تفسير سورة الكهف (6) قصة ذي القرنين

عمر بن عبد العزيز الدهيشي

2022-09-02 - 1444/02/06 2022-12-19 - 1444/05/25
عناصر الخطبة
1/ تنوع أساليب الهداية في القرآن 2/من أهداف قصص القرآن 3/تأملات في سيرة ملك عادل 4/شرح قصة ذي القرنين.

اقتباس

إن تيسُّر السُّبُل، وتهيُّؤ الأسباب للعبد، إما في الأمن والرخاء، أو الصحة والعافية، أو الغنى والجدة، أو العلم والمعرفة، أو أيًّا مَا كان نِعَمٌ تستحق الشكر والثناء على الله -تعالى- بها، وإن مِن أجلى صور شكرها، وأكمل التعامل معها: تسخيرها في طاعة الله....

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

عباد الله: من أفانين القرآن وكمال البيان: تنوع أساليب الهداية وطرائق الدلالة في القرآن، من حوارات ومناقشات وأمثال وقصص، كل ذلك في أحسن عرض، وأجمل أسلوب، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ)[يوسف:3].

 

عباد الله: عرض القصص في القرآن إن كان أسلوباً في إيصال الهداية والدلالة، إما بإيحاء الاتساء والاقتداء، أو بإشارة الابتعاد والانتهاء، فهو أيضاً مُوجَّه لفئات الناس وطبقاتهم، ومستوياتهم ومراتبهم، كلّ بما يلائمه ويطابقه، فقصص موجّهة للفتية والشباب (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)[الكهف:13].

 

وأخرى للتجار والمستثمرين (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا)[الكهف:23]، وقصص في العلم وأهله (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)[الكهف:66].

 

وأخرى للرؤساء وأصحاب الولايات (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا)[الكهف:84]، وصدق الله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا)[الإسراء: 89].

 

عباد الله: قصَّ الله -تعالى- في سورة الكهف سيرة ملك عادل، ملَّكه الله -تعالى- مشارق الأرض ومغاربها، بما وهَبه من قدرة فائقة، وإمكانات عالية، مكَّنته أن يمسح الأرض، ويملكها كلها،  إنه ذو القرنين، في الأثر: "ملك الأرض أربعة؛ مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فسليمان بن داود -عليهما السلام- وذو القرنين، وأما الكافران: فنمرود وبخت نصر"(جاء عن مجاهد رواه الطبري 3/25 وابن أبي شيبة 32452).

 

كانت له حوادث وأحداث مع أهل المغرب والمشرق، أثبتها القرآن وأظهرها؛ لتكون عبرةً للمعتبرين، ودرساً للناس أجمعين، وقد طوَى القرآن الحديث عن شخصية ذي القرنين وزمانه ومكانه؛ إذ القرآن ليس معنيّاً بالسرد التاريخي، لكنَّ بالعبرة المستفادة والدروس المستخلَصة من القصة، مما يوحيه قوله -سبحانه-: (سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا)[الكهف:83]؛ أي بعضاً مِن نبأه مما فيه خبر مفيد، ودرس مجيد، مما يتذكر فيه ويكون عبرة وعظة، دون باقي خبره، وكامل قصته.

 

وذلك أن قريشاً أو يهوداً سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قصته، في قوله -تعالى-: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ)، قال الله -عز وجل- يا محمد  (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا)[الكهف:83].

 

عباد الله: إن تيسُّر السُّبُل، وتهيُّؤ الأسباب للعبد، إما في الأمن والرخاء، أو الصحة والعافية، أو الغنى والجدة، أو العلم والمعرفة، أو أيًّا مَا كان نِعَمٌ تستحق الشكر والثناء على الله -تعالى- بها، وإن مِن أجلى صور شكرها، وأكمل التعامل معها: تسخيرها في طاعة الله، وصَرْفها عن كل ما يغضب الله -تعالى-.

 

فها هو الملك الصالح ذو القرنين أعطاه الله أسباباً ومكَّنه منها، فسخَّرها في مرضاة الله، والعمل لإقامة دين الله -تعالى- والدعوة إليه، قال -سبحانه- (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا)[الكهف:84]؛ فقد أعطاه الله من الأسباب الموصِّلة له لما وصل إليه، مما به قهر البلدان وسهولة الوصول إلى أقاصي العمران.

 

(فَأَتْبَعَ سَبَبًا)[الكهف:85]؛ فعمل بتلك المواهب،  وسخَّرها للدعوة إلى دين الله -تعالى- وعبادته؛ إذ ليس كلّ مَن عنده شيء من الأسباب يسلكه، ولا كل أحد يكون قادراً على السبب، فإذا اجتمعت القدرة على السبب الحقيقي، وتسخيرها في طاعة الله -تعالى- ومرضاته، فقد تحقَّق الشكر، وبُورِكَ في العمل والعمر، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

 

فقد سار ذو القرنين بما أُعطي من قوة وقدرة حتى بلغ مغرب الشمس، فإن السائر نحو المغرب سوف يصطدم بالبحر، والشمس إذا رآها الرائي عندئذ وجدها كأنها تغرب في البحر  (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ)[الكهف:86]؛ أي سوداء، وهو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء وبحر، وإن كانت الشمس في غاية الارتفاع، كحال من يراها تغرب خلف جبل في البرية، أو وراء الرمال في صحراء مكشوفة، كل ذلك حسب رؤية الإنسان، وإلا فهي أكبر من الأرض كلها.

 

عباد الله: ولما بلغ ذو القرنين المغرب وجد دون البحر قوماً، فسلَّطه الله عليهم، وخيَّره بين أن يُعذّبهم بالقتل أو الأَسْر، أو يُحْسن إليهم، وكونُه ملكاً صالحاً وولياً عادلاً، حكَم فيهم (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ) بالشرك بالله -تعالى- وأقام على ذلك (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا)[الكهف:87]؛ أي لا نظير له فيما يعرفه البشر.

 

 (وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) في جنة الآخرة، واللطف في القول والمعاملة الحسنة والتكريم في الدنيا (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)[الكهف: 88]، وهذا من السياسة الشرعية أن المؤمن الصالح العامل، ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن، والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء، ليرتدع عن ظلمه ويؤوب إلى رشده، فبهذا يجد الناس ما يُحفّزهم إلى الصلاح والإنتاج والعمل، وتستقيم حالهم وتصلح أحوالهم.

 

وتأمل في حال المشرك بدأ بتعذيبه، ثم ثنَّى بتعذيب لله، والمؤمن بدأ بثواب الله أولاً ثم المعاملة باليسر، والفرق ظاهر؛ لأن مقصود المؤمن الوصول إلى الجنة، وهي مبتغاه ومُنَاه، وأحبّ إليه مِن أن يُقال له قول يسر، وأما الكافر فعذاب الدنيا سابق على عذاب الآخرة، وأيسر منه فبدأ به.

 

فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وغمومنا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[الأعراف: 176]؛ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: بعد رحلة المغرب اتجه ذو القرنين إلى المشرق، مُمكناً له في الأرض، ميسرة له الأسباب (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا)[الكهف:89]؛ لأن عمارة الأرض تكون نحو المشرق والمغرب، دون الشمال والجنوب فأقصاهما قطبي ثلجي ليسا فيه حياة ولا سكان، ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها"(رواه مسلم).

 

 (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا)[الكهف:90]؛ إما لعدم استعدادهم في المساكن لهمجيتهم وتوحشهم، أو عدم وجود أشجار ودُور تُكنّهم منها، أو لكون الشمس دائمة عندهم لا تغرب إلا قليلاً كحال بعض البلاد في أقصى شرق إفريقيا الجنوبي، ولعل ذا القرنين سار في صالحهم وطالحهم سيرته مع أهل المغرب، لكن القرآن الكريم لم يذكر من ذلك شيئاً، والله أعلم.

 

وللقصة بقية نأتي عليها في خطبة قادمة -إن شاء الله-.

 

 هذا وصلوا وسلموا...

 

المرفقات

تفسير سورة الكهف (6) قصة ذي القرنين.pdf

تفسير سورة الكهف (6) قصة ذي القرنين.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات