تعس عبد الدينار

أحمد شريف النعسان

2016-05-19 - 1437/08/12
عناصر الخطبة
1/ بعض صفات العقلاء 2/ مشكلة التربية الفاشلة والواجب نحوها 3/ مشكلة ضعف الإيمان وكيفية تقويته 4/ الاستعجال في العودة إلى الله

اقتباس

الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي يستفيدُ من كلِّ ما يجري عليه, وما يجري من حولِهِ. الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي يكونُ مُنصفاً صادقاً مع نفسِهِ. الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي لا يُبرِّرُ تقصيرَهُ وأخطاءَهُ. الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي لا يكونُ عنيداً مُستكبراً. الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي يبحثُ عن...

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي يستفيدُ من كلِّ ما يجري عليه, وما يجري من حولِهِ.

 

الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي يكونُ مُنصفاً صادقاً مع نفسِهِ.

 

الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي لا يُبرِّرُ تقصيرَهُ وأخطاءَهُ.

 

الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي لا يكونُ عنيداً مُستكبراً.

 

الإنسانُ العاقلُ هوَ الذي يبحثُ عن الحُلولِ لِمُشكلاتِهِ.

 

يا عباد الله: مشاكِلُنا كثيرةٌ وتحتاجُ إلى حُلولٍ, فمن جملةِ مشاكِلِنا:

 

أولاً: التَّربيةُ الفاشلةُ:

 

أيُّها الإخوة الكرام: الحقيقةُ مُرَّةٌ, ولكن يُحبُّها العقلاءُ المنصفون, إنَّ من مشاكِلِنا: التَّريبيةَ الفاشلةَ, سواءٌ كانَ المربِّي أباً أو معلِّماً أو مسؤولاً من المسؤولينَ الذين شَمِلَهُم قولُ سيِّدِنا رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ, وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤُولةٌ عَنْهُمْ, وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ, أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" [متَّفقٌ عليه عنِ ابنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُما-].

 

لو سألتَ المربِّي أيَّاً كانَ: كيفَ تُربِّي؟ وما الغايةُ والهدفُ اللَّذانِ تربِّي عليهما من استرعاكَ اللهُ -تعالى- عليه؟

 

أيُّها الإخوة الكرام: أكثرُ الناسِ يُربِّي من استرعاهُ اللهُ -تعالى- عليه من أجلِ مُستقبلٍ مَوهومٍ, يُربِّي من أجلِ المادَّةِ, من أجلِ أن يحصُلَ على بيتٍ فارِهٍ, أو على سيَّارةٍ فارِهةٍ, أو على مزرعةٍ فارِهةٍ, من أجلِ أن يحصُلَ على منصبٍ أو جاهٍ ولو على حسابِ دِينِهِ, ولو صارَ عبداً ذليلاً لِمَا يَطلُبُ, وهذا هوَ الذي ينطبقُ عليه قولُ سيِّدِنا رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ, إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ, وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ, تَعِسَ وَانْتَكَسَ, وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ" [رواه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-].

 

أكثرُ الناسِ يُربِّي من تحتِ يَدِهِ على حُبِّ هذهِ الدُّنيا الفانيةِ, أكثرُ الناسِ جَعَلوها هدفاً وغايةً يُرَبُّونَ عليها الآخرينَ ولو على حسابِ دِينِهِم وعلى حسابِ آخِرَتِهِم, يُربُّونَ الآخرينَ على ذلكَ مهما كَلَّفَ ذلكَ من ثَمَنٍ.

 

أمَّا من يُرَبِّي من استرعاهُ اللهُ -تعالى- عليه على أن تكونَ الدُّنيا وسيلةً للآخرةِ, وأنَّ الآخرةَ هيَ الغايةُ فقليلٌ هم, وأن يُربِّي على أنَّ كلَّ شيءٍ في الدُّنيا يهونُ في سبيلِ هذا الدِّينِ فقليلٌ هم, وما أروعَ قِصَّةَ سيِّدِنا عبدِ الله بنِ الزُّبيرِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- يومَ قالت له أمُّهُ أسماءُ بنتُ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُما-: "يا بُنَيَّ، إيَّاكَ أن تعطي خَصلةً من دِينِكَ مَخافَةَ القتلِ؟" ثمَّ خاطبَ أمَّهُ بقولِهِ:

 

ولستُ بمبتاعِ الحياةِ بسُبَّةٍ *** ولا مُرتَقٍ من خَشيَةِ المَوتِ سُلَّما

أُنافسُ فيهِ أنَّه غيرُ نَازحٍ *** ملاقِ المنايا أيَّ صَرفٍ تَيَمَّمَا

[رواه الحاكم].

 

أمَّا من يُربِّي من استرعاهُ اللهُ -تعالى- عليه على حُبِّ الآخرةِ, وعلى أنَّ الدُّنيا مطيَّةٌ للآخرةِ؛ فإنَّهُ لا يُفتنُ بِعَرَضٍ من أعراضِ الدُّنيا, وما أروعَ مواقفَ الرِّجالِ الذينَ ارتبطوا بالآخرةِ, وجعلوا الدُّنيا مطيَّةً ووسيلةً للوصولِ إلى الآخرةِ بسلامٍ.

 

أيُّها الإخوة الكرام: ذلكم الشيخ سعيد الحلبي عالم الشام في عصره، كان في درس من دروسه مادَّاً رجله في مسجدٍ من مساجِدِ الشَّامِ، فدخَل إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مِصرَ آنذاك، فقامَ النَّاسُ كلَّهُم إلَّا هذا الشيخ، بقيَ مادَّاً رِجلَهُ في حلقتِهِ يُلقِي قالَ اللهُ، وقالَ رسولُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- فتَأَثَّرَ ذلك الطَّاغِيَةُ، وأثَّر ذلكَ في نَفسِهِ إِذ لم يَقُم لَه هذا الشَّيخُ، فقال في نفسه هذا: لآتِيَنَّه من باب لطالما أُوتِيَ طَلَبَةُ العلمِ من هذا البابِ, فذهبَ وأَضمَرَ له ما أَضمَرَ، وأَحضَرَ أَلفَ لَيرةٍ ذهبيةٍ -في وقتٍ الشيخُ قَد لا يَجِدُ ليرةً واحدةً- وقال لأحدِ جنودِهِ: اذهب إلي الشيخِ وأعطِهِ هذِهِ، فأخَذَ هذا الجنديُّ ذلك المبلَغَ، وذهب به إلى الشيخِ ولا زالَ مادَّاً رِجلَهُ في حلقَتِهِ يُدَرِّسُ قالَ اللهُ، وقالَ رسولُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-، ويَكتَسِبُ العِزَّةَ من خلالِ قالَ اللهُ وقالَ رسولُهُ، جاءَ إليهِ وقالَ: إنَّ إبراهيم باشا يقولُ: خُذ هذِهِ الألفَ ليرةٍ ذهبيةٍ، فما كانَ مِنه إلا أن نَظَرَ إليه بِعِزَّةِ المؤمِنِ، وتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، وقال: رُدَّهَا له، وقُل له: إنَّ الذي يَمُدُّ رِجلَهُ لا يَمُدُّ يَدَهُ، إنَّ الذي يَمُدُّ رِجلَيهِ لا يَمُدُّ يَدَيهِ.

 

ثانياً: ضعفُ الإيمانِ:

 

أيُّها الإخوة الكرام: الحقيقةُ مُرَّةٌ, ولكن يُحبُّها العقلاءُ المنصفون, إنَّ من مشاكِلِنا: ضعفَ الإيمانِ بالقَدَرِ, وضعفَ الإيمانِ بالله -تعالى- الذي قدَّرَ الأقدارَ قبلَ وُجودِها.

 

أيُّها الإخوة الكرام: ما أجملَ أن نجعلَ حديثَ الصَّادقِ المصدوقِ أمامَ أبصارِنا وبصائِرِنا عندما كانَ يُوجِّهُ الأمَّةَ من خلالِ سيِّدِنا عبدِ الله ابنِ عبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُما- حيثُ قالَ له: "يَا غُلَامُ, إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, وَإِذَا سَأَلْتَ فَلْتَسْأَلِ اللهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله, وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَو اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ, لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ, وَلَو اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ, لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ, وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" [رواه الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُما-].

 

ما أجملَ أن نجعلَ حديثَ سيِّدِنا رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- أمامَ أبصارِنا وبصائِرِنا عندما يقولُ: "لَوْ أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ, وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْراً مِنْ أَعْمَالِهِمْ, وَلَوْ كَانَ لَكَ جَبَلُ أُحُدٍ أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَباً أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ الله مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ, وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ, وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ, وَأَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ" [رواه الإمام أحمد عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-].

 

ونتذكَّرَ قولَ الله -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد: 22].

 

يا عباد الله: من قَوِيَ إيمانُهُ بالقَدَرِ, وبالله -تعالى- الذي قَدَّرَ الأقدارَ قبلَ وُجودِها يكونُ رجلاً مُستقيماً مُلتزماً دِينَ الله -تعالى-, آمراً بالمعروفِ ناهياً عن المنكرِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وبدونِ فظاظةٍ ولا غلاظةٍ ولا شماتةٍ مع الإخلاصِ لله -تعالى-, وخُذوا هذا المثالَ: سيِّدُنا العزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ لَقِيَ حاكمَ مِصرَ الصَّالحَ أيُّوب, فقال له: يا أيوب ماذا ستقولُ لربكَ إذا سألكَ ألم أبوئكَ مصرَ فلماذا تبيحُ الخمورَ؟ قال: وهل كلامكَ صحيحٌ يَا عِز؟! قال: نَعَم حانَةُ كَذا وحانَةُ كَذا، قال: ولكنها لم تكن في عهدي وإنَّما كانت في عهدِ أبي واستَمَرَّت، فقال له العِزُّ بنُ عبدِ السَّلام: يعني أنتَ من أولئكَ الذينَ قال اللهُ عنهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) [الزخرف: 23]. قيلَ للعِزِّ بعد هذا الفصلِ: كيفَ استطعتَ أن تقولَ هذا للصَّالِحِ أيوب؟! فقال العِزُّ لهم : لمَّا كلمتُهُ استحضرتُ هَيبةَ اللهِ فصارَ أمَامِي كالهِرِّ.

 

أيُّها الإخوة الكرام: مشكلةُ المشاكِلِ حبُّ الدُّنيا, في سبيلِها اقتتلَ الناسُ, في سبيلِها سُفِكَتِ الدِّماءُ, في سبيلِها هُدِّمَتِ البيوتُ, في سبيلِها رُمِّلَتِ النِّساءُ, في سبيلِها يُتِّمَ الأطفالُ, في سبيلِها بيعَ الدِّينُ بها, وبذلكَ خَسِرَ العبدُ الدُّنيا والآخرةَ.

 

يا عباد الله: متى تأتي السَّاعةُ لنقولَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: 84].

 

متى تأتي السَّاعةُ لنقولَ: "لو وضعُوا الشمس في يمينِي والقمَرَ في يساري على أن أترُكَ هذا الأمرَ ما تركتُهُ حتى يُظهِرَهُ اللهُ أو أهلِكَ دونَهُ؟".

 

متى تأتي السَّاعةُ لنلتزمَ دِينَ الله -تعالى- الذي بحاجةٍ له البشريَّةُ جمعاء؟

 

يا عباد الله: كلُّ رجلٍ منَ المسلمينَ على ثَغرٍ من ثَغرِ الإسلامِ, اللهَ اللهَ أن يُؤتَى الإسلامُ من قِبَلِهِ.

 

أقول هذا القول, وأستغفر الله لي ولكم, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

عبد الدينار

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات