بين يدي رمضان

صالح بن عبد الله بن حميد

2022-10-05 - 1444/03/09
التصنيفات: الصوم
عناصر الخطبة
1/العبرة من تعاقب الأيام والسنين 2/ نعمة بلوغ رمضان 3/ في استقبال رمضان 4/ من أسرار التشريع في الصيام 5/ كيف يستقبل المحرومون رمضان؟! 6/ الاجتهاد في رمضان.
اهداف الخطبة
الحث على استغلال رمضان بالاجتهاد في الأعمال الصالحة / بيان شئ من أسرار التشريع في رمضان.
عنوان فرعي أول
أتاكم شهر رمضان
عنوان فرعي ثاني
رمضان مدرسة المعاني السامية
عنوان فرعي ثالث
المحرومون في رمضان

اقتباس

الألسنة صائمة عن الرفث والجهل والصخب، والآذان معرضة عن السماع المحرم، والأعين محفوظة عن النظر المحظور، والقلوب كافة لا تعزم على إثم أو خطيئة. في النهار عمل وإتقان. وفي الليل تهجدُ وقرآن. صحة للأجساد، وتهذيب للنفوس، وضبط للإرادات، وإيقاظ لمشاعر الرحمة، وتدريب على الصبر والرضا، واستسلامٌ لله رب العالمين.

 

 

 

 

الحمد لله ما تعاقبَ الجديدان وتكررت المواسمُ. أحمده سبحانه وأشكره شكرَ الصائمِ القائمِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسولهُ حميدُ الشِّيَمِ وعظيمَ المكارم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه كانوا على نهج الهدى معالم، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعدُ:

معاشرَ الإخوة: تُطوى الليالي والأيامُ، وتنصرمُ الشهورُ الأعوامُ، فمن الناس من قضى نحبَه ومنهم من ينتظر، وإذا بلغ الكتابُ أجله فلا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون.
ومن يَعِشْ فإنه يرى حُلواً ومراً؛ فلا الحلو دائمٌ، ولا المرُّ جاثمٌ، والليلُ والنهار متعاقبان، والآلام تكونُ من بعد زوالها أحاديث وذكرى. ولا يبقى للإنسان إلا ما حمله زاداً للحياة الأخرى.
يشبُ الصغير، ويهرم الكبير، وينظر المرء ما قدمت يداه، وكل يجري إلى أجل مسمى.
قعدت بالمؤملين آجالهم عن بلوغ آمالهم. وعدوا أنفسهم بالصالحات فعاجلهم أمر الله. كل الناس يغدو في أهدافٍ وآمال ورغبات وأماني، ولكن أين الحازمون وأين الكيسون؟؟.

 
أيها المسلمون: لقد أظلكم شهر عظيم مبارك كنتم قد وعدتم أنفسكم قبله أعواماً ومواسم، ولعل بعضاً قد أمل وسوف وقصر فها هو قد مد له في أجله وأُنسىءَ له في عمره فماذا عساه فاعل؟؟.
إن بلوغ رمضان نعمة كبرى، يقدرها حق قدرها الصالحون المشمرون.
إن واجب الأحياء استشعارُ هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة.

 
إنها إن فاتت كانت حسرةً ما بعدها حسرة، أي خسارة أعظم من أن يدخل المرء فيمن عناهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بحديثه على منبره في مساءلة بينه وبين جبريل الأمين: "من أدرك شهر رمضان فلم يُغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين".
من حرم المغفرة في شهر المغفرة فماذا يرتجى؟؟.
إن بلوغ الشهر أمنية كانت يتمناها نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ويسألها ربه حتى كان يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".

إن العمل الجد لا يكون على تمامه ولا يقوم به صاحبه على كماله إلا حين يتهيأ له تمام التهيؤ، فيستثير في النفس همتها، ويحدوه الشوق بمحبةٍ صادقة ورغبة مخلصة.
وفي مقام الاستقبال والترحيب بشهر رمضان المعظم يقول عليه الصلاة والسلام مخاطباً أصحابه وأمته من بعدهم: "أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحباً به وأهلاً".
وفي حديث عبادة: "أتاكم شهر رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً. فإن الشقي من حرم رحمة الله".

 
في استقبال شهر الصوم تجديد لطيف الذكريات، وعهود الطهر والصفاء والعفة والنقاء.. ترفع عن مزالق الإثم والخطيئة. إنه شهر الطاعات بأنواعها؛ صيام وقيام، جود وقرآن، وصلوات وإحسان، تهجد وتراويح، وأذكار وتسبيح، له في نفوس الصالحين بهجة، وفي قلوب المتعبدين فرحة، وحسبكم في فضائله أن أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار. رب ساعة قبول أدركت عبداً فبلغ بها درجات الرضى والرضوان.

 
في الصيام تتجلى عند الصائمين القوى الإيمانية، والعزائم التعبدية؛ يدعون ما يشتهون، ويصبرون على ما لا يشتهون. في الصيام يتجلى في نفوس أهل الإيمان الانقياد لأوامر الله، وهجر الرغائب والمشتهيات، يدعون رغائب حاضرة لموعد غيب لم يروه، إنه قيادة للشهوات وليس انقياداً لها.

 
في النفوس نوازع شهوة وهوى، وفي الصدور دوافع غضب وانتقام، وفي الحياة تقلب في السراء والضراء، وفي دروب العمر خطوب ومشاق، ولا يدافع ذلك إلا بالصبر والمصابرة، ولا يتحمل العناء إلا بصدق المنهج وحسن المراقبة.

 
وما الصوم إلا ترويض للغرائز، وضبط للنوازع، والناجحون – عند العقلاء- هم الذين يتجاوزون الصعاب ويتحملون التكاليف، ويصبرون في الشدائد. تعظم النفوس، ويعلو أصحابها حين تترك كثيراً من اللذائذ، وتنفطم عن كثير من الرغائب، والراحة لا تنال بالراحة، ولا يكون الوصول إلى المعالي إلا على جسور التعب والنصب، ومن طلب عظيماً خاطر بعظيمته، وسلعة الله غالية، وركوب الصعاب هو السبيل إلى المجد العالي.. والنفوس الكبارُ تتعب في مرادها الأجسام.

 
إن عُبَّاد المادة وأرباب الهوى يعيشون ليوم حاضر.. يطلقون لغرائزهم العنان.. إذا أحرزوا نصيباً طلبواً غيره. شهواتهم مسعورة، وأهواءهم محمومة، ونفوسهم مأفونة: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر:3] .
يجعلون مكاسبهم وقوداً لشهواتهم وحطباً لملذاتهم. ويوم القيامة يتجرعون الغصة:(ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) [غافر:75].
وما فسدت أنظمة الدنيا إلا حين تولت عن توجيهات الديانة وتعليمات الملة (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد:22 ].

إنها الأنعام السوائب والضوال من البهائم تفعل ما تحب وتدع ما يضايقها، لا تنازع عندها بين شهوات وواجبات.
وحينما يقود الإنسان رشده فإنه يحكم رغائبه، وإلا فهو إلى الدواب أقرب، بل إنه منها أضل (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) [الفرقان:43-44].

ولعلكم بهذا أيها الإخوة تدركون أسراراً من التشريع في الصيام. فهو الضبط المحكم للشهوات، والاستعلاء على كثير من الرغبات. إنه زاد الروح ومتاع القلب.. تسمو به همم المؤمنين إلى ساحات المقربين.. يرتفع به العبد عن الإخلاد إلى الأرض ليكون أهلاً لجنةٍ عرضها السموات والأرض.

 
عباد الله: جديرٌ بشهر هذه بعض أسراره، وتلك بعض خصاله أن يفرح به المتعبدون، ويتنافس في خيراته المتنافسون. أين هذا من أناس استقبالهم له تأففٌ، وقدومه عليهم عبوس؟
لقد هرم فيه أقوام فزلت بهم أقدامٌ. اتبعوا أهواءهم، فانتهكوا الحرمات، واجترأوا على المعاصي، فباءوا بالخسار والتبار.

 
في الناس من لا يعرف من رمضان إلا الموائد وصنوف المطاعم والمشارب، يقضي نهاره نائماً، ويقطع ليله هائماً.
وفيهم مَنْ رمضانه بيعٌ وشراءٌ، يشتغل به عن المسابقة إلى الخيرات، وشهود الصلوات في الجماعات. فهل ترى أضعف همة وأبخس بضاعة ممن أنعم الله عليه بإدراك شهر المغفرة ثم لم يتعرض فيه للنفحات؟؟.

 
أمةَ الصيام والقيام: اتقوا الله؛ وأكرموا هذا الوافد العظيم، جاهدوا النفوس بالطاعات. ابذلوا الفضل من أموالكم في البر والصلات، استقبلوه بالتوبة الصادقة والرجوع إلى الله. جددوا العهد مع ربكم، وشدوا العزم على الاستقامة، فكم من مؤمل بلوغه أصبح رهين القبور.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185].

 

  الخطبة الثانية:

 

الحمد لله جعل الصيام جُنَّةً، وسبباً موصلاً إلى الجنة، أحمده سبحانه وأشكره هدى ويسر فضلاً منه ومنّة. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. جعلنا على أوضح محجةٍ وأقوم سنة، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.. نفوسهم بالإيمان مطمئنة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، فها هو من طالت غيبته قد قرب، فيا غيوم الغفلة تقشعي، ويا قلوب المشفقين اخشعي، ويا جوارح المتهجدين اسجدي لربك واركعي، وبغير جنان الخلد أيها الهمم العالية لا تقنعي.
طوبى لمن أجاب وأصاب، وويل لمن طُرد عن الباب.

 
ها هو الشهر الكريم يحل بالساحات، فاستعدوا واجتهدوا، فهي المواسم والفرص، فما أكرم الله أمة بمثل ما أكرم به أمة محمد صلى الله عليه وسلم. في هذا الشهر، ذنوب مغفورة، وعيوب مستورة، ومضاعفة للأجور، وعتق من النار.
يجوع الصائم وهو قادر على الطعام، ويعاني من العطش وهو قادر على الشراب، لا رقيب عليه إلا الله، يدعُ طعامه وشرابه وشهوته لأجل الله تبارك وتعالى.

الألسنة صائمة عن الرفث والجهل والصخب، والآذان معرضة عن السماع المحرم، والأعين محفوظة عن النظر المحظور، والقلوب كافة لا تعزم على إثم أو خطيئة. في النهار عمل وإتقان. وفي الليل تهجدُ وقرآن. صحة للأجساد، وتهذيب للنفوس، وضبط للإرادات، وإيقاظ لمشاعر الرحمة، وتدريب على الصبر والرضا، واستسلامٌ لله رب العالمين.

فاجتهدوا رحمكم الله واعرفوا لشهركم فضله، وأملوا وأبشروا.

 

 

 

 

 

المرفقات

143

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات