امتناع الزوج الموسر من النفقة

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2021-03-11 - 1442/07/27

اقتباس

امتناع الزوج الموسر من النفقة

 
د. عبد الله بن عبد العزيز آل الشيخ

 

 إذا منع الزوج الموسر عن زوجته ما يجب لها عليه من نفقة أو كسوة أو مسكن أو منع بعضها , فلا يخلو الأمر من الحالات الآتية :

الحالة الأولى :إذا قدرت الزوجة له على مال فإنها تأخذ قدر كفايتها ولو بلا إذنه وعلمه باتفاق العلماء [1].

وبوّب البخاري في صحيحه : باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف [2] . ثم أخرج حديث عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة قالت : يا رسول الله , إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم . فقال : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.

فقد أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في الأخذ من مال زوجها بغير إذنه , وردها إلى اجتهادها في قدر كفايتها وكفاية ولدها , وهو متناول لأخذ تمام الكفاية , فإن ظاهر الحديث دل على أنه قد كان يعطيها بعض الكفاية ولا يتممها لها , فرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في أخذ تمام الكفاية بغير علمه [3].

وعلّل الفقهاء ذلك بأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئاً فشيئاً , فتشق المرافعة إلى الحاكم والمطالبة بها في كل الأوقات , فلذلك رخص للزوجة في أخذها بغير إذن من هي عليه [4].

وأيضا فإن صاحب الحق إذا ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه كالمسروق والمغصوب منهما [5]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : من كان له عند إنسان حق ومنعه إياه , جاز له الأخذ من ماله بغير إذنه إذا كان سبب الحق ظاهراً لا يحتاج إلى إثبات , مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها [6].

الحالة الثانية : إذا لم تقدر على أخذ كفايتها : رافعته إلى الحاكم , ثم يجبره على الإنفاق عليها , فإن أبى الزوج النفقة حبسه الحاكم [7].

قالوا : لأن الحاكم وضع لفصل الخصومات , والحبس طريق إلى الفصل , فتعيّن فعله[8].

وفي تبصرة الحكام : يحبس الممتنع عن أداء الحق حبس تضييق وتنكيل , وهو في حق من عرف أنه قادر على أداء ما عليه من الحق وهو ممتنع من أدائه , فلا خلاف بين العلماء أن هذا يعاقب حتى يؤدي ما عليه [9].

ويدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : مطل الغني ظلم [10]. وحديث عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته [11].

فقد أفاد الحديث الأول أن من امتنع عن أداء ما وجب عليه مع قدرته يكون ظالماً , والظالم يستحق العقوبة لوجوب دفع الظلم . وأفاد الحديث الثاني جواز معاقبة من امتنع من أداء ما وجب عليه وهو قادر على أدائه , والحبس عقوبة فجاز معاقبته به , ولأن الغاية من عقوبته إلجاؤه إلى أداء ما وجب عليه , فيحبس حتى يؤدي ما عليه أو يموت في الحبس[12]. 

 الحالة الثالثة : إن صبر الزوج على الحبس , وقدر له القاضي على مال أنفق منه , هذا إذا كان المال من جنس حقها دراهم أو دنانير أو طعاما أو كسوة باتفاق [13].

قالوا : لأنها حق واجب عليه , فإذا امتنع من أدائه وجب الدفع إلى مستحقّه من مال خصمه كالدّين بل أولى , لأنها آكد من الدّين , بدليل جواز الأخذ بغير إذن المالك [14].

فإن لم يجد له مالاً إلا عروضاً أو عقاراً , فهل له بيعها في ذلك ؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين :

 القول الأول : لا يبيعها عليه القاضي بل يأمره أن يبيع بنفسه . وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله [15].

جاء في فتح القدير : لا يباع على الحاضر , حتى لو امتنع عن أداء الدين وعنده أموال غير الأثمان لا يبيع عليه القاضي , بل يأمره أن يبيع هو ويقضي , فإن لم يفعل حبسه أبدا حتى يبيع [16].

 واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأدلة منها :

1 _ أن العروض تحتاج إلى البيع , ولا يُباع على الحاضر ولا على الغائب , لأن البيع عليه حجر عليه , ولا يُحجر على العاقل البالغ [17]. 

2 _ ولأن بيع مال الإنسان لا ينفذ إلا بإذنه أو إذن وليه , ولا ولاية على الرشيد [18]. 

والقول الثاني : يجوز للقاضي أن يبيع العقار والعروض ويدفع منها النفقة للزوجة . وهذا قول الجمهور [19].

واحتجوا بأدلة منها :

1 _ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند : "خذي ما يكفيك" , ولم يفرّق بين مال ومال [20] .

2 _ ولأن ذلك مال له فتؤخذ منه النفقة كالدراهم والدنانير , وللحاكم ولاية عليه إذا امتنع بدليل ولايته على دراهمه ودنانيره [21].

والراجح والله أعلم قول الجمهور ؛ لأنه لا فرق بين كون المال دراهم ودنانير وبين كونها عروضاً وعقاراً , فكلها أموال للزوج .

الحالة الرابعة : إذا لم تفد هذه الإجراءات , بأن غيّب الزوج ماله وصبر على الحبس ولم يقدر الحاكم له على مال يأخذه , فهل يفرّق الحاكم بينهما حينئذ ؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين :

القول الأول : يمنع التفريق بينهما ما دام الزوج موسراً , فيحبس حتى ينفق أو يموت . وهو قول الحنفية [22], والظاهرية [23], وأصح القولين عند الشافعية [24], وقول القاضي من الحنابلة [25].

القول الثاني : يفرق القاضي بينه وبين زوجته إذا طلبت ذلك . وهو قول المالكية [26] , والحنابلة [27] , ووجه عند الشافعية [28], واختيار ابن القيم [29].

أدلة أصحاب القول الأول :

استدل القائلون بعدم التفريق بما يأتي :

1 _ أن الفسخ في المعسر إنما كان بسبب عيب الإعسار , ولم يوجد ههنا [30].

ويناقش : بأن عيب الإعسار إنما جوّز الفسخ لتعذّر الإنفاق على زوجته , بدليل أنه لو اقترض ما ينفق عليها أو تبرع له إنسان بدفع ما ينفقه عليها لم تملك الفسخ .

2 _ أن الزوج الموسر في مظنة إمكان الأخذ من ماله , وإذا امتنع في يوم فربما لا يمتنع في الغد بخلاف المعسر [31].

ونوقش : بأن المعسر يحتمل أن يغنيه الله أو أن يقترض أو يُعطى ما ينفقه فاستويا [32].

3 _ أن الزوجة متمكّنة من خلاص حقها , بأن يلزمه الحاكم الحبس وغيره [33].

ويناقش : بأن الحبس لا يفيد الزوجة .

أدلة أصحاب القول الثاني :

استدل القائلون بجواز التفريق بما يأتي :

1 _ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم , فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا.

 وعمر رضي الله عنه لم يفرّق بين الموسر والمعسر , ولم يسأل عن حالهم , ولو كان التفريق لا يجوز إلا على صنف دون آخر لسأل وبيّن .

قال ابن قدامة رحمه الله : وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع من الإنفاق [34].

2 _ أن الإنفاق عليها من ماله متعذر فكان لها الخيار كحال الإعسار , بل هذا أولى بالفسخ , فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى[35].

3 _ أن منع النفقة نوع تعذُّر يجوّز الفسخ فلم يفترق الحال بين الموسر والمعسر , كأداء ثمن المبيع فإنه لا فرق في جواز الفسخ بين أن يكون المشتري معسراً , وبين أن يهرب قبل أداء الثمن[36].

4 _ أن في الصبر على الامتناع ضررا أمكن إزالته بالفسخ , فوجبت إزالته [37].

الراجح :

القول بالتفريق أقوى حجة وأقرب إلى المعقول , وهو جزاء للزوج على مماطلته بحق زوجته فإن لي الواجد يحل عرضه وعقوبته .

ولأن أدلة التفريق في الإعسار تدور على رفع الضرر وإزالة الظلم , وهذه المعاني موجودة عند الامتناع عن الإنفاق وزيادة , لأن المعسر معذور ومع هذا فرق بينه وبين زوجته , فهذا أولى لما في الامتناع عن الانفاق من ألم يحز في نفس المرأة زيادة على الضرر من عدم النفقة .

قال ابن القيم رحمه الله : والذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها في هذه المسألة أن الرجل إذا كان ذا مال وترك الإنفاق على امرأته ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها ولا بالحاكم أن لها الفسخ [38].

*المصدر: مجلة البحوث والدراسات الشرعية 

*أستاذ الفقه المشارك بالمعهد العالي للقضاء بالرياض.

المراجع

 

[1] ينظر : فتح القدير 3/327 , بلغة السالك 1/523 , روضة الطالبين 6/480 , مغني المحتاج 3/422 , المغني 11/363 , كشاف القناع 13/149 .

[2] ينظر : صحيح البخاري , كتاب النفقات ص 1163 .

[3] ينظر : المغني 11/357 , كشاف القناع 13/149 .

[4] ينظر : المغني 11/357 , كشاف القناع 13/149 , زاد المعاد 5/450 .

[5] ينظر : المبسوط 5/188 .

[6] ينظر : مجموع الفتاوى .

[7] ينظر : بدائع الصنائع 4/29 , فتح القدير 4/202 , حاشية الدسوقي 2/461 , نهاية المحتاج 7/202 , المغني 11/363 , كشاف القناع 13/150 .

وعند الحنفية : لا ينبغي أن يحبسه في أول مرة تقدم إليه بل يؤخر الحبس إلى مجلسين أو ثلاثة , يعظه في كل مجلس , فإن لم يدفع حبسه حينئذ كما في سائر الديون . ينظر : المبسوط 5/187 , بدائع  4/29 .

[8] ينظر : كشاف القناع 13/150 .

[9] تبصرة الحكام 2/306 . وينظر : الفروق للقرافي 4/80 .

[10]  أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض , باب مطل الغني ظلم 2400 , ومسلم في صحيحه برقم 1564 .

ومعنى المطل : منع أداء ما استحق أداؤه . ينظر : المنتقى للباجي 5/66 .

[11] أخرجه أبو داود في سننه برقم 3628 , والنسائي في سننه برقم 4689 , وابن ماجه في كتاب الأحكام , باب الحبس في الدين والملازمة برقم 2427 , وأحمد في المسند 4/222 وغيرهم . وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود .

 ومعنى لي : أي مطله , وهو منع أداء ما استحق أداؤه . والواجد : القادر على الأداء , يحل عرضه بأن يقول ظلمني مطلني , وعقوبته : الحبس والتعزير . ينظر : المنتقى للباجي 5/66 , شرح السيوطي على سنن النسائي  7/317 .

[12] ينظر : , مجموع الفتاوى 28/279 , فتح الباري 5/62 .

[13] ينظر : الهداية 2/650 , بدائع الصنائع 4/29 , المغني 11/363 , 

[14] ينظر : كشاف القناع 13/150 .

[15] وقد خالفه صاحباه . ينظر : الهداية 2/650 , بدائع الصنائع 4/29 .

[16] ينظر : فتح القدير 4/210 .

[17] ينظر : الهداية 2/650 , فتح القدير 4/210 .

[18] ينظر : العناية 4/210 , المغني 11/363 .

[19] ينظر: الهداية للمرغيناني 2/650 , البهجة شرح التحفة 1/397 , المغني 11/363 .

[20] ينظر : المغني 11/363 , الشرح الكبير 24/381 .

[21] ينظر : المرجعان السابقان .

[22] ينظر : فتح القدير 4/202 , الفتاوى الهندية 1/552 , حاشية ابن عابدين 3/581 .

[23] ينظر : المحلى 11/326 .

[24] ينظر : مغني المحتاج 3/442 , نهاية المحتاج 7/202 . 

[25] ينظر : المحرر ص 508 , المغني 11/364 , الإنصاف 24/384 . 

[26] ينظر : حاشية الدسوقي 2/461 . 

[27] ينظر : المغني 11/364 , كشاف القناع 13/150 , الإنصاف 24/382 .

[28] ينظر : مغني المحتاج 3/442 , نهاية المحتاج 7/202 . 

[29] ينظر : زاد المعاد 4/156 . 

[30] ينظر : المغني 11/364 , الشرح الكبير 24/382 . 

[31] ينظر : المرجعان السابقان . 

[32] ينظر : المغني 11/365 . 

[33] ينظر : مغني المحتاج 3/442 , نهاية المحتاج 7/202 . 

[34] ينظر : المغني 11/364 . 

[35] ينظر : المرجع السابق . 

[36] ينظر : المرجع السابق . 

[37] ينظر : المرجع السابق . 

[38] ينظر : زاد المعاد 4/156

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات