بوش والحذاء والعراق

سامي بن خالد الحمود

2011-06-26 - 1432/07/24
عناصر الخطبة
1/الآثار السلبية لغزو العراق 2/ وقفات مع حادثة الحذاء

اقتباس

أراد بوش شيئًا وأراد الله شيئًا آخر، أراد بوش أن يختم فترةَ حكمه بجولة في منطقتي الصراع اللَّتَيْن أشعلهما في أفغانستان والعراق، ليبرر جرائمه ويؤكد سيطرته لكن الله –تعالى- أراد أن يهينه على مرأى من العالم –بوش- إهانة تاريخية مصورة سيحتفظ بها التاريخ في سجلاته..

 

 

 

 

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذلّ من كفر به وعصاه.

أما بعد: فبعد خمس سنوات من الاحتلال الأمريكي للعراق، والذي زعم مجرمو الحرب أنه من أجل تطهير المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، وإنقاذ الشعب العراقي من الظلم والاضطهاد، وإقامة حياة ديمقراطية؛ ها نحن نجد أنفسنا أمام صورة لعراق لم يبقَ منه غير الاسم.

هناك مئات الآلاف من القتلى بسبب الأسلحة الأمريكية، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال الذين لقوا حتفهم نتيجة للغارات الجوية، والملايين من المشرَّدين والمحرومين، ومئات الآلاف من القتلى، وعشرات الآلاف من الأسرى في سجون الاحتلال وأعوانه.

ولو أردنا أن نلخص بعض الإنجازات الأمريكية في العراق لوجدنا أنها لا تتجاوز تردي الأوضاع الأمنية، وظهور الجريمة المنظمة وتزايد جرائم القتل، وحوادث اختطاف الأطباء وأطفال العوائل الميسورة والتجار، وانتشار عمالة الأطفال والتسرب المدرسي في ظل الانفلات الأمني، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانتشار آفة المخدرات، وانتشار السرطان والأمراض.

وباختصار: لن تجد مكانًا آخر غير العراق في ظل الاحتلال الأمريكي أفضل للاستشهاد بالمثل العربي الشهير "تعددت الأسباب والموت واحد".

وبعد هذه الجرائم، جاء مجرم الحرب في زيارة وداعية ليعقد مؤتمرًا يبرر فيه جرائمه، ليتلقى ضربة بالحذاء من صحفي عراقي وقال له: خذ قبلة الوداع أيها الكلب, ولحكمة أرادها الله لم يصب الحذاء الهدف، فأتبعه الصحفي بالحذاء الثاني وصرخ: وهذه من الأرامل والأيتام والأشخاص الذين قتلتهم في العراق.

أصبح هذا الحادث الرمزي، حديث العالم كله.

ولنا مع ها الحادث وقفات خاصة:

1/ ومن يهن الله فما له من مكرم:

أراد بوش شيئًا وأراد الله شيئًا آخر، أراد بوش أن يختم فترةَ حكمه بجولة في منطقتي الصراع اللَّتَيْن أشعلهما في أفغانستان والعراق، ليبرر جرائمه ويؤكد سيطرته لكن الله –تعالى- أراد أن يهينه على مرأى من العالم –بوش- إهانة تاريخية مصورة سيحتفظ بها التاريخ في سجلاته.

ويكفي في هذا الأثر المعنوي، فقد تعارف العرب أن رفع الحذاء في وجه شخص يعني: قمة الإهانة والاحتقار، وقد يكون تأثيره النفسي أبلغ من الشتم باللسان، ويسبب كسرًا معنويًا يسري تأثيره على الشخص المهان.

لقد أهانه الله حتى من بعض بني جلدته، فقد أثار تعرض بوش للضرب بالحذاء الصدمة والذهول بين الأمريكيين، ومع أنهم رفضوا إهانة رئيسهم الذي انتخبوه، لكنهم في نفس الوقت حملوه ما حدث بسبب فشله وجرّ بلاده إلى حرب فاشلة في العراق.

وصدق الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [الحج:8-10].
لا يزال في الأمة خير:

إن ردود الأفعال القوية للشارع العربي المسلم، والتي عبر عنها المواطنون العراقيون والعرب بالتظاهر تأييدًا لمنتظر الزيدي، ومكالماتهم الهاتفية التي لا تنقطع للفضائيات العربية، وتعليقاتهم على المقالات والأخبار على مواقع الإنترنت، تؤكد أن هذه الجماهير تعتبر أن ما وقع تعبير عما يريد أن يفعله كل واحد من هذه الجماهير.

وإذا كان المحتل الأمريكي قد وجد من يدافع عنه، ويخون أهله ودينه ووطنه، فإنّ موقف الزيدي يؤكد أن العراق مليءٌ بالغيَورين والشرفاء الذين سيغسلون عار الخونة، الذين جاءوا على دبابات المحتل الأمريكي؛ ليشعلوا نيران الطائفية، وليدمروا العراق وينهبوا ثروته.

وقد أشادت هيئة علماء المسلمين السنة بالعراق بالموقف الوطني الشجاع للصحفي، وأنه عبر عن غضب العراقيين ورفضهم المطلق للاحتلال الأمريكي المقيت الذي قاده هذا المجرم ضد بلدهم, وفي إضافة هامة أوضحت الهيئة أن موقف الزيدي لا يقل أهمية عن مواقف أبناء العراق الغيورين الذين سطّروا ملاحم بطولية في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكية الغازية.

نعم، المقاومة العراقية الشريفة التي أنهكت القوة الأمريكية وأوقعتها في وحل لم تستطع الخروج منه إلى يومنا هذا، ولا تزال التوابيت تحمل جثث الجنود إلى أمريكا.

نسأل الله أن يطهر بلاد المسلمين من رجسهم.

2/ المظلوم ليس عليه لوم:

من المغالطات التي كتب حول الموضوع، أن بعض أعداء الدين الحاقدين، أو من بعض السذج الصحفيين ربما يستهجن ما فعله هذا الصحفي، وأنه منافٍ للأخلاق الإسلامية أو المهنية الإعلامية للصحفي.

سبحان الله؟ وهل راعت الإدارة الأمريكية أدنى مهنية أو اتسمت بالأخلاقية أو التزمت بقرارات العالم في حربها واحتلالها للعراق؟ ومتى احترم بوش نفسه، أو صدق في قوله، أو أحسن في فعله، وهو الذي أهلك الحرث والنسل؟.

يا إخوان: هذا الشاب العراقي سواء كان سنيًا أو شيعيًا، رأى بعينيه قوات الاحتلال الأمريكي، تدمر وتقتل أهله، وتحرق مدن بلاده، رأى كما رأينا بغداد وهي تحترق بفعل القنابل والصواريخ الأمريكية، رأى دماء الأبرياء تسيل على أطراف شطآنها، رأى اقتصادها يدمر، وقد كان يعدّ من الاقتصاديات الضخمة في المنطقة، وبعد هذا كله يقف هذا المظلوم وجها لوجه أمام صانع المأساة العراقية والمسؤول الأول عن جرائم الغزو بحق بلاده، ربما كانت نار الحقد على المحتل بركانا يغلي في صدره، ربما حاول كظم غيظه والاستماع إلى الكلام المزيف عن الحرية والديمقراطية والشمس المشرقة والعصر الجديد، وغيرها من الشعارات التي يحاول المحتل الأمريكي تسويقها، إن هذا الصحفي لم يكن لديه أسلحة دمار شامل، فما كان منه إلا أن خلع حذاءه ليدخل التاريخ بهذا الحذاء البالي.

لقد كان الحذاء رقم "10" أسرع في الحسم الإعلامي، وأصدق أنباء من الخطب، كان تعبيرا عما يجول في نفس كل عراقي شريف.

لقد أظهر الحذاء للعالم أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ليست كما يصور الأمريكيون مجلبة للسعادة والحبور، وإنما مصدر للحقد والثبور.

لقد انطلق الحذاء رقم عشرة نحو رأس القاتل رقم واحد، كما كانت تنطلق صواريخ توماهوك الأمريكية باتجاه المدن العراقية الآمنة, وتقتل الأطفال وتحرق الزرع والضرع، وقد أصاب الحذاء هدفه، فليس المهم أن يضرب الحذاء رأس المجرم ولا غيره، بل المقصود أن يضرب هيبة المحتل ورئيسه، وأن ينال منه ويغيظه، وصدق الله تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) [التوبة: 120] لقد سطّر الحذاء رسالة بليغة للعالم: أن الأمة الإسلامية وإن كانت في حالة ضعف، فإنها أمة لا يمكن أن تهان أو تضام وتسكت، وأن هناك الكثير من الأحذية وبأرقام مختلفة لكل من يتجرأ على الإساءة إلى هذه الأمة.

نطق الحذاء بكبرياء *** لله درك يا حذاء
فلقد صنعت المجد حين *** نطقت باسم الأبرياء
ولقد زرعت الرعب في *** وجه الخسيس الببغاء
ولقد كشفت عمالةً *** ولمن يقيمون الولاء
ولقد ثأرت لأمةٍ *** سكتت على جهد البلاء

لقد أشعل الحدث الحمية الإسلامية في الأمة، وتنادى الكثير من المحامين العرب والصحفيين للدفاع عن الصحفي، ورفعت أحذية مشابهة في مسيرات شهدتها المدن العراقية، وأحرقت الإعلام الأمريكي، في مشهد يعبر عن وحدة مشاعر المسلمين ضد من يحتلّ بلادهم وينتهك حقوقهم.

يكفي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيما رواه أهل السنن بسند صحيح: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

إن الكلمة الواحدة قد تكون خيرًا من ألف سلاح، فكيف إذا انضاف إلى الكلمة جزمة بل جزمتان.

أما تلك الأقلام التي أبدت أسفها وخجلها لما حصل للطاغية بوش وأن ما قام به الصحفي لا يمثل أخلاقيات المسلمين ولا يليق بأحد أن يفتخر بفعله أو أن يتباهى بإنجازه، فهي أقلام تعودت الذل المهين وخذلان المسلمين، ولو أن أحدهم احتلّ بلده أو قتل ولده أو أسر أخوه أو كشفت عورة أهله -كما يحدث لإخواننا هناك- لما تفوّه بهذا الكلام, إلا إن كان ممن طمس الله قلبه وأعمى بصيرته ورضي أن يكون تحت حذاء شيخه وسيده الأمريكي.

ويا ترى: ماذا سيفعل رُسُل الحرية المزعومة ودعاة الديمقراطية مع هذا الصحفي الشجاع، كيف!! وقد شهد العالم منظرهم, وهم يضربونه ويركلونه ويجرجرونه على الأرض، هذا أمام الكاميرات، وما خفي أعظم.

بل صرّح أخوه أنه عندما ذهب ليسأل عنه قيل له: انسوه.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية
 

 

 

 

3/ لله الأمر من قبل ومن بعد:

مهما اشتدت الأمور وعظم الخطب بإخواننا في العراق، فنحن متفائلون -بإذن الله- بعد تورّط المحتل في المستنقع العراقي أن يخرجه الله ذليلًا مدحورًا، ونسأل الله أن يولي على إخواننا في العراق خيارهم، ويكفيهم شرارهم.

هذا الحدث سوف يُديم استفزاز مشاعر كل العراقيين الشرفاء، ورفضهم للمحتلين وأعوانهم.

وإن من أعظم دروس هذه الحادثة، أن هذا المحتل لا يحظى بالقبول لا هو ولا من نصبهم للحكم نيابة عنه من الطائفيين؛ لأن العاقل يدرك أن من يأخذ راتبه من المحتل لا يمكن أن يعارض رغباته؟.

وقد نشر بالأمس أن الحكومة أقالت "50" ضابطا بتهمة التحضير لانقلاب، هذا والبلد تحت الاحتلال، فكيف إذا خرج المحتل النجس عن البلاد, والأيام دول، ولن ينفع الاحتلال المليشيات الصفوية والاختراق الرافضي وخلع المعممين لعمائمهم ووقوفهم بجانبه.

وصدق شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- حينما قال: "وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره، تكون الرافضة من أعظم أعوانهم، فهم دائمًا يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى، ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم" اه.

وإن من المؤسف ما تناقلته بعض القنوات الفضائية أن الصحفي يحتجز ويحقق معه من قبل الأمريكيين وليس العراقيين، مما يعني أن الاتفاقية الأمنية الآثمة التي وقعت لم تكن مجرد فلاشات وأضواء لتكريس وجود المحتل، وأنه لا سيادة للدولة العراقية، والجيش الأمريكي يمارس دور الحاكم المحتل.

وأخيرًا نقول: إن نصرة إخواننا في العراق، ولاسيما السنة، واجبة على كل قادر من الأمة، فلا يكفي أن تدبج القصائد والخطب في حادثة الحذاء وننسى قطرًا بأكمله.

وإن من المؤسف جدًا، قصور الإعلام العربي والإسلامي في نصرة القضية العراقية كبلد عربي مسلم، بل أصبحت بعض القنوات العربية مطية للمحتلّ الأمريكي، تطبل له، وتبث إعلاناته دون حياء أو خجل.

نعم، لن تعيد فردتي الحذاء آلاف من الأطفال للحياة ولن تعيد مليون عراقي قضوا تحت الركام للتنفس من الجديد، لكنها تعبر عن جزء من روح العزّة والكرامة التي هي أمل الأمة -بعد الله- في مواجهة هذا المحتل وطرده.
 

 

 

 

 

المرفقات

والحذاء والعراق

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات