بيت المقدس من شعبان الاحتلال إلى رجب التحرير

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-02-24 - 1442/07/12
التصنيفات: وقائع تاريخية

اقتباس

مدينة القدس تسقط بين الصليبيين بعد حصار استمر خمسة أسابيع، وما إن دخلها الصليبيون حتى قاموا بمذبحة رهيبة لم يسمع التاريخ الإنساني بمثلها لوقتها؛ فقد أبيحت المدينة وسكانها على مدى ثلاثة أيام للنهب والسلب والقتل...

مشاهد ثلاثة تروي باختصار قصة أكثر من تسعين سنة من المعاناة والصراع والكفاح والجهاد في سبيل الله، إنها قصة بيت المقدس من الاحتلال حتى التحرير.

 

المشهد الأول: نوفمبر 1095م -488ه، وفى حقل فسيح بين التلال في ضواحي مدينة كليرمون في الجنوب الفرنسي، حيث دعا بابا روما "أوربان الثاني" -الفرنسي الأصل- لأكبر اجتماع للقساوسة والكرادلة والرهبان في تاريخ النصرانية، بالإضافة للعديد من ملوك وأمراء وكونتات أوروبا، لاتخاذ أخطر قرار في القرون الوسطى، وقد بدأ الاجتماع بخطبة حماسية كانت بمثابة "إعلان حرب مقدسة" ضد العالم الإسلامي. ولعبت كلمات البابا التي كانت خليطاً من الكذب والافتراء والتعصب والكراهية الدينية والتحريض الحماسي على العالم الإسلامي، على أوتار الطمع والعنف، والتعصب الديني، والكراهية التاريخية، والطموح السياسي والعسكري في نفوس الحاضرين؛ فانطلقت الصيحات من كل جانب بحماسة أرادها " أوربان الثاني" منذ البداية؛ "الرب يريدها، الرب يريدها". وهكذا بدأت الحروب الصليبية.

 

المشهد الثاني: منتصف شهر يوليو سنة 1099م، 22شعبان سنة 492ه مدينة القدس تسقط بين الصليبيين بعد حصار استمر خمسة أسابيع، وما إن دخلها الصليبيون حتى قاموا بمذبحة رهيبة لم يسمع التاريخ الإنساني بمثلها لوقتها؛ فقد أبيحت المدينة وسكانها على مدى ثلاثة أيام للنهب والسلب والقتل؛ فقتل سبعون ألفاً من أهلها وزوار بيت المقدس، وغاصت خيول الصليبيين المتعطشين لسفك الدماء في بحور الدماء وبين أشلاء الجثث. بعدها اجتمع الصليبيون في كنيسة القيامة لأداء صلاة الشكر على ما فعله وارتكبوه بحق المسلمين ومقدساتهم. قاموا بعدها على الفور بتخريب بيت المسجد الأقصى ونهب محتوياته، ثم تحويله إلى إسطبل لخيولهم.

 

المشهد الثالث: 2أكتوبر سنة 1187م/27الموافق رجب سنة 583 ه، صلاح الدين الأيوبي يدخل بيت المقدس بعد حصاره لعدة أسابيع، ولكن هذه المرة كان المشهد إنسانيا يناقض المشهد الوحشي الهمجي الذي صاحب الاحتلال الفرنجي الصليبي للمدينة، وأقيمت أول صلاة جمعة في القدس الشريف بعد أكثر من تسعين سنة من المنع والإغلاق.

 

وبين هذه المشاهد الثلاثة كانت هناك محطات وشخصيات ومواقف وانتصارات وهزائم وبطولات وخيانات وسقوط دول وقيام أخرى، وتفرق وتشرذم، ثم اتحاد وجهاد حتى تمّ الفتح الكبير وتحرر المسجد الأسير. نرويها باختصار لمن أصاب قلبه الانفطار، ونفسه الانكسار، من واقع المسلمين الأليم، ليعلم أن العاقبة دائماً للمتقين.

 

السقوط المأساوي

لم يكن سقوط بيت المقدس بيد الصليبيين في شعبان سنة 492ه تعبيرا عن توازن القوى الحقيقي بينهم وبين المسلمين؛ وإنما كان نتيجة لاعتبارات أخرى كثيرة، بعيدة كل البعد عن القوة والعدد والعتاد!!

 

فالسقوط كان بسبب تفرق صف المسلمين وتشرذمهم السياسي تحت عشرات الرايات والولاءات والدويلات الصغيرة التي كانت بمثابة الخروق والفتوق في جسد الخلافة الإسلامية الواهنة. السقوط كان ميراث الشك والمرارة بين أمراء المسلمين وقادتهم الذين أعمتهم الأنانية السياسية وقصور النظر وخمول الهمة عن رؤية مصالح الأمة، فكان العقاب على أشد ما يكون؛ عدو خارجي يتسلط على أعز ما يملكون؛ مقدساتهم وحرماتهم. ناهيك عن وجود الدولة العبيدية الشيعية الخبيثة التي كانت بمثابة الورم السرطاني الذي ينخر في جسد الأمة، ويكفي أن نعرف أن بيت المقدس وقتها تحت حكم هذه الدولة الخبيثة، وأن حاكمها "افتخار الدولة" قد انسحب المدينة هو ورجاله الشيعة العبيدية وتركوا المدينة تواجه أبشع مصير.

 

فالوهن وتفرق الصف ووجود العناصر الخبيثة كانوا من أهم مقومات نجاح الصليبيين في احتلال بيت المقدس، فالصليبيون كانوا عبارة عن جماعات من الهمج والرعاع وأسافل الناس، أقل عددا وعدة وأدنى في مستواهم الحضاري وأساليبهم العسكرية من المسلمين، ولكنهم انتصروا، ولم يكن هذا الانتصار ناتجا عن تدخل الرب والقديسين إلى جانب الصليبيين كما زعم مؤرخو الحملة الصليبية الأولى الذين كان معظمهم من رجال الكنيسة الكاثوليك، ولكن بسبب فساد ذات بين المسلمين ووهنهم وتفرق صفهم.

 

فائدة الخطيب: (من أعظم المصائب التي ابتليت بها أمة الإسلام: الاختلاف والتفرق، والتي طالما حذرنا منها القرآن، وكذا رسول الله في السلم والحرب، والشدة والرخاء؛ لأنها سبب كل بلاء وشقاء، وكل دول الإسلام الكبرى مثل دولة الإسلام في الأندلس، ودولة الإسلام في الهند، والدولة الأموية والعباسية والعثمانية والمملوكية، كل هذه الدول الكبرى اسقطها التفرق والاختلاف وفساد ذات البين، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال:46].

 

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكرهُ لكم ثَلاثًا، فيرضى لكم: أَنْ تَعبُدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جَميعًا ولا تَفرَّقوا، ويكرهُ لكم: قيل وقال، وكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعةِ المال"(رواه مسلم).

 

استفاقة ثم سبات

كان لسقوط بيت المقدس بهذه الصورة المأساوية، ومشاهد الدماء والجثث الممزقة والمحترقة، أثر بالغ في نفسية المسلمين، فهول الصدمة كان كبيراً على أمة لم تعتاد أمثال هذه المشاهد الوحشية، لأنها أمة نظيفة راقية حتى في حروبها وفتوحها الإسلامية، لم تقع من جنودها أمثال هذه الجرائم المرعبة. استفاق المسلمون من هول الصدمة على نية الصليبيين الاستيطان والبقاء للأبد في بلادهم، بعد أن ظنوا أنهم مجرد مرتزقة أو غزاة عابرين ينهبون الخيرات والثروات ثم يعودون إلى بلادهم.

 

أصبح أمراً واقعاً وجود أربع ممالك صليبية في بلاد الشام، ومن ثم كان على المسلمين التعامل مع هذا الواقع، أما الرضا والتسليم والاقرار بالهزيمة -وهو مالم يحدث أبداً- وأما الاستعداد لمواجهة هذا الواقع الجديد، وتنظيم الصفوف، ولمّ الجهود، لإعادة الأمور إلى طبيعتها، وطرد هؤلاء الغزاة.

 

جاء رد الفعل من جانب المسلمين في البداية على مستوى الحدث الجلل؛ ففي الشمال كان سلاجقة الروم الأتراك يشنون هجماتهم العنيفة على الفرنج الصليبيين، وأوقفوا خط سير الحملات الصليبية واضطروهم لركوب البحر، بدلاً من المسار البري، بعد أن فتك السلاجقة الروم بحملة الرعاع الصليبية، كما أسروا الأمير بوهيموند حاكم أنطاكية الصليبي، وبلدوين كونت الرها، والأمير جوسلين، وأنزلوا عدة هزائم فادحة بالصليبيين ، وكان أميرهم كمشتكين بن الدانشمند أول أمير مسلم يواجه الصليبيين وينزل بهم الخسائر الضخمة ويأسر قادتهم وأمراءهم، وفى الجنوب شن المصريون الهجمات من قاعدتهم في عسقلان بفلسطين، وأنزلوا بعض الهزائم بالصليبيين، وفي الموصل وحلب برز الأمير ممدود الذي كان أول من حارب الصليبيين من أمراء الشام، والأمير آق سنقر البرسقي الملقب بقسيم الدولة، أمير حلب والموصل الذي وقف سداً منيعاً أمام طموحات الصليبيين في الاستيلاء على كامل الأراضي الشامية، ولكن ما إن قُتل الأمير آق سنقر على يد الباطنية الشيعة حتى توقفت حركة الجهاد الإسلامي ضد الوجود الصليبي، وعادت الخلافات والنزاعات الجانبية بين أمراء المسلمين، خاصة بعد تفاقم الصراع على السلطة في الدولة السلجوقية والتي يدين بالولاء إليها معظم أمراء الشام والعراق، والمحصلة استتباب الوضع للوجود الصليبي في بلاد الشام.

 

فائدة الخطيب: (الدول القادرة على مواجهة التحديات والأزمات، هي الدول التي تكون استجابتها على نفس مستوى التحدي والتهديد، فالمسلمون ما إن التقطوا أنفاسهم وشرعوا في جهاد عدوهم حتى أوقعوا به الهزائم، وأنزلوا به الخسائر الكبيرة، وحتى يكون المسلمون على قدر التحدي لابد من تنقية صفوفهم من الخونة والمنافقين والزنادقة أمثال الفرق الباطنية، كما لابد ان تكون نيتهم خالصة لا يبغون إلا وجه الله ونصرة دينه، والقرآن عاتب المسلمين أشد العتاب يوم أحد عندما كان من بينهم من يريد الدنيا. قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)[آل عمران:154]، فقال ابن مسعود: "ما كنت أظن أن أحداً من أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية").

 

سلسلة الأبطال

كثير من المسلمين لا يعلمون إن رحلة تحرير بيت المقدس والتي تم تتويجها بيوم الفتح الكبير في 27 رجب سنة 583ه، على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي، لم تكن رحلة رجل واحد، أو جهد رجل واحد جاء على هيئة المنقذ والمخلص، ولكنها كانت سلسلة ذهبية من الأبطال والأفذاذ والشجعان الذي تناوبوا في حمل راية الجهاد من جيل لآخر حتى تمّ الفتح في نهاية المطاف.

 

هذه السلسلة كانت بمثابة عودة الروح والاستفاقة التي لم تعتريها غفلة، والنهضة التي توقفها كبوة، والحركة التي لم تعرف السكون. بدأها البطل عماد الدين زنكي أمير الموصل الذي ظل يجاهد حتى استشهد سنة 541 هـ، وحمل الراية من بعده ولده: نور الدين محمود -الملقب بالشهيد- وعلى يديه عادت كثير من البلدان المسلمة إلى حوزة الإسلام، وكان من أكبر وأخلص رجاله وأعوانه وقادته؛ الأسرة الأيوبية، ببطليها نجم الدين أيوب، وأخوه أسد الدين شيركوه، والابن الصالح صلاح الدين الأيوبي هذا التلميذ النجيب الذي تتلمذ على يد أستاذ الجهاد ومجدده نور الدين محمود، فقد قام صلاح الدين الأيوبي بحمل راية الجهاد، بعد وفاة أستاذه نور الدين محمود سنة 569ه، ومواصلة البناء، وتكملة السعي الذي بدأه من كان قبله.

 

صلاح الدين وبناء الوحدة السياسية

كان على صلاح الدين أن يبرهن أنه رجل تلك المرحلة، وأن يستغل الرياح السياسية المواتية لقيادة سفينة الجهاد ضد الاحتلال الصليبي، وكان أهم أهدافه في تلك المرحلة إعادة بناء ما تصدع من دولة الوحدة التي بناها نورالدين محمود بسبب طمع بعض الأمراء الذين حاولوا السيطرة على إرث نور الدين محمود عن طريق الفوز بالوصاية على الأمير الصغير الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود. وكان صلاح الدين يتصرف بذكاء سياسي باهر؛ ففي خلال عامين فقط استطاع توحيد بلاد مصر مع شطر كبير من بلاد الشام يضم دمشق وحمص وحمأة، مما حدا بالخليفة العباسي لئن يرسل إليه بالتشريف والأعلام السود وتوقيع منه بسلطنة مصر وبلاد الشام، وتلك الخطوة الرمزية جعلت من صلاح الدين الحاكم الشرعي وأظهرت الأمراء الآخرين في صورة الغاصبين الخارجين على الشرعية. ثم جاءت سنة 579هجرية /1184م لتشهد استسلام حلب-وكانت غير خاضعة لسلطة صلاح الدين-لصلاح الدين بمقتضى اتفاقية صلح، وازدادت قوة السلطان رسوخا. ومنذ ذلك التاريخ أخذ صلاح الدين نجح في تحقيق المرحلة الأولى من خطته لتحرير القدس: بناء الوحدة السياسية والعسكرية.

 

من الاتحاد إلى الجهاد

استغل صلاح الدين حدوث عدة متغيرات هامة على الجانب الصليبي وحدوث فراغ في السلطة بعد وفاة بلدوين الرابع ملك مملكة بيت المقدس الصليبية، وتصارع خلفاؤه على كرسي المملكة، فأخذ في الاعداد العسكري والدبلوماسي لحصار الوجود الصليبي في بلاد الشام.

 

فقد تم بناء الأسطول بحيث صار قوة مرهوبة في البحر الأحمر وفى البحر المتوسط. كما قام بعزل الصليبيين عن كافة القوى المجاورة التي يمكن أن تمد إليهم يد العون؛ فأقنع المدن التجارية الإيطالية بنقل تجارتها إلى مصر، وأجرى اتصالات دبلوماسية بالبيزنطيين-أعداء الفرنجة-وعقد اتفاقا مع الإمبراطور البيزنطي الذي كان متشككاً في نوايا الفرنج حيال ملكته، وهو ما صدقته الأحداث فيما بعد عندما قام الفرنج الصليبيون باحتلال بلاده في الحملة الصليبية الرابعة.

 

أقدم أمير الكرك الصليبي "أرناط" على جريمة بشعة كانت بمثابة إطلاق شرارة حرب التحرير، عندما أقدم على مهاجمة قافلة حجيج مسلمين سنة 582ه، فنهبها وقتل الحجيج؛ فقرر صلاح الدين الانتقام لشهداء المسلمين، ومواصلة الجهاد حتى ينهي الوجود الصليبي في بلاد الشام ويحرر بيت المقدس من دنسهم ورجسهم الذي طالت سنواته كثيراً.

 

شعر الصليبيون بفداحة جريمة "أرناط" الأحمق وعاقبة تهوره، وسمعوا بنية صلاح الدين واستعداداته للحرب، فحشدوا أكبر جيش صليبي عرفته المنطقة طيلة الوجود الصليبي، فقد وصل عدد الجيش الصليبي ثمانية عشر ألف من الفرسان والمشاة: منهم ألف ومائتي فارس مدرعين، وأربعة آلاف فارس خفيف التسليح، وكان المشاة يشكلون بقية الجيش، وكانت تلك قوة ضخمة بمقاييس ذلك الزمان، مما يؤكد على وجودية هذه الحرب، وأنها آخر محطات الصراع بين المسلمين والصليبيين.

 

والمحصلة؛ انتصار حطين في ربيع آخر سنة 583ه، وهو الانتصار الذي كان بمثابة التقدمة بين يدي الفتح الكبير، يوم التحرير؛ فانتصار حطين كسر شوكة الصليبيين، وكسر تحالفهم، وحصدت سيوف المسلمين زهرة الجيوش الصليبية وتم تدمير القوات الرئيسية، وكانت النتائج المباشرة مصيبة كاملة؛ إذ فقد الفرنج الجنود والأسلحة ولم يبق سوى الحاميات الصغيرة التي كانوا قد تركوها في الحصون والقلاع والمدن التي لم تلبث أن استسلمت بعد حطين. وأصبح الطريق مفتوحاً أمام بيت المقدس.

 

بيت المقدس ورجب التحرير

زحف السلطان بجيشه المنتصر قاصدا فتح بيت المقدس بالسيف، والانتقام لدماء المسلمين التي أهدرتها المذبحة الصليبية الرهيبة التي ارتكبها جنود الحملة الصليبية الأولى قبل أكثر من تسعين سنة. وفرض السلطان الحصار على المدينة المقدسة في يوم الأحد 15 رجب 583 هجرية / سبتمبر 1187م.

 

لم يكن المشهد الأخير في رحلة تحرير القدس سوى مشهد قصير في رحلة طويلة؛ فقد استغرق الحصار عشرين يوما فقط. لقد كانت قصة صراع ديني سياسي عسكري مضنية استمرت لأكثر من تسعين سنة؛ منذ سقطت المدينة المقدسة في شعبان سنة 492ه بأيدي الصليبيين، حتى تم تحريرها بسواعد المسلمين في 27رجب سنة 583هجرية / 2أكتوبر 1187م.

 

وكان المشهد الأخير حافلا بالمتناقضات والمفارقات، ومليئا بالمشاهد التي أظهرت الفارق بين حضارة عدوانية معتدية متعصبة، وحضارة راقية تدافع عن نفسها ولا يأخذها زهو النصر إلى وحشية الهمجية.

 

صلاح الدين بنى دولته المجاهدة على هدف استراتيجي وجودي؛ وهو تحرير بيت المقدس، وتطهير بلاد الشام من الوجود الصليبي، وأقامها على أساس من الوحدة الأخلاقية والدينية للعالم الإسلامي تحت راية الجهاد ضد الصليبيين، وكرس الجزء الأكبر من جهوده لتحقيق الوحدة بين الفرقاء في بلاد الشام، حتى أن معاركه ضد الصليبيين قد شغلت ثلث الوقت الذي استغرقته جهوده العسكرية ضد الأمراء الرافضين لفكرة الوحدة السياسية وغيرهم.

 

لقد أدرك صلاح الدين الأيوبي أن التشرذم والأنانية والفرقة السياسية كانت هي وقود بقاء الصليبيين محتلين لبلاد الإسلام. ولعلنا لو أدركنا اليوم ما أدركه صلاح الدين بالأمس لأمكن بسهولة تحقيق نفس ما حققه، وإعادة تحرير بيت المقدس المحتل من قبل الصهاينة اليوم.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات