بيان الخلايا الإرهابية (1)

سامي بن خالد الحمود

2012-02-19 - 1433/03/27
عناصر الخطبة
1/ خبر ضبط عدد كبير من الفئة الضالة 2/ دعاوى الجهاد 3/ أضرار هذا الفكر على الدعوة 4/ واجبنا تجاه هذه القضية
اهداف الخطبة

اقتباس

إنَّ أولَئِكَ الشَّبابُ الذينَ خَرَجُوا عَلَى الأمَّةِ هُمْ ثَمَرَة مَدَارسَ فِكْريَّةٍ منحرفة، كانت حَصِيلَةَ شُبَهٍ وأوهَامٍ أكثَرُوا مِنْ تَدَاولِهَا حَتَّى صَارَتْ بَينَهُمْ مِنَ المُسَلَّماتِ، فاسْتَحَلُّوا بِهَا الدِّمَاءَ، وتَرْويعَ النُّفُوسِ، وإزْهَاقَ الأرْوَاحِ.

 

 

 

 

أما بعد: عبادَ الله، إنّ القلبَ لَيحزَن، وإن العقلَ ليذهل، وهو يرقُب الأحداثَ التي ابتُليت بها هذه البلاد، من أقوامٍ ضلّوا الطريقَ، وتلوّثت عقولهم بأفكارٍ خاطئة.

أعمالٌ؛ مهما كان فاعلها، ومهما كانت حجّته ودافعه، تتضمّن مفاسدَ كبيرة، وشرورًا عظيمة؛ مَن قتل الأنفس المسلمة بغير حق، وحمل السّلاح على المسلمين، ومفارقة الجماعة وشقّ عصا الطاعة، والاعتداء على رجال الأمن، وترويع الآمنين وإشاعة الهلَعَ والفزع، مما ينذر بفتنةٍ داخلية، تُدمَّر فيها الطاقات، وتهدَر فيها المكتسبات، وتُشتَّت الجهود، وتُعطَّل مشاريع الخير والبر، وتشوّه مناشِط الدعوة والإصلاح.

كم هو مفجع ومفرح ما تم الإعلان عنه في بيان وزارة الداخلية من ضبط 172 شخصاً من عناصر الفئة الضالة والكم الهائل من الأسلحة والمتفجرات والخطط الإجرامية وأكثرِ من عشرين مليون ريال لتمويل هذه المخططات، والخروج على بيعة ولي الأمر بمبايعة زعيم لهم على السمع والطاعة، وإعداد العدة للقتل والإفساد.

كم هي مفجعة شناعة هذه الأعمال! ويا لخطورتها عددا وعتاد! ويا لعظَم ما ضبط بحوزتهم من أموال وأسلحة! ناهيك عن علاقاتهم بأطراف أو دول أو جهات أجنبية تكيد الحقد الأسود لهذه البلاد وأهلها.

وكم هو مفرح أن يمكن الله رجال الأمن البواسل -وفقهم الله- من هذه الفئة، ويعينهم على الحيلولة دونها ودون ما تريد من أعمال شنيعة لا يعلم قدر خطرها وضررها إلا الله.

ويبقى السؤال المحير: ماذا يريد هؤلاء؟ وما أهدافهم؟ ومن يقف وراءهم؟ ولمصلحة من يتحركون؟ أي دينٍ وعقلٍ وعرفٍ يقرّ هذه الأعمال الشنيعة؟ أين المروءة والرحمة والإنسانية عند هؤلاء؟ أي قلب هذا الذي يستهين بالأرواح والممتلكات؟ أي نفس تلك التي تلذ لسفك الدماء وتطاير الأشلاء؟!.

والعجيب أنهم يتحدثون باسم الإسلام والجهاد، والإسلام الحق بريء من ذلك كله؛ ويأبى الله ورسوله، ثم يأبى أهل الإيمان أن تكون هذه المسالك المرذولة في ترويع الآمنين وزعزعة حياة المطمئنين، وسلوك مسالك العنف والاعتداء طريقًا إلى خير البشرية، وصلاح للإنسانية.

إن دعاوى الإصلاح والجهاد لا يمكن أن تبرر الإجرام والفساد: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) [البقرة:11-12].

وقد روى الإمام مسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ومَن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى عن مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني، ولست منه" رواه مسلم.

وفي الصحيحين، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن حمل علينا السلاح فليس منا".

عباد الله: إنَّ أولَئِكَ الشَّبابُ الذينَ خَرَجُوا عَلَى الأمَّةِ هُمْ ثَمَرَة مَدَارسَ فِكْريَّةٍ منحرفة، كانت حَصِيلَةَ شُبَهٍ وأوهَامٍ أكثَرُوا مِنْ تَدَاولِهَا حَتَّى صَارَتْ بَينَهُمْ مِنَ المُسَلَّماتِ، فاسْتَحَلُّوا بِهَا الدِّمَاءَ، وتَرْويعَ النُّفُوسِ، وإزْهَاقَ الأرْوَاحِ.

ولو تأملت في سلوك بعض المنتسبين للفئة الضالة أو ما يسمى بتنظيم القاعدة لوجدت عندهم العديد من الأخطاء المنهجية والانحرافات الفكرية : تهورٌ شنيع، وعجلةٌ مَقيتة، وغيرةٌ غير منضبطة، وجهلٌ بأحكام الشريعة، وتنزيلٌ لبعضها على غير موضعه، ودخولٌ في الإلزامات التي لا تنتهي، وخوضٌ في مسائل تشيب لها الرؤوس، وقياسٌ للمسائل بالرأي، واتخاذٌ للهوى وما تميل له النفوس غرضا, ومجانبةٌ لآراء العلماء وأهل الخبرة، واتهامٌ للمخالف بالمداهنة والانبطاح، وتسرعٌ في إطلاق الأحكام جزافاً دون نظر أو تحقيق.

والنتيجة: استباحةُ المسلم دم أخيه المسلم، ووصفُه بالطاغوتية, مع ممارسةِ أبشع صفات الانتقام, من حزِّ الرؤوس, وتقطيع الأطراف, وتمزيق الأشلاء, وهدم المساكن.

ومن انحرافات هذه الفئة، الوقوع الشنيع في أعراض العلماء، والتحزب المقيت، والتعصب المذموم، حتى امتحنوا الناس في زعيم التنظيم أسامة بن لادن، فإذا أُنكر عليهم، قالوا: قال أبو عبد الله، وكأنه لا ينطق عن الهوى، مع أنه بشر غير معصوم من الخطأ والفتنة, ومثله يُستَدَل له ولا يُستَدَل به؛ كيف وقد صدر منه صراحة العديد من الآراء الشاذة والأحكام المردودة التي رد عليها العلماء؟!.

عباد الله: ما الذي أحدثته هذه الفتنة من المفاسد في بلادنا وفي غيرها من البلاد؟ لقد أحدثت هذه الفتنة من الشر والضرر والفرقة والانقسام أضعاف أضعاف ما جاءت لإنكاره ومعالجته -هذا على فرض صحة النوايا، وسلامة المقاصد، والبعد عن الدوافع الشخصية- وحققت للعدو الشامت بنا في الداخل والخارج أضعاف ما يرجوه من الفرص.

لقد أصبحت مناهجنا، ودور التحفيظ، والجمعيات الخيرية، والمراكز التوعوية, ملاحقة بشبهة تفريخ الإرهاب!.

ولم تكن أمريكا لتتجرأ بمطالبها لتغريب المجتمع، وتستعلن بضرورة تغيير المناهج وإلغاء ما تسميه البوليس الديني من قبل بمثل هذه القوة، لم تكن لتفعل ذلك لولا أفعال تلك الفئة الضالة.

وعند بعض الناس، صار المسلم المحافظ، والداعية الناصح، والمعلم الصادق، بل والعالم الرباني في خانة الاتهام، حتى احتاج من يريد أن ينكر منكرا أو يصلح شأناً أن يقدِّم بين يديه صكوك البراءة، وأيمان الولاء، أنه ضدُّ الإرهاب والإخلال بالأمن؛ بينما يمارس اللبرالي والمنافق فجوره عازفا على وتر الوطنية والتحذير من الإرهاب!.

لقد طفا على السطح طفيليات هم من أشد الناس عداوة للوطن وأهله، وأنفرهم عن الدين وتعاليمه، وأكثرهم ولاء للغرب ومخططاته، وقاموا يتباكون على الوطن ومقدساته، وعلى الدولة وهيبتها، وعلى الأموال والأنفس وحرمتها، وصبوا الزيت على النار ليزيدوا اشتعالها، ويوقظوا فتنة نائمة بين أهلها؛ مستغلين أفعال هذه الفئة الضالة.

فرفع العلماني والمنافق عقيرته، واستعلن اللبرالي بدعوته ومطالبه، ولسان حالهم ومقالهم: هذا هو الدين، وتلك هي أخلاق المتدينين ومشاريعهم الإرهابية.

حمى الله بلاد التوحيد من كل شيطان مريد، ومن كل منافق عنيد، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله ولي الصالحين...

عباد الله: إن المسؤولية في مواجهة هذه الفتنة مسؤوليتنا جميعاً، وإذا كانت أجهزة الأمن تقوم بدورها -مشكورة- في رصد وتتبُّع هذه الفئة ومنعها من ارتكاب جرائمها؛ فان الدور الأكبر يقع على العلماء والمفكرين والمربين في اجتثاث هذا الفكر من جذوره، وعلى الجهات والهيئات الدينية والثقافية ومؤسسات المجتمع كافة أن تضطلع بدورها في مواجهة هذا الفكر المنحرف، ويبقى الدور الهام على الأسرة بحسن الرعاية وحسن الوقاية للناشئة.

إنّ التحصينَ الذي نريده لشبابنا هو ترسيخُ المنهج الوسَط للإسلام، ونشرُ العلم الشرعي في المدارس والجامعات والمساجد، ونبذُ الأفكار المنحرفة المتشدّدة أو المتساهلة، مع عدم توسيع التُّهَم دونَ تأنٍّ وتثبُّت، أو تعميم الأخطاءِ والتشكيك في منابِر الدعوة والإصلاح، مما لا يقوله إلاّ حاقِد أو حاسد، يصطاد في الماء العَكِر.

والواجب على شبابِ المسلمين التبصُّر في أمورِهم، والتزوُّد من العلم النافع، وعلى من زلَّت به القدَم أن يعودَ إلى الله ويرجع، فإنّ التائبَ من الذنب كمن لا ذنبَ له.

فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، والزَمُوا طَاعَتَهُ والتَّقَرُّبَ إليهِ، وكُونُوا قَائِمينَ بالأمْنِ، سَاعِينَ إليهِ، وإيَّاكُمْ والنِّزَاعَ والشِّقاقَ ومُخَالَفَةَ أمْرِ الجَمَاعَةِ! فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية...
 

 

 

 

 

المرفقات

بيان الخلايا الإرهابية (1).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات