بعض فضائل وخصائص شهر رمضان

الشيخ د أحمد بن علي الحذيفي

2023-03-24 - 1444/09/02 2023-03-25 - 1444/09/03
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/الوصية باغتنام شهر الخيرات والرحمات 2/التحذير من الغفلة وتضييع شهر رمضان المبارك 3/بعض فضائل فريضة الصوم ومنافعه 4/ضرورة عناية المسلم بصلاح قلبه وإخلاص نيته

اقتباس

في شهر رمضان تتجلَّى نعمة الله -تعالى- بهذا الدين، الذي شُرِعَتْ فيه هذه العبادات العظيمة، تحقيقًا لمصالح كبرى ومقاصد عظمى؛ من تربية المؤمن على الصبر، وقمع النفس عن شهوتها وكسر سَوْرَتِها، وشعور الغني بحرارة جوع الفقير، وتزكية النفس وجلاء مرآتها...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله الذي أهلَّ سحائبَ الفضل وأهالَ كتائبَ الامتنان، وأشرَع أبوابَ الخيرات وأمرَع رحابَ الإحسان، أصفَى مواردَ حياضها، وأوفَى موائدَ رياضها في شهر رمضان، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، المبعوث بشريعة الرحمة والعدل، إلى الإنسِ والجانِّ، صلاةً يَنفَح طِيبُها، ويُفصِح خطيبُها، وعلى آله وأصحابه، ومَنْ سار على نهجهم واتبعهم بإحسان.

 

أما بعدُ، مَعاشِرَ المؤمنينَ والمؤمنات: فأوصي نفسي وإيَّاكم بالتقوى، في موسم تتجلَّى فيه معالم التُّقَى، ويتحلَّى المؤمنون من صنوف العبادات بأبهى الحُلَى، شرَع اللهُ فيه عبادةَ الصيام لتحقيق ذلك المعنى، فقال في محكم تنزيله كلمات بيِّنات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)[الْبَقَرَةِ: 183-].

 

فشدوا بحبلها وثاق قلوبكم، واغسلوا بمعينها أدران ذنوبكم، فإنَّها العُرْوَة الوُثْقَى والوزر الأوقى، والْمَدْرَج الأرقى، ثم اعلموا -يا رحمكم الله- أن لله اصطفاءات من خليقته، واجتباءات من بريته، تفضيلًا دالًّا على واسع فضله ودقيق عدله وبديع حكمته؛ فإنَّه الْمُطَّلِع على حقائق الأمور وجواهرها، الخبير ببواطنها وظواهرها، فله -جلَّ شَانُه- اصطفاءات في الزمان والمكان والأعيان، يختار من الأماكن أشرفها، ومن الأزمان أفضلها، ومن الأعيان أزكاها وأخلصها، فيجعلها محطَّ الفضائل، ومهبطَ البركات، ومهوى الخيرات؛ فعدلُه البالغُ وفضلُه السابغُ هو لسان ميزان الاجتباء والاختيار؛ (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ)[الْقَصَصِ: 68]، وإن منزلة شهر رمضان بين الشهور بمنزلة الربيع من الزمان، والجوهر النفيس من التيجان.

 

إخوةَ الإيمانِ: تأملوا معي هذا الموقف الرهيب، والمشهد العجيب، الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رقي هذا المنبر الأشرف فقال: "آمين، آمين، آمين"، فقيل له: يا رسول الله: "ما كنتَ تصنع هذا؟"، فقال: "قال لي جبريل: ‌رَغِمَ ‌أَنْفُ ‌عَبْدٍ ‌دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ. فَقُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكرتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ" وما ذلك إلا لانفتاح أبواب الخيرات، وانفساح أسباب الطاعات، وقصر زمان ذلك الشهر، مع عظم ما فيه من منائح الأجر وسوانح البر:

إذا الروض أمسى مُجدِبًا في ربيعه *** ففي أيِّ حينٍ يَستنِيرُ ويُخصِبُ

 

فيا معشر المؤمنين والمؤمنات: هذه غُرَّة صبحه وضَحَتْ، وحمائمُ غُصُونِهِ صَدَحَتْ، ونسائمُ قُدُومِهِ هبَّت هبوبَ الصَّبَا، وتضوَّعَت أزاهيرُه تضوُّعَ زَهْرِ الرُّبَا، وأُشرعت فيه أبواب للخير كانت مُوصَدةً، وانسالت كتائبُ من خزائن الفضل كانت مُرصدةً، فيا بشارةَ العابد فيه بعد البُعْد، ويا عناء العابد به بعد طول العهد، يزدحم الناس على بابه، والمنهل العذب كثير الزحام؛ إنَّه شهر تقبل فيه النفوس والأرواح على ربها، إقبال الصادي على الْمَشْرَع الدفَّاق، وتنطلق فيه الجوارح والألسن إلى الخير انطلاق الجواد في السباق، فالعبد مهما طال عن الله بُعدُه، وقَسَا قلبُه، وقحطت عينه، فدواعي الخير في حنايا قلبه ونوازع الصلاح في دواخله لها حنين إلى رياض الذِّكْر، وأنينٌ من وحشة الانقطاع، لا تموت نفسُه اللوَّامةُ، وإن ضعفت سطوتُها وكلَّت قُوَاها، أو تغشَّاها من ران الذنوب ما تغشَّاها، فهي ترجو الخيرَ وتُحِبّ القربَ من ربها ومولاها، وتحِنُّ إلى منازلها الأُولى، التي تجد فيها رَوحَها وربيعها وهواها، وتَطرَب لداعيه، كما تَطرَب العِيسُ لحادي سُراها، فكم من عين بعد تجفافها انهلت فيه سحائبها، وقلوب صلدة لانت فيه بعد قسوتها، ونفوس نائية عن ربها دنت، وألسن طال لغوها في الباطل، فلهجت فيه بالخير ونطقت، وجوارح عقلت عن الصالحات فأطلقت.

 

الصوم مدرسة من مدارس الإيمان، ومعراج إلى منزلة الإحسان، قال صلى الله عليه وسلم: "الْإِحْسَانُ ‌أَنْ ‌تَعْبُدَ ‌اللَّهَ ‌كَأَنَّكَ ‌تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"؛ لأنَّه سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه سواه، ولا يعلمه غيره، فهو عبادة تتحقق فيها معاني الإخلاص لله، وصدق العبودية له، فحال الممسك شبعا مثل حال الممسك تقربًا في الصورة الظاهرة، كما أنَّه لا يُميِّز بينَ الممسك وغير الممسك في ظاهر الحال، فاختص الله بهذه العبادة وأضافها لنفسه؛ لذلك المعنى اللطيف والمقصد الشريف، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ ‌يُضَاعَفُ، ‌الْحَسَنَةُ ‌بِعَشْرِ ‌أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى مَا شَاءَ اللهُ، قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي"؛ فهو يدع طعامه وشرابه وشهوته عبودة لربه، ومراقبة لمولاه، فلا يساور شهواته ولو غابت عنه عيون الخلائق.

نَسِيمَ صَبَا نجدٍ متى جئتَ حاملًا *** تَحِيَّتَهم فاطوِ الحديثَ عن الرَّكْبِ

ولا تُذِع السرَّ المصونَ فإنني *** أَغارُ على ذِكْرِ الأحبةِ مِنْ صَحْبِي

 

ولذلك ورد أن الصيام لا رياء فيه، وقوله تقدَّس اسمُه في الحديث القدسي السابق: "وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"؛ إشارةً لجليل فضله وجزيل عطائه، فإن العطاء على قدر ما عند المعطي وعلى قدر جوده، ليس يعطيك للرجاء ولا الخوف ولكن يلذ طعم الرجاء، يسقط الطير حيث ينتثر الحب وتغشى منازل الكرماء

 

في شهر رمضان تتجلَّى نعمة الله -تعالى- بهذا الدين، الذي شُرِعَتْ فيه هذه العبادات العظيمة، تحقيقًا لمصالح كبرى ومقاصد عظمى؛ من تربية المؤمن على الصبر، وقمع النفس عن شهوتها وكسر سَوْرَتِها، وشعور الغني بحرارة جوع الفقير، وتزكية النفس وجلاء مرآتها؛ حتى تشع في أنحائها أنوار القرآن، وتنطلق في حناياها أسرار الإيمان.

 

وحقيقٌ بالعبد أن يَشكُرَ اللهَ -جلَّ وتقدَّس- على تلك المنن؛ كما أشار جلَّ شانُه لذلك، في ختام الآية إشارةً رقيقةَ اللحظ، دقيقةَ اللفظِ فقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[الْبَقَرَةِ: 185].

 

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، وعصَمَنا من كل بدعة، ووقَانَا شرَّ كل فتنة، وجعَل تقواه لنا عُدَّةً وذخيرةً وجُنَّةً، أقول ما سمعتُم، وأستغفر الله العظيم، فاستغفِروه، إنَّه كان غفورًا رحيمًا.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله أهل الحمد والثناء، المسبِغ جزيلَ العطاء وجليل الآلاء، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين والأنبياء، وسيد العابدين والحنفاء، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وأصحابه الخيرة الأصفياء.

 

أمَّا بعدُ، فيا معشرَ المؤمنينَ والمؤمناتِ: إنَّ ما يَختَلِج في قلب المؤمن ويَعتَلِج في باطنه من النيَّة له أثرٌ عظيمٌ في صلاح المرء واستقامة جوارحه، وأعماله وسلوكه مع الخَلْق والخالق، فالجوارح مرآة القلب، وجِلاؤُه صلاح النيَّة، إنَّها مطية المؤمن، وراحلته في السير إلى ربه، وشهر رمضان موسم تتجلَّى فيه أعمال القلوب، وتطاول منازل الأعمال، وتتفاضل بحسب ما قام بالقلب من معاني الصدق والإخلاص ومراقبة الله جل شانه، وتأملوا معي ارتباط العمل في شهر رمضان، بصلاح الطوية وإخلاص النيَّة؛ حيث يقول -صلوات الله وسلامه عليه-: "‌مَنْ ‌صَامَ ‌رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، ويقول -صلوات الله وسلامه عليه-: "مَنْ ‌قَامَ ‌رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، فتوقف مع قلبك أيها المؤمن وقفة تزكية ومراقبة، وأشعل جذوة العزم على العود إلى الله مخبتا، ولا يفلنَّ سيفَ عزمِكَ صوارفُ السيرِ وقواطعُ الطريقِ؛ فإنَّ العزمَ بصدقِ القصدِ لراحلة القلب بمنزلة الحادي، واتِّباع السُّنَّة في إصابة مراد الله بمثابة الهادي، فحُثَّ رَاحِلَتَكَ بسياط العزم في المسير، فلم يبق على حطّ الرِّحَال إلا اليسيرُ.

 

أيها المؤمنون والمؤمناتُ: إنَّ هذا اليومَ من الأيام تُندَب فيه كثرةُ الصلاة والسلام على خير الخَلْق والأنام، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ ‌مِنْ ‌أَفْضَلِ ‌أَيَّامِكُمْ ‌يَوْمَ ‌الْجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ على سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين، سيدنا ونبينا محمد، صلاةً وسلامًا إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، والخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنا معهم بمنك وفضلك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم اجعل هذا الشهر شهر خير ومغفرة وقُربَى لَدَيْكَ، اللهم اجعله شهر عز وتمكين لهذه البلاد ولبلاد المسلمين عامَّة يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأَذِلَّ الكفرَ والكافرينَ ودَمِّر أعداءَ الدِّينِ، واجعَلْ هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًّا محفوظًا يا ربَّ العالمينَ، اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، وخذ بناصيتهما للبر والتقوى، اللهم وفقهما لما فيه خير البلاد والعباد، ولِمَا فيه عزُّ الإسلام والمسلمين يا ربَّ العالمينَ.

 

عبادَ اللهِ: استنزِلُوا فضلَ ربكم بشُكره، واحفظوا نعمته باتباع أمره، والهجوا بدعائه وذكره؛ سبحان ربنا رب العزة عمَّا يصفون، وسلام على المرسلينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

 

 

المرفقات

بعض فضائل وخصائص شهر رمضان.doc

بعض فضائل وخصائص شهر رمضان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات