تزكية النفوس

عبدالله بن حسن القعود

2011-01-31 - 1432/02/27
عناصر الخطبة
1/ أهمية الاعتناء بالنفس وتزكيتها 2/ بم تكون التزكية؟ 3/ حال من طعم حلاوة الإيمان

اقتباس

فكما أن الطاعات ترفع النفوس وتطهرها وتزكيها تؤهلها للفوز والظفر بالمطلوب، فإن المعاصي تدنس النفوس وتخملها وتدسها، بل وتقلقها وتوحشها وتفقدها ما تحتاجه في حياتها من أمن نفس وراحة بال وهناء قلوب واستقرارها، بل وتعرضها لشديد الحساب وأليم العقاب ..

 

 

 

 

الحمد لله القائم على كل نفس بما كسبت والمجازي لها بما عملت، أحمده وأشكره وأثني عليه الخير كله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم:31] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المنزل عليه (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة:103] 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وسلم تسليماً كثيراً، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

أما بعد:

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله وبما أوصانا الله به في قوله جل شأنه: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131] وبما أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب (بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة:132]

أيها الإخوة المؤمنون الذين أكرمهم الله بإلإيمان وأهَّلكُم به سبحانه لخيري الدنيا والآخرة: أذكركم أذكر ذا العقل السوي، والقلب التقي من الملتزمين المتطلعين إلى تحقيق تأويل وعد الله فيهم في قوله جل شأنه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97] وقوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل:32] -بأن يسعى جاداً في طلب تحقيق ذلك في نفسه التي هي أغلى وأعز شيء لديه، نفسه التي كثيراً ما يبذل في طلب راحتها وأمنها وصحتها واستقرارها باطناً وظاهراً جل أو كلّ إمكانياته فيما لو استدعى الأمر ذلك، ولن يتحقق لها هذا الأمر إلا بتزكيتها التزكية المطلوبة في كتاب الله لا المنفية المذمومة في التزكية التي هي إحدى مهام الرسالة الكبرى يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) [الجمعة:2]

وأقسم عليها تعالى وتقدس وهو سبحانه عظيم عليم لا يقسم إلا على أمر ذي بال وشأن، أقسم عليها بأقسام متتالية أحد عشر قسماً مؤكدة بمؤكد من المؤكدات البلاغية، يقول سبحانه: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا* وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا* وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا* وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا* وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا* وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا* وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس:1-10]

وتزكية النفوس المطلوبة التي يحصل بها الفلاح والظفر والفوز بالمطلوب، يكون بتصحيح معتقدها وتحقيقها وتصفيتها لما خلقت له من توحيد الله -سبحانه وتعالى- (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذريات:56] أي يوحدون.

وحماية ذلك باطناً وظاهراً من أن يتطرق إليه ما يناقض أصله من ارتكاب مكفرات أو كماله المطلوب من ارتكاب معاصي ومحدثات تحقيقاً لمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وإلزامها مع ذلك بشرع الله جملة وتفصيلاً في نطاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" تحقيقاً لمقتضى شهادة أن محمداً رسول الله. قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) [الأعلى:14] "أي طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، وتابع ما أنزل الله على الرسول صلوات الله وسلامه عليه".

هذا -أيها الإخوة- ما تطيب وتطهر وتزكو به النفوس، وتحيا به الحياة الطيبة التي تطعم بها حلاوة الإيمان ولذة الطاعات واستلذاذها، والأنس بها.

ولا عجب -أيها الأخوة-؛ فالنفوس إذا طعمت حلاوة الإيمان، وأشربت حبه من قلوبها؛ نعمت وأنست والتذت بما هي فيه من طاعة، وأتت بالعجب العجاب من معطيات طيبة وآثار حسنة لمجهود طاعتها، وتاريخ أسلافنا حافل بما يشهد بهذا.

فلكم سمعنا وقرأنا عن عالم أنسه ومتعته ولذته في رؤية قطوف ثمرات علمه، ومجاهد يعطي الأعداء نحره ابتغاء نصر دين الله، أو لحوق روحه بأرواح من يستبشرون به من الشهداء ممن قال الله فيهم: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [آل عمران:170]، بل وعابد مستغرق في أنسه بربه ومناجاته إياه آناء الليل وآناء النهار.

الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار. يقول بعضهم ممن تذوق هذا الأمر: "إنه ليمر على القلب ساعة إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال أي من نعيم القلب أنهم في عيش طيب"، ونقل ابن القيم، عن شيخه ابن تيمية –رحمهما الله- قال لما ورد عليه أمر سجنه بقلعة دمشق: "ما يصنع بي أعدائي، جنتي وبستاني في صدري، حبسي خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة".

ومصداق تحقق هذه المعاني الطيبة في النفوس، نفوس علماء صادقين ومجاهدين مخلصين وعباد متبعين ودعاة وجنود لله متفانين في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا الله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار" رواه البخاري. وقوله: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً" رواه مسلم.

فاتقوا الله -عباد الله-، واعملوا على تحقيق هذه المعاني في نفوسكم بلزوم طاعة الله واجتناب معاصيه.

وتذكروا أن الضد بالضد، فكما أن الطاعات ترفع النفوس وتطهرها وتزكيها تؤهلها للفوز والظفر بالمطلوب، فإن المعاصي تدنس النفوس وتخملها وتدسها، بل وتقلقها وتوحشها وتفقدها ما تحتاجه في حياتها من أمن نفس وراحة بال وهناء قلوب واستقرارها، بل وتعرضها لشديد الحساب وأليم العقاب يقول -سبحانه وتعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس:9-10]

ويقول: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثـية:21] ويقول: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام:125] ويقول: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [طـه:123-126].
 

 

 

 

 

المرفقات

النفوس

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات