بعض أنواع الربا وتحريم تفاضل الذهب وتأخير القبض بأمر الله ورسوله وأولي الأمر

محمد بن صالح بن عثيمين

2015-04-04 - 1436/06/15
عناصر الخطبة
1/ضعف الإنسان وبعض جوانب ذلك 2/شمولية الشريعة الإسلامية 3/تحريم الربا وبعض الأدلة على ذلك 4/أصناف الأموال الربوية 5/تحريم التفاضل في بيع الذهب وشروط جواز ذلك 6/خطر التحايل في الربا 7/وجوب الكف على التعامل بالربا 8/نصائح مهمة للمتعاملين بالربا 9/بعض حكم تحريم التعامل بالربا

اقتباس

إن من الناس من هو مستقيم في عباداته، لكنه منحرف في معاملاته تجده يحرص على الصلاة، حتى في المساجد جماعة، ويبكر إليها، ويدين لله -تعالى- بالنوافل من صدقة وصوم، وغير ذلك، ولكنه منغمس فيما حرم الله من المعاملات. وكم في كتاب الله –تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من وعد لمن...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

فقد قال الله -عز وجل-: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا) [النساء: 27].

 

(يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28].

 

هكذا -أيها المؤمنون- هكذا يقرر الله هذه الكلية العامة الشاملة لكل إنسان أن كل إنسان خلق ضعيفاً خلق ضعيفاَ في نشأته، استمع: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس: 18- 19].

 

نطفة النطفة صبابة من الماء المهين وخلق الإنسان ضعيفاً في علمه: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء: 85].

 

فعلمه قليل فعلم الإنسان قليل محفوف بآفتين: جهل قبل العلم، ونسيان بعده، فالإنسان لا يعلم الغيب، والإنسان لا يعلم المستقبل، حتى في تصرفاته الخاصة التي يريد أن يفعلها لا يعلم ماذا يكون عليه: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا) [لقمان: 34].

 

خلق الإنسان ضعيفاً في تصوره وإدراكه، فقد يتصور القريب بعيد، والبعيد قريب، والنافع ضار، والضار نافع، ولا يدرك النتائج التي تتمخض عن تصرفاته: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) [المعارج: 19].

 

حتى في إدراكاته الحسية، فقد يبصر الشيء يتحرك وهو ساكن، وقد يبصره الشيء ساكن وهو يتحرك، وقد يبصره بلون وهو على خلافه في الواقع.

 

ومن أجل هذا الضعف، ومن أجل هذا القصور، رحم الله الخلق بإرسال الرسل، أنزل معهم الكتاب والميزان ليقوموا النَّاسُ بِالْقِسْطِ.

 

فيسيروا على صراط الله المستقيم، ويستنيروا بهدي الله العليم الحكيم، ولئن لا يبتدعوا تشريعات من عند أنفسهم، يسلكون بها المتاهات في الظلم والجور والنزاع والخلاف، أو يسنوا أنظمة متناقضة فوضوية، إن أصلحت جانب من الحياة أفسدت جوانب، أو يتبعوا أهواءهم، ويطلقوا حرياتهم في تصرفاتهم وفي معاملاتهم، ولا يمكن لشخص أن يطلق حريته بدون قيود، إلا كان ذلك على حساب حريات الآخرين.

 

أيها الناس: بعد هذا كله، عمي قوم أو تعاموا عن الحق حتى أنزلوا أنفسهم منزلة فوق المنزلة التي هم عليها، حتى ظنوا، بل زعموا أن شرائع الله إنما جاءت لإصلاح العبادات والأخلاق دون المعاملات، فاتبعوا أهواءهم في معاملاتهم، فشرعوا قوانين وتصرفوا كما يشاؤون، فشاركوا الله -تعالى- في شرعه، وعتوا عن أمره في شريعته وظلموا عباد الله فيما أخرجوهم به عن شريعة الله: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 6 - 4].

 

أفلا يرجع هؤلاء إلى رشدهم، ويتبعون سبيل ربهم، ويلتزمون بشريعته، ويقفون عند حدوده، ويقولون: سمعنا وأطعنا، ولا يكونون كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون؟ أو قالوا: سمعنا وعصينا؟

 

أيها الناس: إن شريعة الله -تعالى- نظمت للناس طرق معاملاتهم فيما بينهم، كما نظمت طرق أخلاقهم ومعاملتهم مع ربهم.

 

فالواجب على كل مؤمن، الواجب على كل مؤمن بالله واليوم الآخر -يا عباد الله- الواجب عليه أن يدين لله بالطاعة في عبادته وأخلاقه ومعاملاته، ولا يكون كالذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، يدين لله في عبادته وأخلاقه ويتبع هواه في معاملاته، فإنه مسئول عن ذلك كله.

 

إن من الناس من هو مستقيم في عباداته، لكنه منحرف في معاملاته تجده يحرص على الصلاة، حتى في المساجد جماعة، ويبكر إليها، ويدين لله -تعالى- بالنوافل من صدقة وصوم، وغير ذلك، ولكنه منغمس فيما حرم الله من المعاملات.

 

وكم في كتاب الله –تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من وعد لمن استقام في معاملاته على أمر الله، ووعيد على من تعدى فيها حدود الله؟

 

أيها الناس: إن الله -عز وجل- حرم الربا في كتابه وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأجمع على ذلك علماء المسلمين في كل عصر وفي كل مصر، لم يختلف منهم في تحريمه اثنان، قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: 278 – 279].

 

إي جرم في المعاملة أبلغ من معاملة يكون فيها الإنسان معلناً بحرب من الله ورسوله.

 

وقال عز وجل: (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 275].

 

وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- ثبت عنه: أنه لعن أكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: "هم سواء".

 

فهؤلاء خمسة ملعونون على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكل الربا وموكل الربا وكاتب الربا وشاهد الربا، كلهم ملعونون على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى الشاهد الذي يشهد به مع أنه لن ينتفع بذلك، فإنه يكون ملعوناً على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه رضي بالربا، ولأنه أثبته بشهادته.

 

ولقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يكون فيه الربا، وكيف يكون، ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد".

 

ولمسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الأخذ والمعطي فيه سواء".

 

فبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذين الحديثين: أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا بشرطين:

 

الأول: أن يكونا سواء في الوزن لا يزيد أحدهما على الآخر، ولا عبرة بالقيمة.

 

والثاني: أن يكون ذلك يداً بيد، بمعنى أن يسلم كل واحد من الطريفين لصاحبه ما بادله به قبل أن يتفرقا، فإن زاد أحدهما على الآخر ولو قرشاً واحدا، فهو ربا، والعقد باطل، وإن تفرقا قبل القبض من الطرفين، فالعقد باطل، حتى ولو تأخر القبض خمس دقائق، إذا تفرقا قبل القبض، فإن العقد باطل، وهو من الربا.

 

وهكذا إذا بيعت الفضة بالفضة، أو البر بالبر، أو الشعير بالشعير، أو التمر بالتمر، أو الملح بالملح، فلابد من هذين الشرطين: التساوي والقبض من الطرفين، فلوا باع صاعاً من بر بصاع منه وزيادة، فهو ربا، ولو كانت القيمة واحدة، وعلى هذا، فإذا كان عند امرأتين حلي، وأحبت إحداهما أن تبادل الأخرى، فلا يجوز إلا أن يوزن حلي كل واحدة منهما، فيكونا سواء، وأن تتقابضا قبل التفرق.

 

وكذلك لا يجوز أن يبدل حلي جديد بقديم يساويه وزنا، مع دفع فرق القيمة، فإن هذا من الربا، ولكن يباع القديم ويشترى بثمنه جديد من محل آخر، إن أمكن، فإن لم يمكن فله أن يشتري ممن باعه عليه، بشرط أن لا يكون بينهما اتفاق قبل ذلك.

 

أما إذا بيع الذهب بالفضة، فإنه لا يشترط التساوي، وإنما يشترط التقابض قبل التفرق، فإذا بيع حلي من الذهب بدراهم، فإنه يجب التقابض من الطرفين قبل التفرق، بحيث يقبض البائع الثمن كاملاً، ويقبض المشتري الحلي كاملاً.

 

فلوا باع شخص سوارين من ذهب بمائتي ريال مثلاً، وكل واحد يساوي مائة، فأعطاه المشتري مائة ريال، وأخذ السوارين، وقال: آتي لك بعد قليل ببقية الثمن، فهذا حرام عليهما، ولا يصح البيع إلا في السوار الذي قبض ثمنه، وهو سوار واحد فقط.

 

أما السوار الثاني، فبيعه باطل؛ لأن ما يقابله من الثمن، لم يقبض، وهذه المسألة -أعني بيع الذهب بالفضة مع تأخير القبض- محرم، بنص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبإجماع المسلمين على ذلك، كما حكاه صاحب المغني وغيره.

 

ومن الأسف: أن بعض الناس لا يهتمون بهذا الأمر يشتري الحلي ولا يسلم الثمن، ولقد بلغني أن الصواغ وتجار الحلي يبيعون الحلي بالدراهم، ولا يقبضون الثمن من المشتري، وهذا حرام عليهم، وحرام على المشتري، وهو من الربا الملعون فاعله على لسان محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو من الربا الذي أجمع المسلمين على تحريمه.

 

يا عباد الله: إن العلماء إذا أجمعوا على أمر، فإنه لا مجال للاجتهاد بعده، فإذا كانوا قد أجمعوا على تحريم بيع الحلي من الذهب بالفضة، مع تأخير القبض، فإنه لا يجوز لأحد أن يجتهد بعد ذلك؛ لأنه يكون ممن قال الله فيهم: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) [النساء: 115].

 

فإذا قام النص على مسألة من المسائل، وأجمع عليها المسلمون، فإنه لا يمكن لا يمكن لأحد من المسلمين أن يخالف ذلك، وإذا خالف في ذلك، فإنه يضرب بوجهه ما تكلم به.

 

وإنني أظن، أظن أن هؤلاء الباعة من الصواغ وتجار الحلي، أظن أنهم لا يدرون عن حكم هذه المسألة، ولا أظن أن مؤمن بالله واليوم الآخر يعلم أن هذا ربا ثم يتعامل به، لا سيما وأن في التقابض مصالح عظيمة منها: أنهما إذا تقابضا حصلت السلامة من الربا، وانتفع البائع بنقد الثمن، وسلم من مماطلة المشتري أو نسيانه أو إعساره، والمشتري يفك ذمته بتسليم الثمن، وخلو ذمته من الطلب.

 

ولقد بلغني أيضاً أن بعض تجار الذهب يتبايعونه بواسطة التلفون أو التلكس يدلهم على محلات الذهب، فيشتري منه كذا وكذا غراماً، وبعد مضي مدة يدلهم عليه، فيقول: بعها لنا إذا زاد ثمن الذهب فيتصرف قبل القبض، بل قبل الملك أو يشتري منه الذهب بواسطة التلفون أو التلكس، ويرسلها إليه في بلده بدون قبض الثمن في مجلس العقد، وكل هذا رباً صريح، وطريق محرم.

 

والطريق الحلال، يكون لك وكيل هناك يشتري لك الذهب ويسلم ثمنه فوراً في مجلس العقد.

 

أيها المسلمون: إن بعض الناس الذين يتعاملون بهذه المعاملة المحرمة الملعون فاعلها أنه يعزي نفسه، فيقول: أنا لم أبع ذهب بفضة، وإنما بعت ذهباً بقرطاس.

 

فنقول له: لا تغالط نفسك، إنك في الدنيا يمكن أن تموه على بعض السذج، ولكنك بين يدي الله لا يمكن أن تموه مثل هذا التمويه.

 

إن هذا الخداع الذي خادعت به نفسك، إنه من خداع الشيطان وغروره، فهذه الأوراق جعلت نقداً وعملة بين الناس بمقتضى قرار الحكومة، فلها حكم ما جعلت بدلاً عنه، فإذا جعلت بدلاً عن الريالات الفضية كان لها حكم الفضة، وكل أحد يعلم بأن هذه الأوراق النقدية ليس لها قيمة، باعتبار كونها ورقا، فالأسواق مملؤوة من قصاصة الورق التي بقدر ورقة النقد، بل هي أحسن منها أحياناً في النقوش والوشي.

 

ومع ذلك ليس لها قيمة أصلا، بل هي ملقاة في الذبل للإتلاف والإحراق، فهذه الأوراق هي في حكم الفضة؛ لأنها جعلت بدلاً عنها، وكل إنسان يعرف أن هذه الأوراق لا قيمة لها في حد ذاتها، وإنما قيمتها، باعتبار ما أسدت الحكومة عليها من الاعتبار.

 

فاتقوا الله -عباد الله- وسيروا في عباداتكم ومعاملاتكم وجميع تصرفاتكم على شريعة الله، ولا تتبعوا أهواءكم، فإن الله يقول: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص: 50].

 

اللهم إنا نسألك يا منان يا كريم في هذا المكان الذي ننتظر فيه عبادة من عبادتك.

 

نسألك اللهم أن تهدينا صراطك المستقيم صراطك الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

 

اللهم جنبنا صراط أصحاب الجحيم صراط المغضوب عليهم والضالين.

 

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبس علينا فنضل أنك تهدي من تشاء إلى صراط المستقيم.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحمد في الآخرة والأولى.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 

أما بعد:

 

أيها الناس: فإنه كثيراً ما نكرر عليكم مثل هذه الخطبة، ونبين لكم أن التعامل بالذهب على الوجه الذي يكون فيه التفاضل فيما بين الذهبين، أو يكون فيه تأخير القبض فيما إذا أشترى الذهب بالفضة، كثيراً ما نقول لكم: أن هذا ربا، ولكن ما أحسن أن نتمثل بقول الشاعر:

 

لقد أسمعت لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي

 

وإني أسال الله -تعالى- أن يجنب شعبنا، وأن يجنب جميع المسلمين مثل هذه الخصلة الذميمة التي يسمع فيها الإنسان الحق يسمعه بأذنيه، ثم بعد ذلك يعارضه ولا يبالي به، ويجعله وراء ظهره، ينبذه وراء ظهره، من غير مبالاة به.

 

أيها المسلمون: إن الواجب على كل مؤمن إذا سمع الموعظة من كتاب الله ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

الواجب عليه: أن يقوم بمقتضى هذه الموعظة تركاً للمنهي عنه، وفعلاً للمأمور به؛ لأنه -والله- سوف يسأل عن ما سمع سوف يسأل يوم القيامة، كما قال الله -عز وجل-: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 65].

 

فانظر -يا أخي- ماذا تجيب به المرسلين إذا سألك الله يوم القيامة؟

 

لا تكن ممن قال الله فيهم: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ) [القصص: 66].

 

كن ممن قال الله فيهم: إننا أجبنا المرسلين، آمنا بهم، وصدقنا بهم، وقمنا بأوامرهم، وتركنا نواهيهم لتكون ممن أنعم الله عليهم.

 

أيها المؤمن: إن الواجب عليك إذا سمعت واعظ الكتاب والسنة، أن لا تحاول أن تحيد عنه بأي حيلة من الحيل، وأنه في هذا الأسبوع نشرت جريدة الجزيرة كلاماً أقرأه عليكم الآن ليزداد يقينكم، حتى تعلموا أن هذا أمر اجتمع فيه أمر الله -عز وجل-، وأمر ولاة الأمور، يقول هذا النص: أبلغ وكيل وزارة التجارة للتموين جميع الغرف التجارية والصناعية بالمملكة: بإلزام باعة الذهب ببيع الذهب بالذهب مثلاً بمثل، وزناٌ بوزن، يداً بيد، بحيث لا يجوز التفاضل في القيمة ولا التفرق قبل القبض، ولا يجوز بيع الذهب القديم بالذهب الجديد، مع زيادة في الثمن، مقابل الصياغة والجدة، كما يزعم الباعة.

 

وكانت الوزارة قد تلقت خطاباً من صاحب السمو الملكي نائب وزير الداخلية مرفق خطاب سماحة الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الشيخ/ عبد العزيز بن باز، بشأن ما لوحظ في الوقت الحاضر من انتشار نوع من المعاملات المحرمة شرعا فيما يتعلق ببيع الذهب والمصاغات من قبل النساء على باعة الذهب، واستبدالهن القديم بالجديد منه، مع اختلاف في القيمة وزيادة في ثمن الجديد، حيث يزعم الباعة أنها مقابل الصياغة والجدة، وكذلك ما انتشر بين الناس من التفرق قبل قبض الثمن، أو كامل الثمن، في بعض الأحيان، عند بيع الذهب وشراءه، قال: إن الوزارة قامت بهذه الأجراء تنفيذاً لفتوى لسماحة الشيخ/عبد العزيز بن باز، التي تؤكد التقيد بتعاليم الشريعة الإسلامية، وقال: إن ذلك سيساعد على توعية الناس، والابتعاد عن ما حرمه الله عليهم في المعاملات الشرعية، وأكد أن وزارة التجارة ستتابع بكل شدة وحزم مع باعة الذهب.

 

أيها المسلمون قرأت عليكم هذا الذي نشر في الجزيرة في العدد 5232 في يوم الأحد، الموافق 25/5/1407هـ، قرأته عليكم ليتبين لكم أن هذا الأمر اجتمع فيه أمر الله ورسوله وأمر ولاة الأمور، حيث صدر من نائب وزير الداخلية وهم المسئولون عن شئون هذه البلاد، وعلى هذا، فلا عذر لأحد بعد ذلك.

 

اللهم قد بلغنا فوفقنا للعمل بما علمنا يا رب العالمين.

 

أيها الباعة أيها الصواغ: أليس من الأفضل في حقكم أن تستلموا الثمن كاملاً؟

 

أعتقد أن جوابكم الآن في نفوسكم: أن هذا هو الأفضل لنا، أن نقبض الثمن كاملاً، إذا كان هو الأفضل عندكم، وهذا هو الواجب عليكم شرعاً، فما بالكم يأخذكم الطمع، فتبيعون الذهب بدون أن تقبضوا ثمنه كاملاً؟

 

إن في الواقع خدعتكم أنفسكم باجتناب الأفضل لها، وعصيتم الله ورسوله بأن بعتم هذا البيع المشتمل على الربا، وقد علمت أو قد بلغكم ما في نصوص الكتاب والسنة من الوعيد الشديد على آكل الربا وموكله.

 

إنني أخاطب الباعة أولاً: أن يتقوا الله، وأن يقولوا للمشتري: احضر الثمن كاملاً نبيع عليك.

 

وإني أيضاً أحذر المواطنين: أن يشتروا شيئاً من الباعة، أو من الصواغ، أن يشتروا شيئاً بدون قبض الثمن.

 

فمن لم يكن الثمن عنده فلينتظر حتى يرزقه الله، أو ليستقرض من أحد إخوانه، إذا كان له وفاء في المستقبل القريب.

 

عباد الله: أنتم عبيد الله، أنتم الذين خلقكم الله من العدم، أنتم الذين ستصيرون إلى الفناء، ستفارقون هذه الدنيا، خلقتم في هذه الدنيا لا عبثاً ولهواً، ولا لأجل أن تتمتعوا كما تتمتع البهائم بالأكل والشرب والنكاح والترف، ولكنكم خلقتم لعبادة الله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56].

 

فإذا كان كذلك، فإنه لا يليق بكم أن تخالفوا هذه الحكمة العظيمة، أن تخالفوا شريعة الله -عز وجل- لا في العبادات ولا في الأخلاق ولا في المعاملات.

 

فاتقوا الله -عباد الله- واستعينوا الله يعنكم، وسيروا على هذا الدرب السليم المستقيم، فإنه قد يصعب عليكم في أول الأمر، ولكنه بعد ذلك يسهل عليكم وعلى المواطنين، ويقوم الأمر على ما يرضي الله ورسوله.

 

عباد الله: إن الله -تعالى- قد منع الغيث في هذه السنة منعه إلى هذه الوقت، ولا ريب أن ذلك لحكمة عظيمة لحكمة عظيمة، بينها الله في كتابه في قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41].

 

هذا من الحكمة في مثل هذه الأمور في مثل هذه المصائب، ولكنها تكون حكمة لمن كان قلبه ليناً لمن كان قلبه رقيقاً.

 

أما إذا كان القلب قاسياً -نسأل الله العافية- فإنه لا ينتفع بمثل هذه المصائب والمواعظ، ولكننا نرجو عفو الله ومغفرته، ونقر على أنفسنا بالإساءة والظلم، ولكننا –والله- قاصرون ومقصرون، فنسأل الله أن يعيننا على أنفسنا، ونسأل الله -تعالى- أن يغيثنا.

 

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً مغيثا هنئاً مريئا عاما نافعاً غير ضار.

 

اللهم اسقنا غيث تحي به البلاد وترحم به العباد، وتجعله بلاغ للحاضر والباد.

 

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين.

 

اللهم اسقنا الغيث والرحمة، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانتين، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا بلاء ولا عذاب ولا هدم ولا غرق.

 

اللهم ربنا إننا ظلمنا، اللهم ربنا إننا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

 

اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك،

 

اللهم إنا نسألك بذلك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همنا وغمنا.

 

 

 

المرفقات

أنواع الربا وتحريم تفاضل الذهب وتأخير القبض بأمر الله ورسوله وأولي الأمر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات