النعيم السرمدي

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-11-01 - 1437/01/19
عناصر الخطبة
1/ الموت نهاية كل حي 2/ الجنة هي الجزاء العظيم الذي أعده الله للمتقين 3/ صفات الجنة ووصفها 4/ سبل الوصول إلى الجنة كثيرة فأين المشمرون؟ 5/ الإرشاد إلى أعمال يسيرة ثوابها دخول الجنة.

اقتباس

إن من أسباب دخول الجنة: أن يتلفظ المؤمن بالشهادتين بعد إكمال الوضوء.. ومن ذلك قراءة آية الكرسي وسورة تبارك، وسورة قل هو الله أحد، وقول لا حول ولا قوة إلا بالله، وطلب العلم ابتغاء وجه الله، والمحافظة على الصلوات الخمس، ولاسيما الفجر والعصر، وكذلك المحافظة على السنن الرواتب، والإكثار من السجود لله، وقيام الليل، وكثرة الخطا إلى المساجد، والقيام بعماراتها ومتابعة المؤذن، والصيام، والحج والجهاد؛ كل هذا صحت به الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله -عز وجل- وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

 

أيها المسلمون: الأعوام وإن طالت، والسنين وإن تعددت؛ فكل إنسان منا سوف تصيبه مصيبة الموت، ويكون مرتهنًا بعمله في هذه الدنيا، ثم يكون إلى القبور إلى يوم الحشر والنشور، ثم يكون القرار إما في الجنة أو النار (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى: 7].

 

فما هذه الدار التي تسمى بالجنة والتي أمر الله -تعالى- بالمسابقة إليها (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) [الحديد: 21].

 

ما هذه الدار التي يسارع إليها أهل الإيمان، إنها سلعة الله الغالية التي في طلبها يتنافس المتنافسون ولمثل هذا العمل فليعمل العاملون.

 

الجنة -أيها المسلمون- هي الجزاء العظيم وهي الثواب الجزيل الذي أعده الله –سبحانه- لأوليائه وأهل طاعته: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [الكهف: 107- 108].

 

أكلها دائم وظلها أهلها (يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ) [ص: 51- 52]، (يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الزخرف:71].

 

إنها دار الطيبين دار المؤمنين المتقين (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون: 2- 11].

 

هذه الدار قال الواحد القهار في وصفها: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [محمد:15].

 

فيا لها من دار عظيمة (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) [الغاشية: 10- 16]، أهلها (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة: 25- 26].

 

(وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)، (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [فاطر: 32- 33].

 

فأين المشمرون إليها؟ وأين العاملون لها؟

لقد صح عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- في وصفها أحاديث كثيرة، فأخبر أن "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب، فيها غرف يُرَى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها".

 

إنها لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، إنها رحمة الله يرحم بها من يشاء، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم، فلا يرى بعضهم بعضًا.

 

وفي الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر, والذين يلونهم على أشد كوكب درّي في السماء إضاءةً, لا يبولون, ولا يتغوطون, ولا يتمخطون, ولا يتفلون, أمشاطهم الذهب, ورشحهم المسك, ومجامرهم الأَلُوَّة، وأزواجهم الحور العين, أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء".

 

وفي الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ؛ نادى منادٍ يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا، فيقولون: ما هو، ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة وينجنا من النار؟، فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا هو أحب إليهم من النظر إليه".

 

عباد الله: ألستم تريدون رضوان الله وجنته فأين العمل لها؟ أين الاستجابة لله وللرسول؟، قال -صلى الله عليه وسلم-: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (روه البخاري).

 

وفي صحيح مسلم عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله -عز وجل-: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومصداق ذلك في كتاب الله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17].

 

الجنة أُعدت لكل مَن آمن بالله ورسوله، وأخلص في عمله، وجاهد في سبيل الله، وأدى فرائض الله، وما أوجب عليه من حقوق، فهذا وأمثاله ممن يقال لهم (ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ)، جعلني الله وإياكم منهم إنه جواد كريم.

 

كما أن من أسبابها، وأسبابها يسيرة على من يسرها الله عليه، أن يتلفظ الإنسان بالشهادتين بإخلاص وصدق، مع العمل بمقتضاهما قال -صلى الله عليه وسلم-: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".

 

وتلاوة القرآن والعمل به مما يبوء صاحبها الجنة، فلقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها".

 

ومن ذلك ذكر الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لقيت ليلة أُسري بي إبراهيم، فقال يا محمد أقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيّبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر".

 

والإيمان والاستقامة بفعل الأمر، واجتناب النهي؛ فقد قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [الكهف: 107- 108]، وقال -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30].

 

ومن ذلك: إحصاء أسماء الله -عز وجل-، قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة"، والمراد بإحصائها أن يحفظها حتى يستوفيها، ويدعو الله -تعالى- بها، ويقوم بحقها، ويعمل بمقتضاها، ويعرف معناها.

 

جعلني الله وإياكم ووالدينا وأزواجنا وأولادنا من أهل الجنة إنه جواد كريم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 أما بعد: فإن من أسباب دخول الجنة أن يتلفظ المؤمن بالشهادتين بعد إكمال الوضوء، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم؛ كما في صحيح مسلم-: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء".

 

ومن ذلك قراءة آية الكرسي وسورة تبارك، وسورة قل هو الله أحد، وقول لا حول ولا قوة إلا بالله، وطلب العلم ابتغاء وجه الله، والمحافظة على الصلوات الخمس، ولاسيما الفجر والعصر، وكذلك المحافظة على السنن الرواتب، والإكثار من السجود لله، وقيام الليل، وكثرة الخطا إلى المساجد، والقيام بعماراتها ومتابعة المؤذن، والصيام، والحج والجهاد؛ كل هذا صحت به الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

ومن ذلك كفالة اليتيم، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا؛ وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى وفرج بينهما".

 

ومن ذلك: تربية البنات وإعالتهن، والصبر على ذلك، قال -صلى الله عليه وسلم-: "من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو" وضم أصابعه. (رواه مسلم).

ومعنى عالهما: قام عليهم بالنفقة، والتربية الصالحة، والإحسان إليهن.

 

ومن أسباب دخولها: حُسن الخلق، والصدق في الحديث، وترك الكذب والمراء، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المِرَاء وإن كان محقّاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خُلقه".

 

ومن أسباب دخول الجنة: التجاوز عن المعسر ومسامحته، فعن حذيفة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أن رجلاً مات فدخل الجنة، فقيل ما كنت تعمل؟ قال: كنت أبايع الناس، فكنت أُنظر المعسِر، وأتجاوز في النقد فغفر له" (رواه مسلم).

 

ومن ذلك بر الوالدين؛ فقد روى الإمام أحمد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ "، فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ"، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ.

 

اللهم اجعلنا من الوارثين الذين يرثون الفردوس يا رب العالمين، اللهم وفقنا لأسباب دخولها يا حي يا قيوم، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- وعبادك الصالحين.

 

 

المرفقات

النعيم السرمدي.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات