تأملات كونية

ناصر بن محمد الأحمد

2014-11-10 - 1436/01/17
عناصر الخطبة
1/نظرة المؤمن للكوارث والأحداث الكونية وعقيدته في ذلك 2/تأملات إيمانية في الأحداث الكونية وبعض مشاهد غفلة الناس عن ذلك 3/خوف النبي -صلى الله عليه وسلم- وفزعه عندما كسفت الشمس 4/بعض العبادات المشروعة عند حدوث الكسوف 5/زيارة قبور المعذبين من الأمم السابقة وبعض حكم ذلك 6/تأملات إيمانية في زلزال تركيا 7/بعض أسباب حدوث الكوارث والزلازل 8/أنواع العقوبات الإلهية وبعض حكمها

اقتباس

لقد تحولت ظاهرة الكسوف في ظل هذا الإعلام إلى احتفالات وموسم للسياحة الداخلية والخارجية، وتحول الخوف والفزع، والتذكر والاتعاظ الذي ينبغي أن يصاحب مثل هذه الآية العظيمة، إلى شيء آخر، أنسانا مثل هذه المفاهيم، ولعل جولة في الصحافة الداخلية والخارجية تعطي الإنسان دليلاً واضحاً على...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

مرّ على العالم في الأيام الماضية حدثان عظيمان، يتعلقان بهذا الكون الذي من حولنا:

 

الأول: كسوف الشمس.

 

والثاني: الزلزال العظيم الذي أصاب -تركيا-، فخلّف آلافاً من الضحايا والمشردين.

 

والمسلم عندما تمر عليه مثل هذه الأحداث العظيمة وغيرها المتعلقة بالكون من حوله، ينبغي أن تكون له وقفة تأمل واعتبار.

 

وهذه الوقفة تنطلق من العقيدة التي رسخت في قلبه، وانعكست على تصوراته للكون من حوله، وهذا هو المهم.

 

أما أهل المناهج المادية الأرضية البحتة، فإنهم ينطلقون من تصوراتهم المادية لمثل هذه الأحداث، والمسلم له منطلقاته التي يحكم بها حياته هو، ونظرته إلى ما حوله من الأحداث، فقلب المسلم معلق دائماً بالله، ما يرى من نعمة إلاّ ويعلم أنها من عند الله، وما يرى من مصيبة إلاّ ويعلم أنها بما كسبت يداه: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)[الشورى: 30].

 

ويعلم المسلم: أن الكون بإنسه وجنّه، وسمائه أرضه، وكواكبه ونجومه، ومخلوقاته، ما علمنا منها وما لم نعلم، إنما هي مسخرة بأمر الله، يتصرف فيها كيف يشاء سبحانه، ولا معترض عليه.

 

والمسلم بما يحمل من عقيدة التوحيد، يعلم أن الضر والنفع بيد الله، وأن ما يجري من زلازل وبراكين، وأمطار وأعاصير، ورياح وكسوف وخسوف، إنما هي بقدر من الله، لحكمة يريدها الله، علمها البشر أو غابت عنهم.

 

ويعلم المسلم أيضاً: أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الواجب عليه عند حلول المصيبة أن يصبر ويحتسب.

 

فالمسلم دائماً يتأثر قلبه بالآيات الكونية التي يراها ماثلة أمام عينيه، وهذه الآيات تذكره بالله، وتحيي قلبه، وتجدد الإيمان فيه، وتجعله متصلاً بالله، ذاكراً له، شاكراً لنعمه، مستجيراً بالله من نقمته وسخطه.

 

أيها المسلمون: إن مما يحزن له المسلم أن يجد بعض المسلمين ينسى مثل هذه الحقائق الإيمانية العظيمة في خضم الأحداث التي قد تفجأْه، فترى البعض ينسب مثل هذه الأحداث الكونية إلى الطبيعة ناسياً أو متناسياً قدرة الله العظيمة، أو متأثراً باللوثة المادية، وأن الطبيعة تخبط خبط عشواء -زعموا-، أو يكون متبعاً للدراسات والتقارير التي تصدر عن الجهات التي لا تقيم للدين وزناً، فتجد إحدى الصحف التي يشرف عليها أناس من أهل الإسلام، تقول في تغطيتها لأحداث الزلزال الذي أصاب تركيا: "قصد كثير من الأوربيين اسطنبول لمشاهدة الكسوف، ففاجأتهم الطبيعة بمظهر آخر من مظاهرها الخارقة والفتاكة في آن" انتهى.

 

فالكاتب يعزو ما حصل من المظهر الأول: وهو الكسوف، والمظهر الثاني: وهو الزلزال، إلى الطبيعة، ولك أن تتأمل في ذلك.

 

فها هنا وقفتان، كل وقفة مع ظاهرة:

 

الأولى: كسوف الشمس:

 

أيها المسلمون: إننا -نحن المسلمين- نقر بأن لهذه الظواهر الكونية أسباباً طبيعية، وأن أهل الفلك يستطيعون معرفة وقوعه قبل وقوعه، عن طريق حسابات دقيقة، ويحدد باليوم والساعة والدقيقة.

 

ونقر أيضاً ونعتقد بأن لهذه الظواهر أسباباً شرعية أيضاً، وهي المهمة، وأنها ابتلاءات يخوف الله بها عباده، من عاقبة ما يفعلون، ومن جرم ما يرتكبون، جعلها الله أسباباً لنستيقظ من غفلتنا، ولنحاسب أنفسنا، ولنلتفت إلى واقعنا، فنحدث بعدها توبة، ونصحح ما عنّ فيه من أخطاء.  

 

إن ذهاب نور الشمس والقمر كله أو بعضه -أيها الأحبة- ما هو إلا إنذار وتذكير للعباد ليقوموا بما يجب عليهم من أوامر الله، ويبتعدوا عما حرم عليهم من نواهي.

 

ولذلك كثر الخسوف في هذا العصر عما كان عليه الحال فيما مضى، فلا تكاد تمضي السنة حتى يحدث كسوف أو خسوف، في الشمس أو القمر، أو فيهما جميعاً، وذلك لكثرة المعاصي والفتن في هذا الزمن، مع أنه في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحصل إلا مرة واحدة.

 

لقد انغمس أكثر الناس في شهوات الدنيا، ونسوا أهوال الآخرة، أترفوا أبدانهم، وأتلفوا أديانهم، أقبلوا على الأمور المادية المحسوسة، وأعرضوا عن الأمور الغيبية الموعودة، التي هي المصير الحتمي، والغاية الأكيدة: (فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ)[الذاريات: 60].

 

عباد الله: في الأيام المنصرمة كثر الكلام والتنبؤات التي طغت على الإعلام العالمي بأجمع، ولم يكن الإعلام الإسلامي ظاهراً، ولكنه كان غائباً حقيقةً ومنهجاً، فكان تبعاً للإعلام الغربي يردد ما يقول حرفياً دون أن تظهر السمة الإسلامية في التحليل والمتابعة ـ

 

إلاّ من رحم الله وقليل ما هم.

 

لقد تحولت ظاهرة الكسوف في ظل هذا الإعلام إلى احتفالات وموسم للسياحة الداخلية والخارجية، وتحول الخوف والفزع، والتذكر والاتعاظ الذي ينبغي أن يصاحب مثل هذه الآية العظيمة، إلى شيء آخر، أنسانا مثل هذه المفاهيم، ولعل جولة في الصحافة الداخلية والخارجية تعطي الإنسان دليلاً واضحاً على ما نقول، وأصبح الخوف والفزع الذي يجب أن يعصر القلوب، تحول إلى خوف على العيون أن لا يصيبها داء الكسوف.

 

ولست أقلل هنا من الآثار التي قد تنجم من النظر إلى الشمس وهي في كسوفها، ولكن أشير إلى أن الأمر تحول عن الخوف الأساسي إلى خوف سمه "فرعياً".

 

وليت الذين كتبوا عن النظر إلى الكسوف كتبوا بنفس القدر عن الحكمة الأساسية من وراء الكسوف والخسوف، وهي أنهما آيتان يخوف الله بهما عباده.

 

نشرت جريدة الحياة في أحد أعدادها مقالاً لكاتب سخيف، وهو يعلق على ظاهرة الكسوف، فيقول: إذا خرجت ورأيت الكسوف وأصابك الفزع والخوف، فخذ نفساً -هكذا فخذ نفساً- كتم الله نفسه، أين هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- حال الكسوف؟ ولماذا تشوه عقائد الناس إلى هذه الصورة الممجوجة؟

 

وسمعنا بأنه قد تم بيع نظارات على البُله من الناس لحماية أعينهم من الكسوف وصلت إلى ألف ريال.

 

إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لماّ كسفت الشمس على عهده خرج فزعاً، يجر رداءه مستعجلاً يخشى أن تكون الساعة؛ جاء في رواية مسلم: أنه من فزعه صلى الله عليه وسلم أخطأ فخرج بدرع بعض نسائه لظنه رداءه حتى أدركوه بالرداء.

 

قال ابن حجر: يعني أنه أراد لبس ردائه، فلبس الدرع من شغل خاطره بذلك، وكان يوماً شديد الحر حتى أتى المسجد، ونودي ب"الصلاة جامعة" فصلى بهم صلاة طويلة، وسُمع وهو في سجوده، يقول: "رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟".

 

ثم خطب الناس، ووعظهم موعظة بليغة، وبيّن أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا للصلاة، فافزعوا إلى المساجد، فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره.

 

وفي رواية: "فادعوا وتصدقوا وصلوا".

 

ثم قال: يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لا قوة من أمر دنياكم وآخرتكم، ما من شيء لم أكن رأيته إلا رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار.

 

رأيت النار يحطم بعضها بعضاً، فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع منه، ورأيت فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه، ورأيت فيها امرأة تعذب في هرة لها، ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ولقد رأيتكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال، يؤتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرجل، فأما المؤمن فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وآمنا واتبعنا، فيقال: نم صالحاً.

 

وأما المنافق، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ثم ذكر الدجال، وقال: لن تروا ذلك حتى تروا أموراً يتفاقم شأنها في أنفسكم، وحتى تزول جبال عن مراتبها، ثم قال: ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي فأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل" إلى آخر تلك الخطبة العظيمة البليغة الجامعة.

 

فأين نحن من ذلك كله، وقد أحلنا ظاهرة الكسوف إلى احتفال كرنفالي عجيب؟!

 

فيا أيها المسلمون: هل تظنون أن فزع النبي -صلى الله عليه وسلم- وخروجه إلى المسجد ثم الصلاة ثم بعدها تلك الخطبة، وما حصل له فيها من أحوال، هل كل ذلك يكون لأمر عادي؟

 

لا -والله- إنه لا يكون إلا لأمر عظيم مخيف.

 

فعلينا في مثل هذه الأحوال: أن نفزع كما فزع نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وأن نلجأ إلى مساجد الله للصلاة والدعاء والاستغفار، وأن نتصدق لندفع عن أنفسنا البلاء.

وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعتاق في كسوف الشمس؛ لأن عتق الرقبة، فكاك للمعتق من النار.

 

فأسباب البلاء والانتقام بسبب فعل العباد، عند حدوث الكسوف أو الخسوف قد انعقدت، والفزع إلى الصلاة والصدقة، يدفع تلك الأسباب.

 

فإلى متى -أيها الأحبة- نسلم عقولنا وعقائدنا ومسلماتنا للإعلام، قد تجد عذراً لبعض الناس عندما يضحك عليهم الإعلام في قضايا سياسية، أو تحليلات واقعية، أو يعطي بعض المعلومات الخاطئة، أو الإحصائيات المزيفة.

 

لكن أن يصل إلى درجة العبث بمسلمات ثابتة من الدين ثم ينطلي هذا على الناس، هذا هو الذي يدمي القلب.

 

فكفانا غفلة -أيها الأحبة- عن سنن الله في كونه، وما يحدث فيها من تقلبات، وإن لم نكن على وعي تام ومعرفة بأساليب العلمانيين وكتاباتهم، فنخشى أن تغير مسلماتنا ونحن لا نشعر.

 

روى البخاري ومسلم: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف في وجهه، فقالت عائشة -رضي الله عنهما-: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا غيماً فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا".

 

أيها المسلمون: والشيء بالشيء يذكر، فمن المسلّمات التي يسعى لتغييرها، وتهوين شأنها عند الناس: زيارة ديار المعذبين.

 

الذي أمر به الشرع أن يهتز قلب المسلم تأثراً، وأن تسيل دموعه تذكراً، وهو يمر بديار المعذبين، ذلك أنه يستشعر الرهبة وهو يمر على الديار التي طغت وتجبرت وعاندت واستكبرت حتى استحقت أن ينزل عليها غضب الرب -تبارك وتعالى-، ينبغي أن يتأثر وهو يمر بمواقع الخسف والعذاب وقبور المشركين.

 

روى البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تدخلوا على هؤلاء المُعذبين إلاّ أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يُصيبكم ما أصابهم".

 

وفي البخاري: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لمّا مر بالحجر، قال: "طلا تدخلوا مساكن القوم الذين ظلموا أنفسهم، إلاّ أن تكونوا باكين: أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنّع بردائه وهو على الرحل".

 

وفي رواية: "ثم قنّع رأسه و أسرع السير، حتى أجاز الوادي".

 

وفي رواية: "ثم زجر فأسرع حتى خلفها".

 

والمقصود ب"الحجر" هنا هي مدائن صالح، قال ابن حجر: "إن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء، مما وقع فيه أولئك من الكفر، مع تمكين الله لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك".

 

وقال: "فمن مر عليهم، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودل على قسوة قلبه، وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم" انتهى.

 

ومع الأسف: أمام هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نجد أن البعض لا زال يدعو إلى فتح أبواب السياحة، إلى مثل هذه المناطق، وتحويلها إلى مزارات ومناطق احتفالات- ولا حول ولا قوة إلا بالله-.  

 

أسأل الله -تعالى- أن يبصرنا بديننا، وأن يوقظنا من غفلتنا..

 

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، واتباع سنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

أقول هذه القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد:

 

الوقفة الثانية: مع زلزال تركيا:

 

فقد سمعتم، بل وربما شاهدتم عبر وسائل الإعلام، بعض آثار الزلزال الذي ضرب تركيا، فأهلك عشرات الآلاف من البشر -فاللهم لا شماتة-.

 

أيها المسلمون: إن هذه الأرض التي نعيش عليها من نعم الله الكبرى، فإن الله -سبحانه وتعالى- قد مكننا من هذه الأرض، نعيش على ظهرها وندفن موتانا في باطنها، قال الله -تعالى-: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاء وَأَمْوتاً)[المراسلات: 25- 26].

 

وقال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَـاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)[طه: 55].

 

وقال تعالى: (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ)[الأعراف: 25].

 

وقال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّـاكُمْ فِى الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)[الأعراف: 10].

 

وقال تعالى: (هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)[الملك: 15].

 

والآيات في هذا كثيرة.

 

ومن رحمته: أنه جعلها ثابتة مستقرة لا تتحرك، وأرساها بالجبال حتى نتمكن من البناء عليها، والعيش على ظهرها.

 

وفي بعض الأحيان يجعل الله -عز وجل- هذه الأرض جنداً من جنوده، فتتحرك وتميد، وتحصل الزلازل المدمرة تخويفاً للعباد، وتـأديباً للبعض الآخر: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِي إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)[المدثر: 31].

 

فهذه الزلازل لا شك -عندنا نحن المسلمين- أنها عقوبات ربانية من الله على ما يرتكبه العباد من الكفر والفسوق والعصيان؛ كما قال بعض السلف لما زلزلت الأرض: "إن ربكم يستعتبكم".

 

ولما وقع زلزال بالمدينة في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قام فيهم خطيباً ووعظهم، وقال: "لئن عادت لا أساكنكم فيها".

 

لعلم عمر بأن ما حصل ما هو إلا بسبب ذنوب الناس، وأن هذا تهديد وعقوبة من الله -عز وجل-.

 

وما يقوله بعض المتحذلقين من الجغرافيين والعلمانيين بأن هذه الزلازل ظواهر طبيعية لها أسباب معروفة، لا علاقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم، حتى صار الناس لا يخافون عند حدوثها، ولا يعتبرون بها، فيستمرون في غيهم وبغيهم، ولا يتوبون من كفرهم ومعاصيهم، كلام باطل.

 

إن الكتاب والسنة يدلان على أن هذه الزلازل كغيرها من الكوارث، إنما تصيب العباد بسبب ذنوبهم، وكونها تقع لأسباب معروفة لا يخرجها عن كونها مقدرة من الله -سبحانه- على العباد لذنوبهم، قال الله -تعالى-: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)[الإسراء: 16].

 

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ" يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَاكَ؟ قَال: "إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ".

 

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: "يَكُونُ فِي آخِرِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ" قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا ظَهَرَ الْخُبْثُ".

 

وهل يشك عاقل بظهور الخبث وفشوه وانتشاره؟!

 

إن بلاداً من بلاد الله الواسعة، كانت قائمة شاخصة، فظلم سكانها أنفسهم، فحل بهم أمر الله وسنته: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَـاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْورِثِينَ)[القصص: 58].

 

لقد عمّ قوم نوح الغرق، وأهلكت عاداً الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقلبت على اللوطية ديارهم، فجعل الله عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل، فساء مطر المنذرين: (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[العنكبوت: 40].

 

إنها الحقيقة الصارخة: (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) تلكم الذنوب، وتلكم عواقبها وما هي من الظالمين من أمثالنا ببعيد.

 

ما ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها، ولا فشت في أمة إلا أذلتها، ولا تخلخلت في دولة إلا أسقطتها.

 

إنه ليس بين أحد وبين الله نسب.

 

ولا يعني أن أقواماً أو مجتمعات لم يصبها شيء أنها على الاستقامة، كلا، ولكن الله يمهل حتى يعتبر الناس ولا يهمل.

 

والعقوبات الربانية تختلف، فقد يكون زلزالاً، وقد يكون حروباً، وقد يكون تدهوراً في الاقتصاد، وسوء للأوضاع المالية، وقد يكون، وقد يكون.

 

إن تركيا في يوم من الأيام كانت هي حاملة لواء الإسلام، وكانت تمثل الدولة الإسلامية، وقد أرعبت العالم كله في وقتها عندما كانت قائمة بأمر الدين حاملة لواء الجهاد في سبيل الله، حينها كسرت أنف دول أوربا بجهادها وفتوحاتها.

 

كان ذلك عندما كان لها تميزها بدينها وتحكيمها لشريعة ربها.

 

واليوم لا تكاد تفرق بينها وبين أية دولة أوربية، بل إنها لتحاول الانفصال ولو اسمياً عن كونها دولة إسلامية، وتعتبر نفسها أحد دول أوربا -فاللهم لا شماتة-.

 

قال الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)[الأعراف: 94-102].

 

أيها المسلمون: كلمة أخيرة: إن الزلزال الذي ضرب تركيا، وأحدث هذا التخريب العظيم على هذه المساحة الشاسعة، وفي مكان لم يكن حسب تقديرات الجغرافيين، وفي وقت لم يتوقعوه، وحصل على إثره وفاة عشرات الآلاف، كل هذا حصل -أيها الأحبة- في خمس وأربعين ثانية.

 

ف"لا إله إلا الله" إن قدرة الله أعظم من هذا، ما هي إلا كن فيكون، فهل من معتبر؟!

 

 

 

المرفقات

كونية

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات