تراصوا

راشد بن عبد الرحمن البداح

2022-03-11 - 1443/08/08 2022-03-16 - 1443/08/13
التصنيفات: الصلاة
عناصر الخطبة
1/الفرج بعد الشدة والبلاء 2/فرحة المصلين بعودة التراص في الصفوف 3/الحث على تسوية الصفوف 4/هدي السلف في تسوية الصفوف 5/فوائد تسوية الصفوف

اقتباس

وَمِنَ السُّنَنِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الصُّفُوفِ إِتْيَانُ الإِمامِ بِنَفْسِهِ بَيْنَ الصُّفُوفِ لِتَسْوِيَتِهَا، أو إِرسالُ مَنْ يَنُوْبُهُ, فَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، يُسَوِّيْهِمْ, وكَانَ عُثْمَانُ لَا يُكَبِّرُ، حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، فَيُخْبِرُونَهُ أَنْ قَدِ اسْتَوَتْ...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحَمْدُ للهِ الذِيْ جَعَلَ لَنَا دِيْنًا هُوَ خَيْرُ الأَدْيَانِ، وَأَنْزَلَ لَنَا كِتَابًا هُوَ خَيْرُ الكُتُبِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُوْلاً هُوَ خَيْرُ الرُّسُلِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: تَرَاصُّوا بَعْدَ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، تَرَاصُّوا واحْمَدُوْا الحَمِيْدَ أَنَّ الجَائِحَةَ رَائِحَةٌ، وَالوَبَاءَ إِلَى فَنَاءٍ, تَرَاصُّوا؛ لِأَنَّ التَّرَاصَّ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ.

 

(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ * فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)[الانشقاق19-20], وَلَقَدْ رَكِبْنَا خِلَالَ الجَائِحَةِ ثَلاثَ طِبَاقٍ, ابْتُلِينَا وَلَطُفَ اللَّهُ بِنَا، ثُمّ اُبْتُلِينَا وَلَطُفَ اللَّهُ بِنَا، ثُمّ فرَّجَ اللَّهُ عَنَّا؛ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، ثُمَّ صَلُّوا بِمَسَاجِدِكُمْ مَعَ تَبَاعُدِكُمْ، ثُمّ تَرَاصُّوْا.

 

ولأَجْلِ "تَرَاصُّوْا" مُنِعَ مِنْ صَلَاةِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ فِي الصَّفِّ.

لِأَجْلِ "تَرَاصُّوْا" كُرِهَتِ مَعَ السَّعَةِ الصَّلَاةُ بَيْنَ السَّوَارِي.

لِأَجْلِ "تَرَاصُّوْا" مُدِحَ مَنْ يَصِلُ الصَّفَّ وَيَسُدُّ الفُرَجَ.

 

كلُّ هَذَا لِأَجْلِ أَنْ تَقَرَّ عُيُوْنُنَا بِصَلَاتِنَا، وَلِنُقَابِلَ رَبَّنَا مُقْبِلِيْنَ، وَبِمُناجَاتِهِ مُتَلَذِّذِيْنَ, وَاعْتَبِرُوُا بِفَرْحَةِ النَّاسِ يَوْمَ قَالَ إمَامُهُمْ: "تَراصُّوْا"؛ فَرَحًا بِسُنَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فَاحْمَدُوا اللهَ عَلَى نِعْمَةِ إِحْيَاءِ السُّنَّةِ، وَحُبِّ السُّنَّةِ.

 

أَرَأَيْتَ كَيْفَ أَن حُبَّكَ لِسُنَّةِ التَّرَاصِّ فِي الصَّلَاةِ أوْقَدَ فِي قَلْبِكَ شُعْلَةَ الْحُبِّ لِمَنْ سَنَّ سُنَنَ الصَّلَاةِ؟!.

 

فَهَلْ تَجِدُ أَنَّ قَلْبَكَ ازْدَادَ مَحَبَّةً لِمُحَمَّدٍ -صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلمَ-, الَّذِيْ هُوَ أَرْحَمُ بِنَا وأَحْرَصُ عَلَى تَعْلِيمِنَا وَهِدَايَتِنَا؟؛ (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[التوبة: 128].

 

أَرَأَيْتَ كَيْفَ أَحْيَا اللَّهُ فِي قَلْبِكَ حُبَّ سَنَةٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ؟! أَرَأَيْتَ كَيْفَ أَيْقَظَ غَفْلَةً فِي نَفْسِكَ بِالْحِرْصِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ؟! أمَّا مَنْ أَغْفَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ فَمَا تَزِيدُهُ هَذِهِ العِبَرُ إِلَّا كَسَلاً!.

 

أيُّهَا المُؤمِنُونَ: التَّرَاصُّ يَكُونَ بَالتَقَارُبُ بِلَا عِوَجٍ وَلَا فُرَجٍ؛ (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)[الصف: 4], وَلَيْسَ المُرَادُ بِالتَّرَاصِّ التَّلاصُقَ، وتَلَامُسَ كَعْبَيْهِ بِكَعْبَيْ جَارِهِ؛ فَهَذَا خَطَاٌ، وغُلُوٌّ فِي تَطْبِيقِ السُّنَّةِ، وَتَضْيِيْقٌ وَمُضَايَقَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ إِلْزَاقَ الرُّكْبَةِ بِالرُّكْبَةِ مُسْتَحِيلٌ. (الشرح الممتع  3/10, وانظر: لا جديد في أحكام الصلاة, ص: 11).  

 

وَفِي تَسْوِيَةِ الصَّفِّ ثَلَاثُ سُنَنٍ: اسْتِقَامَةُ الصَّفِّ بِلَا عِوَجٍ، وسَدُّ الخَلَلِ بِلَا فُرَجٍ, وَوَصْلُ الصَّفِّ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ.

 

وَمِنَ السُّنَنِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الصُّفُوفِ: إِتْيَانُ الإِمامِ بِنَفْسِهِ بَيْنَ الصُّفُوفِ لِتَسْوِيَتِهَا، أو إِرسالُ مَنْ يَنُوْبُهُ, فَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، يُسَوِّيْهِمْ, وكَانَ عُثْمَانُ لَا يُكَبِّرُ، حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، فَيُخْبِرُونَهُ أَنْ قَدِ اسْتَوَتْ، فَيُكَبِّرُ, وَابْنُ عُمَرَ يَقُوْلُ: "لَأَنْ يَخِرَّ ثَنِيَّتَايَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِي الصَّفِّ خَلَلاً وَلَا أَسُدَّهُ".

 

وهَذِهِ دَعْوَةٌ تَخُصُّ أَئِمَّةَ الْمَسَاجِدِ: أَنْ يُطَبِّقُوا سُنَّةَ سَدِّ الفُرَجِ، لا سِيَّمَا وَالنَّاسُ مَضَى لَهُمْ سَنَتَانِ مَعَ التَّبَاعُدِ, ولا يَكْتَفُوا بِكَلِمةِ: "اسْتَوَوْا" دُوْنَ تَعْدِيْلٍ وَسَدٍّ، "فتَسْوِيَةُ الإِمَامِ للصَّفِّ واجِبَةٌ، وَالجَمَاعَةُ إِذَا لَمْ يُسَوُّوُا الصَّفَّ فَهُمْ آثِمُوْنَ"(الشرح الممتع 3/10).

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمْدُ للهِ عَلَى نِعْمَةِ إِحْيَاءِ وَحُبِّ السُّنَّةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ أَتَى بِالسُّنَّةِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُوْلَ: مَا الفَوَائِدُ مِنْ تَسْوِيَتِنَا لِصُفُوفِ صَلَاتِنَا؟ فيُقَالُ: إِلَيْكَ عَشْرَ فَوَائِدَ:

الأولى: نَقْتَدِيْ برَسُولِنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذِيْ كَانَ يُسَوِّي الصُفُوفَ، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ, بَلْ كَانَ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ؛ يَمْسَحُ صُدُورَهُمْ وَمَنَاكِبَهُمْ. (رواه أبُو دَاوُدَ).

 

الثانية: نَتَشَبَّهُ بِالمَلائِكَةِ الكِرَامِ, قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ"(صحيح مسلم).

 

الثالثة: يَعْظُمُ أَجْرُنَا, قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ما مِنْ خُطْوَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ خُطْوَةٍ مَشَاهَا رَجُلٌ إِلَى فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ فَسَدَّهَا"(المعجم الأوسط).

 

الرابعة: تَرْتَفِعُ دَرَجَاتُنَا, قَالَ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ سَدَّ فُرْجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً"(سنن ابن ماجه).

 

الخامسة: يَصِلُنَا اللهُ وَيَزِيْدُ فِي بِرِّنَا, قَالَ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ"(سنن أبي داود).

 

السادسة: يُثْنِيْ اللهُ عَلَيْنَا، وَالمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَنَا, قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ"(سنن ابن ماجه).

 

السابعة: نَتَّقِيْ الإِثْمَ والوَعِيْدَ، فَقَدْ رَأَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ؛ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ"(صحيح مسلم), وَهَذَا وَعِيْدٌ، وَلَا وَعِيْدَ إلَّا عَلى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ. (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين).

 

الثامنة: نَقْطَعُ الطَّرِيْقَ عَلى الشَّيْطَانِ ألَّا يُفْسِدَ صَلَاتَنَا بِالوَسْوَسَةِ وَالشُّكُوْكِ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لاَ تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ"(سنن أبي داود).

 

التاسعة: تَتَآلَفُ قُلُوبُنَا؛ فتَقَارُبُ الْأَبْدَانِ يَجْلِبُ تَقَارُبَ الْقُلُوبِ، وَصَلَاحُ الظَّاهِرِ لَهُ أَثَرٌ فِي صَلَاحِ الْبَاطِنِ, قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ"(سنن أبي داود).

 

العاشرة: نَتَعَلَّمُ النِّظَامَ وَالدِّقَّةَ فِي أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ وَفِي أَفْضَلِ الْبِقَاعِ, وَهَذَا تَنْبِيْهٌ لِمَنْ فُتِنَ بِحَضَارَةِ الْغَرْبِ وَالشّرْقِ أنَّ إِسْلَامَنَا يَحُثُّ عَلَى النِّظَامِ, وَكَمْ أَسْلَمَ مِنْ كَافِرٍ بِسَبَبِ مَنْظَرِ تَرَاصِّ صُفُوفِ الْمُصَلِّينَ أَمَامَ الْكَعْبَةِ!.

 

فاللهم أَحْيِنَا عَلى السُّنَّةِ وَالْإِسْلَام، وأَمِتْنَا عَلَيْهِمَا, اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى انْحِسَارِ الْوَبَاءِ، وَإلْغَاءِ التَّبَاعُدِ بِالْمَسَاجِدِ، وَالعَوْدَةِ الحُضُورِيَّةِ, اللَّهُمَّ وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى وُلَاةٍ يَحْرِصُونَ عَلَى صِحَّتِنَا وَسَلَامَتِنَا وَحِمَايَتِنَا وَرِعَايَتِنَا، وَيَسْتَرْخِصُونَ المِلْيَارَاتِ فِي سَبِيلِ خِدْمَةِ الْمُسْلِمِينَ والحَرَمَيْنِ, اللهم حسّنْ أخلاقَنا، وبارِكْ أرزاقَنا واقضِ ديونَنا, واجمعْ شؤونَنا، وأرخِصْ أسعارَنا.

 

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

 

 

المرفقات

تراصوا.pdf

تراصوا.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات