توقي خطر الشح والبخل

عبدالله بن حسن القعود

2013-12-26 - 1435/02/23
عناصر الخطبة
1/ حقيقة الشح   2/علاج الشح   3/صور من كرم النبي 4/صور من إنفاق الصحابة
اهداف الخطبة
1/التحذير من البخل   2/بيان أن الشح هلاك للأمم 3/ الترغيب في الصدقة والكرم والجود 4/ بيان شيء من كرم النبي وأصحابه.

اقتباس

انظروا ماذا توعد وهدد به البخلاء (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:180], وماذا وعد به الأتقياء الأسخياء من رفعة وعلو منزلة ومضاعفة أجر، واسلكوا أقوم الطريقين وأنجى السبيلين، فأيامكم معدودة وآجالكم محدودة وأنتم اليوم أحوج ما تكونون إلى ما يترتب على السخاء من خُلف وأجر في الدنيا والآخرة...

 

 

 

 

 الخطبة الأولى:

 

الحمد لله واسع الفضل والإحسان, ذي الجود والكرم والامتنان, أحمده سبحانه لا أحصي ثناء عليه, وأستغفره وأستهديه وأتوب إليه.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى:6-11]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي كان من دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر, وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات". صلى الله عليه وعلى آل وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

أيها الأخوة المؤمنون: إن دين الإسلام الذي أكرمنا الله به ونحمده ونشكره أن يجعلنا من أهله، وأسأله أن يزيدنا فيه رغبة ومحبة قد نهى عن سفاسف الأمور وسواقط الأخلاق (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) [الأنعام:151], وهناكم خصلة ذميمة وخلة شنيعة، طهر الله منها أنبياءه, ووقى شر تأصلها في النفوس أولياءه, وجاءت الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة بذمها والتحذير منها, وبيان مدى أثرها الشنيع وخطرها الفظيع على الأفراد والمجتمعات؛ ألا وهي شح النفوس وبخلها وهلعها وطمعها وتركيزها في جل تحركاتها على الجمع دون الإنفاق، والأخذ دون العطاء، والخروج بالأموال عما أعطيت له من جعلها وسيلة يتقي الله فيها ويتقرب إليه بها, براً وإحساناً وإنفاقاً في سبيله وجبراً ومواساة لعباده إلى جعلها هدفاً وغاية ووسيلة لمحاربة الله ومحاربة دينه بها, جبياً من غير حل وإنفاقاً في معصية وتعاملاً بما حرم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

يقول تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) الآية [الإسراء:18]. ويقول: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة) الآية [آل عمران:180]. ويقول: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:9] ويقول: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) [التوبة:75-77]

 

ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع" رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خلق الله جنة عدن بيده ودلى فيها ثمارها وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون. فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل". قال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني في الكبير والأوسط بإسنادين أحدهما جيد.

 

فاتّقوا الله -أيها الأخوة- وابتعدوا عن هذه الأخلاق والنزعات الدنيئة التي تدني من الرذائل وتبعد عن الفضائل، محببة إلى الشيطان مبغضة من الرحمن (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً) [البقرة:268] اتقوا الله بمجانبتها والبعد عنها بالتحلي بالجود والكرم وبذل ما تدعو حاجة الإسلام والمسلمين إليه؛ مالاً أو جهداً، نفساً نفيساً.

 

اتقوا الله, وتحلَّوا بهذه الأخلاق التي هي من أسمى وأرفع وجل الأخلاق التي تعلو بروح المسلم ومقامه ومنزلته في دنياه وأخراه. اتقوا الله بالتحلي بها فهي أخلاق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلقد كان خيرتهم وصفوتهم وخاتمتهم محمد صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فلقد كان يؤتى بالذهب والفضة والنعم فيوزعها في يومه، ولقد كان لعمله هذا الأثر العظيم في دخول الناس في الإسلام، فقد روى الإمام مسلم رحمه الله عن أنس -رضي الله عنه- قال: "ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام شيئاً إلا أعطاه".

 

ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: "يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر". وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، ولقد خرج أبو بكر رضي الله عنه من جميع ماله لله، وخرج عمر من نصف ماله, ولما نزل قول الله سبحانه وتعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92] قال أبو طلحة رضي الله عنه: "إن أحب أموالي إليّ بيرحاء وإني قد جعلتها لله، فضعها -يا رسول الله- كيف شئت" فقال صلى الله عليه وسلم: "بخٍ بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح".

 

وجاءت عير من الشام بتجارة لعثمان رضي الله عنه في حين حاجة، فطفق التجار يستامونها فكلما دفعوا إليه شيئاً قال: "أُعطيت أكثر من ذلك يشير إلى قول الله سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) [البقرة:245] وجعلها لله –رضي الله عنه- قال ابن القيم رحمه الله: "جهز عثمان في غزوة تبوك ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأكتابها وعدتها وألف دينار عيناً".

 

أيها الأخوة: انظروا ماذا توعد وهدد به البخلاء (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:180], وماذا وعد به الأتقياء الأسخياء من رفعة وعلو منزلة ومضاعفة أجر، واسلكوا أقوم الطريقين وأنجى السبيلين، فأيامكم معدودة وآجالكم محدودة وأنتم اليوم أحوج ما تكونون إلى ما يترتب على السخاء من خُلف وأجر في الدنيا والآخرة.

 

 

 

المرفقات

خطر الشح والبخل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات