلي بعدها، فإذا استشعر ذلك دعاه هذا الاستشعار إلى حسن الأداء، وتمام الإتقان، والحسن في أداء الصلاة.

 

ومن أحسن في صلاته -عباد الله- ساقته إلى كل خير، ونهته عن كل شر ورذيلة، وعُمِر قلبه بالإيمان، وذاق بذلك طعم الإيمان وحلاوته، وكانت صلاته قرة عين له، وكانت راحةً وأنساً وسعادة.

 

والوصية الثانية -عباد الله-: وصية بحفظ اللسان، وأن اللسان أخطر ما يكون على الإنسان، وأن الكلمة إذا لم تخرج فإن صاحبها يملكها، أما إذا خرجت من لسانه ملكته وتحمَّل تبعاتها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "لَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا" أي حاول وجاهد نفسك على منع لسانك من كل كلمة تخشى أن تعتذر منها، وكل كلمة تتطلب منك اعتذرا، فإنك ما لم تتكلم بها فإنك تملكها، وأما إذا تكلمت بها ملكتك.

 

جاء في وصية النبي -عليه الصلاة والسلام- لمعاذ -رضي الله عنه-: "قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟" قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟".

 

فاللسان -عباد الله- له خطورة بالغة، وقد جاء في حديث ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا".

 

وقول نبينا -عليه الصلاة والسلام- في هذه الوصية الجامعة: "لَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا" فيه دعوة إلى محاسبة النفس فيما يقوله الإنسان، وأن يتأمل فيما يقول؛ فإن وجد ما يقوله خيرا تكلم به، وإن وجد أن ما يقوله شر امتنع من قوله، وإن كان الذي سيقوله مشتبهٌ عليه لا يدري أشر هو أم خير يكف عنه اتقاءً للشبهات حتى يستبين له أمره، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".

 

وكثير من الناس -عباد الله- يورِّطون أنفسهم ورطات عظيمة بكلمة يخرجونها بألسنتهم لا يلقون لها بالا، ثم يترتب على هذه الكلمة من التبعات في الدنيا والآخرة ما لا يحمدون عاقبته.

 

والعاقل من الناس -عباد الله- يزن كلامه، ويصون حديثه، ولا يتكلم إلا كما قال نبينا -عليه الصلاة والسلام- بكلام لا يحتاج معه إلى اعتذار، قال: "كَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا" يحتمل ذلك "تعتذر منه غدا" أي عندما تقف بين يدي الله، ويحتمل "تعتذر منه غدا" أي من الناس حينما يطالبونك بتبعات كلامك وأقوالك.

 

عباد الله: والوصية الثالثة: فيها دعوة إلى القناعة وتعليق القلب بالله وحده، واليأس تماما مما في أيدي الناس، قال: "وَأَجْمِعْ الْيَأسَ مِمَّا فِي يَدَيْ النَّاسِ" أجمع اليأس، أي أجمِع قلبك واعزم وصمم في فؤادك على اليأس من كل شيء في يد الناس؛ فلا ترجُه من جهتهم، وليكن رجاءك كله بالله وحده -جل وعلا-، وكما أنك بلسان مقالك لا تسأل إلا الله، ولا تطلب إلا من الله، فعليك كذلك بلسان حالك أن لا ترجو إلا الله، وأن تيأس من كل أحد إلا من الله، فتقطع الرجاء من كل الناس، ويكون رجاءك بالله وحده.

 

ومن كان يائساً مما في أيدي الناس عاش حياته مهيباً عزيزا، ومن كان قلبه معلقاً بما في أيدي الناس عاش حياته مهيناً ذليلا، ومن كان قلبه معلق بالله لا يرجو إلا الله، ولا يطلب حاجته إلا من الله، ولا يتوكل إلا على الله كفاه الله -عز وجل- في دنياه وأخراه، والله -جل وعلا- يقول: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)[الزمر: 36]، ويقول جل وعلا: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق: 3].

 

عباد الله: هذه ثلاثة وصايا عظيمة جدير بكل واحد منا أن يحسن تأملها، وأن يجاهد نفسه على تحقيقها، والعمل بها.

 

أقول هذا القول، وأستغفر اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: عباد الله: اتقوا الله -تعالى- وراقبوه في السر والعلانية، والغيب والشهادة، مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه.

 

واعلموا -رعاكم الله- أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة.

 

عباد الله: ومما يُذكَّر به في هذه الأيام: صيام ستة أيام من شوال، وكثير من المسلمين قد أنهاها حامداً ربه وشاكرا، فينبغي علينا -عباد الله- من لم يصُم هذه الأيام أو صام بعضها وبقي عليه منها بقية أن يحرص على صيامها فإن نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ".

 

وصلوا وسلموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: ٥٦]، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان علي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وأعِنه على طاعتك، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة.

اللهم وفِّق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيِّك محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، اللهم وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، اللهم وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر.

 

اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سبيل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا وأموالنا وأوقاتنا واجعلنا مباركين أينما كنا.

 

اللهم وارفع عنا الغلاء والوباء والزلازل والفتن كلها ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

 

اللهم واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

 

اللهم اغفر لنا ذنبنا كله دقه وجله أوله وآخره سره وعلنه.

 

اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا. اللهم إنا نسألك غيثاً مغيثا، هنيئاً مريئا، سحاً طبقا، نافعاً غير ضار، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر. اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا عذاب ولا غرق.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

عباد الله: اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

المرفقات

ثلاث وصايا نبوية عظيمة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات