انتكاسة العقول (2)

محمد بن إبراهيم النعيم

2018-11-25 - 1440/03/17
عناصر الخطبة
1/أهمية نعمة العقل وضرورة اغتنامها 2/دعاء الأغبياء على أنفسهم بالضلال والحرمان 3/تأملات في أدعية المشركين في القرآن الكريم 4/من انتكاسة العقل أن يدعو المرء على نفسه بالشر 5/التحذير الشديد من الدعاء على النفس أو الأهل أو المال.

اقتباس

فإن من انتكاسة العقل أن يدعو المرء على نفسه بالشر، أو على أولاده أو على ماله. فبعض الآباء والأمهات يدعون على أولادهم إذا حصل منهم ما يغضبهم، فقد يستجاب دعاؤهم فيندموا أشد الندم، فترى بعض الأمهات العصبيات إذا...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد فإن من أعظم النِّعَم: نعمةَ العقل الذي يُميِّزُ به الإنسانُ بين الحق والباطل، وبين الخير والشرِّ، وبين النافعِ والضار، ولو استعمل الناس عقولهم الراجحة، لعرف كثير من الناس أخطاءهم، ومن أغفل عقله واتبع شهواته وهواه، انتكس في أقواله وأفعاله.

 

أيها الإخوة في الله: عرضت لكم في الأسبوع الماضي صورة من انتكاسة العقول عرضها لنا ربنا -عز وجل- في كتابه، يريد منا أن لا نقع فيها، واليوم أعرض لكم انتكاسة ثانية حذّرنا ربنا -عز وجل- من الوقوع فيها، أتعرفون دعاء الأغبياء؟ أولئك الذين يدعون على أنفسهم بالشر، وما أكثرهم.

 

الانتكاسة الثانية: دعاء الأغبياء

قال -تعالى- في سورة الأنفال حاكيًا حال كفار قريش: (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[الأنفال: 32].

 

فهم لم يطلبوا آية تقنعهم، وإنما طلبوا آية تهلكهم، طلبوا الهلاك لأنفسهم، فمن الغباء يا عباد الله أن يدعو الإنسان على نفسه.

 

فالذي قال هذا الدعاء هو أبو جهل بن هشام، فنزل قوله -تعالى- في الآية التي تليها: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الأنفال: 33].

 

وقد كان أبو جهل يلقب بأبي الحكم لرجاحة عقله، وعندما رفض الإسلام؛ تكبرًا أصبح من أجهل الناس، وسمي بأبي جهل.

 

فعن أَنَس بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآيَةَ"(رواه البخاري).

 

فانظروا إلى جهل أولئك الكفار وغبائهم وانتكاسة عقولهم وحماقتهم، لم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا، أو أنزل علينا هداية، أو بصرنا بخطئنا، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وإنما قالوا: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)؛ أي نزِّل علينا حجارة أو عذابا، وأهلكنا إن كان محمد صادقًا في نبوته.

 

فلماذا ترضى أن ينزل عليك العذاب؟ ولماذا تدعو على نفسك بالشر؟ إنها جهالة في العقل وانتكاسة.

 

لذلك رُوي عن معاوية بن سفيان أنه قال لرجل من سبأ: "ما أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأة؟ فقال: بل أجهل من قومي قومك حين قالوا: (اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التفسير المنير).

 

فما يضير الإنسان أن يدعو لنفسه بالخير؟

فتأملوا انتكاسة أولئك الكفار حين دعوا على أنفسهم، فما ضرهم لو دعوا لأنفسهم بالهداية؟ فلو كان محمدُ صادقًا في نبوته فسيستجاب دعاؤهم ويفوزوا بخيري الدنيا والآخرة، وإن كان غير ذلك -والعياذ بالله-، فهم على وضعهم وحالهم، ولن يخسروا شيئًا؟

 

أما أن يدعو الإنسان على نفسه بأن يُنزَّل عليه حجارة كي يهلك؟ فهذا دعاء الأغبياء.

 

ولقد تكررت مثل هذه الانتكاسة مع أحد المشركين الأغبياء، حيث روى بريدة أن رجلاً قال يوم أُحد: "اللهم إن كان محمد على الحق، فاخسف بي، قال: فخُسف به"(أورده  الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجاله رجال الصحيح).

 

كما تكررت مثل هذه الانتكاسة وهذا الغباء مع قوم لوط، حينما دعاهم لوط عليه السلام إلى ترك ما هم فيه من فواحش، فقال -تعالى- في سورة العنكبوت: (ولُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[العنكبوت: 28- 29].

 

فطلبوا نزول العذاب عليهم، ولم يطلبوا نزول الخير والنعم.

 

وتكررت مثل هذه الانتكاسة أيضًا مع قوم شعيب، حينما دعاهم شعيب  إلى تقوى الله وعدم تطفيف الكيل، فطلبوا منه أن يسقط عليهم قطعًا من السماء لتهلكهم إن كان صادقًا في رسالته، فقال -تعالى- في سورة الشعراء: (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ)[الشعراء: 185- 190].

 

فلو كان حال هؤلاء الكفار كحال الغلام الذي أرسله أهله إلى ساحر كي يعلمه فنون السحر والكفر، وفي أثناء طريق عودته للبيت رأى راهبًا، فتعلم منه الدين الحق، فعندما ظهرت دابة في طريق الناس، دعا الغلام ربه أن يقتل الدابة قائلاً: "اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة"، ولم يدعُ على نفسه.

 

فعَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ فَقَعَدَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ فَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ، مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ…"(إلى آخر الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه في قصة أصحاب الأخدود التي ذكرت في سورة البروج، فحري بنا أن نقرأها).

 

فالشاهد من هذا الأمر أنه ينبغي للعاقل أن لا يدعو على نفسه ألبتة، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهانا أن ندعو على أنفسنا أو على ممتلكاتنا، فقد روى جابر  قال: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ وَكَانَ النَّاضِحُ –البعير – يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ فَدَارَتْ عُقْبَةُ – أي: نوبة – رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ – أي تباطأ وتوقف- فَقَالَ لَهُ: شَأْ لَعَنَكَ اللَّهُ –كلمة زجر للبعير- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ هَذَا اللاَّعِنُ بَعِيرَهُ"؟ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَال: "انْزِلْ عَنْهُ فَلا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ"(رواه مسلم).

 

فبعض الناس إذا تعطلت سيارته أو كثر عليه صيانتها، يغضب وينفعل فيدعو الله قائلاً: الله لا يبارك فيها من سيارة، ونحو ذلك من دعوات، فمن الخاسر إذا لم يبارك الله في سيارتك؟ أليس أنت؟ فلماذا تدعو على نفسك؟

 

ولذلك نهى النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- المصلي أن يصلي وهو نعسان؛ لئلا يدعو على نفسه دون أن يشعر، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي –صلى الله عليه وسلم-  قال: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ"(متفق عليه).

 

وفي رواية قال –صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا نَعَسَ الرَّجُلُ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَلْيَنْصَرِفْ لَعَلَّهُ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ لا يَدْرِي"(رواه النسائي وابن حبان)، ومعنى فلينصرف أي فليخفف من الصلاة، وليتجوَّز فيها حتى ينهيها كي لا يدعو على نفسه.

 

وإن طول السهر خاصة في فصل الصيف سيمنع في الغالب من الاستيقاظ لصلاة الفجر، ومن قام وفيه النعاس وقع في المحذور؛ لأنه قد يدعو على نفسه أثناء السجود وهو لا يشعر.

 

أسأل الله -تعالى- أن يفقّهنا في أمر ديننا، وأن يعصمنا من الزلل، ويوفقنا لصالح القول والعمل، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أحسن كلَّ شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الأنبياء والمرسلين، صل الله عليه، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم أجمعين وسلم تسليماً.

 

أما بعد:

فإن من انتكاسة العقل أن يدعو المرء على نفسه بالشر، أو على أولاده أو على ماله.

 

فبعض الآباء والأمهات يدعون على أولادهم إذا حصل منهم ما يغضبهم، فقد يستجاب دعاؤهم فيندموا أشد الندم، فترى بعض الأمهات العصبيات إذا أغضبها ابنها قالت: "اطلع طلعت روحك"، ونحو ذلك من دعوات، تظن أنها غير قاصدة للشر، ولكن الله قد يستجيبُ لها عقوبة لها، فيهلك هذا الابن في حادث أو نحوه.

 

وقد أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- بأن دعاء الوالد في ولده مستجاب؛ فقال: "ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ"(رواه الترمذي). وقال: لَمْ تُذْكَرْ الْوَالِدَةُ لأَنَّ حَقَّهَا أَكْثَرُ فَدُعَاؤُهَا أَوْلَى بِالإِجَابَةِ. اهـ.

 

وهذا صحيح، ففي قصة جريج عابد بني إسرائيل وأمه الواردة في صحيح مسلم عبرة وتأكيد لذلك، فقد كان جريج يتعبد في صومعته ويطيل الصلاة، وكانت أمه أحيانًا تناديه في حاجتها فيكون في صلاة فلا يرد عليها، فأغضبها ذات يوم تصرُّفه ذلك، فدَعَتْ عليه أن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات؛ أي: الزانيات، فاستجاب الله لها، وابتُلِيَ بزانية ادَّعَتْ عليه أنها حملت منه سفاحًا، وكاد القوم أن يقتلوه ويهدموا صومعته؛ ولكن الله -تعالى- أنقذه فأنطق الطفل وهو في المهد قائلاً: أنه ابن راعي غنم، وليس ابن جريج.

 

أيها الإخوة في الله:

خلاصة الأمر أن من دعا على نفسه أو ولده أو ماله هو إنسان منكوس العقل؛ لأنه سيدفع ثمن ما تفوه به ندمًا وألمًا قد لا يُعَوَّض، فلا ينبغي أن نسلك مسلك الكافرين الذين حكى الله لنا حالهم حين دعوا على أنفسهم، وما صاروا إليه.

 

ومع انتكاسة أخرى حذَّر منها ديننا نعرضها في خطبة قادمة بإذن الله.

 

أسأل الله -تعالى- أن يجعلنا ممن يستمع إلى القول ويتبع أحسنه.

 

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا..

 

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت..

 

اللهم أحينا على أحسن الأحوال التي ترضيك عنا..

 

اللهم ارزقنا الثبات حتى الممات، اللهم أصلح لنا ديننا..

 

اللهم احفظ علينا أمننا واستقرارنا، وأصلح ولاة أمرنا..

 

المرفقات

انتكاسة العقول (2)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات