النصر .. أسبابه ومقوماته

يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه

2014-05-25 - 1435/07/26
عناصر الخطبة
1/ أسباب النصر 2/ افتقارنا لها 3/ السبيل إليها 4/ تهويد القدس 5/ النصر للإسلام

اقتباس

ولو قام العلماء والأتقياء وأدوا ما عليهم من النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأحيوا روح القرآن، وذكروا المؤمنين بمعانيه الشريفة، واستلفتوهم إلى عهد الله الذي لا يخلف؛ لرأيتم الحق يسمو والباطل يسفل، ولرأيتم نورا يُبِهِرُ الأبصار، وأعمالا تحار فيها الأفكار!.

 

 

الخطبة الأولى:

 

عباد الله: لماذا ندعو الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، أن يكتب لنا النصر؛ ولا يستجاب لنا؟ نتوجه إليه بقلوب خاشعة، وألسنة طاهرة، وأيد ضارعة؛ ولا يستجاب لنا؟.

 

أيها المؤمنون: لماذا لا تزال أمتنا تحت الحصار؟ لماذا لا تزال تقترب من اليمين ومن اليسار؟ لماذا يظل أعداؤنا يتحكمون فينا تحكم السادة في العبيد؟.

 

أليست أمتنا هي القائمة على الدين الحق؟ أليست هي الشهيدة على الناس؟ ألم يخاطبنا المولى -تبارك وتعالى- بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران:110]؟ أوليست أمتنا الإسلامية هي الأمة الوحيدة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ وقد وصف الله -عز وجل- سِوَانا بقوله: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة:79].

 

إذا؛ لماذا أصبحنا أذلاء نستجدي غيرنا وقد كنا أعزاء؟ ألم تحكم دولتنا الإسلامية العالم لقرون عديدة؟ فما هو سبب هذا التردي والانحسار؟ ما هو سبب هذا الانكسار؟.

 

تعالوا -أيها المؤمنون- نعالج هذه الأمور، ونضع النقاط على الحروف، حتى نعرف: من أين نبدأ؟ وإلى أين نقف؟.

 

عباد الله: المشكل أننا ندعو الله ونحن بعيدون عن الله، ندعو الله أن ينصر الإسلام وأن يُعِزَّ المسلمين ونحن قعود على جنوبنا، ولا نريد أن نبذل أنفسًا ولا أموالاً، ولا نضحي بغالٍ ولا رخيص، وما هكذا يستجاب الدعاء؛ إنما يستجاب الدعاء من قوم بذلوا ما يستطيعون وتركوا لله ما لا يستطيعون، فالله -تعالى- هو الذي يكمل النقص ويسد الثغرات؛ لأن النصر من عنده وحده: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:10].

 

وهذا نصر الله لأصحاب طالوت، كانوا قلة، كانوا في عدد أهل بدر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وحينما رأوا جنود جالوت قال الكثيرون: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) [البقرة:249]! فماذا قال أهل الإيمان؟ اسمعوا -أيها المؤمنون- لما قالوا: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة:249].

 

انظروا -يا عباد الله- إلى هذه اللفتة الإيمانية في قوله -تعالى-: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ)، بمجرد ظن الفئة المؤمنة أنهم ملاقو الله، قد جعل الله لهم هذه العقيدة، وإذا كان هذا حال مجرد الظن؛ فما بالك باليقين؟.

 

هكذا يجب علينا أن نفعل أيها المؤمنون، لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك، حتى ينكسر العدد الكبير منا أمام اليسير من العدد كما شاهدنا غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا.

 

ومن هنا يقول الصحابي الجليل أبو الدرداء: "إنما تقاتلون بأعمالكم"؛ فالأعمال فاسدة، والضعفاء مهملون، والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة، ومشاكلنا كثيرة، وأهل العلم والصلاح نائمون وغافلون.

 

ألم يقل الله -تعالى-: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200]؟ ألم يقل -سبحانه وتعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا) [المائدة:23]؟ ألم يقل -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل:128]؟ قال -تعالى-: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ) [الحج: 4].

 

ألم تقرؤوا -أيها المؤمنون- قوله -تعالى- في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال:45-46].

 

فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي معدومة عندنا، غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحَلَّ بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدِّين إلا رسمه؛ لظهور الفساد، ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد، حتى استولى العدو شرقا وغربا، برا وبحرا، وعمت الفتن، وعظمت المحن، ولا عاصم إلا من رحم.

 

عباد الله: ونظرة أخرى في هذه الآيات مع قوله -تعالى-: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة:250]. هذا هو دعاؤهم، توجهوا إلى الله وهم في قلب المعركة، وهم في ساحة القتال، هذه هي الشُحْنَة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه، فهو ينادي قائلاً: (ربنا)؛ لأن الرب هو الذي يتولى التربية والعطاء.

 

وتأملوا -أيها المؤمنون- قوله -تعالى-: (أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)! إنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر، ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام حتى يواجهوا العدو بإيمان.

 

وعند نهاية الصبر وتثبت الأقدام يأتي نصر الله للمؤمنين على القوم الكافرين، وتأتي نتيجة العزم الإيماني والقتال في قوله -تعالى-: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة:251].

 

تلك هي النتيجة التي يتمناها المؤمنون، هزيمة أعدائهم، فهل تتحقق هزيمة أعدائنا أيها المؤمنون؟ نعم، سوف تتحقق بإذن الله، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله: "ساعتان تفتح أبواب السماء، وقلما ترد على داع دعوته: عند حضور النداء، والصف في سبيل الله".

 

واعلموا -يا عباد الله- علم اليقين أن الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وهذا الانحراف الذي نراه اليوم نرجو أن يكون عارضا ويزول.

 

ولو قام العلماء والأتقياء وأدوا ما عليهم من النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأحيوا روح القرآن، وذكروا المؤمنين بمعانيه الشريفة، واستلفتوهم إلى عهد الله الذي لا يخلف؛ لرأيتم الحق يسمو والباطل يسفل، ولرأيتم نورا يُبِهِرُ الأبصار، وأعمالا تحار فيها الأفكار.

 

إن الحركة التي نلمسها ونحس بها الآن في نفوس المسلمين في أغلب الأقطار، تُبشرنا بأن الله -تعالى- قد أعد النفوس لصيحة حق يجمع بها كلمة المسلمين، ويوحد بها بين جمع الموحدين، وسوف يكون قريبا إن شاء الله.

 

فإن فعل المسلمون وأجمعوا أمرهم للقيام بما أوجب الله عليهم، صحّت لهم التوبة، وعفا الله عنهم، والله ذو فضل على المؤمنين.

 

فعلى الأمة وعلمائها أن تسارع إلى هذا الخير، والخير كله جمع كلمة المسلمين، والفضل كل الفضل لمن يبدأ منهم بالعمل: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف:17]، وما يذكر إلا أولوا الألباب.

 

قال رسول الله: "لا تزال يد الله -عز وجل- على هذه الأمة وفي كنفه وفي جواره وجناحه، ما لم يمل قراؤهم إلى أمرائهم، وما لم يبر خيارهم أشرارهم، وما لم يعظم أبرارهم فجارهم، فإذا فعلوا ذلك رفعها عنهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل بهم الفاقة، وسلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب". وقال: "إذا كان ذلك، لا يأتيهم أمر يضجون منه إلا أردفه بآخر يشغلهم عن ذلك".

 

 

الخطبة الثانية:

 

أيها المسلمون: من الأمور الهامة التي تستوجب انتباه وحذر ويقظة أمتنا الإسلامية، وبخاصة نحن أهل فلسطين، قضية بيت المقدس التي قفزت إلى ساحة الأحداث الساخنة، ليس بفعل يقظة الأمة الإسلامية وإنما -وللأسف الشديد- بفعل الممارسات الإسرائيلية، والنشاط الاستيطاني المتسارع داخلها وخارجها، والأنباء التي تتحدث عن الشروع بإقامة حَيّ استيطاني في البلدة القديمة، وبالتحديد في باب الساهرة بالقرب من برج اللقلق المجاور لباب حطة.

 

عباد الله: قلناها أكثر من مرة: إن القدس في خطر، ولكن لا حياة لمن تنادي! والحقيقة الجلية هي أن إسقاط القدس من قضية ما يسمى مفاوضات التسوية، وتأجيل بحثها لما يسمى مفاوضات الحل النهائي -إن وجد حَلٌّ أو بقيت قدس-، قد أعطت إسرائيل الضوء الأخضر للإسراع بتنفيذ مخططات تهويد المدينة المقدسة، مستغلة ضعف الموقف الفلسطيني، وعدم وجود أي موقف عربي أو إسلامي واضح وصريح ضد هذه الممارسات، وبعبارة أخرى: هو استسلام للأمر الواقع.

 

أيها المؤمنون: إن الحديث عن إقامة حَيِّ استيطاني في البلدة القديمة ليس أمرًا جديدًا، بل هو مخطط قديم حان الوقت لتنفيذه، والإعلان عنه، في ظل التواطؤ الدولي، ومعاداة دول الكفر للإسلام، وفي ظل أوضاع مزرية يعيشها شعبنا الفلسطيني المسلم.

 

فالقدس -يا مسلمون- تضيع رويدا رويدا، والبؤر الاستيطانية تزداد اتساعا مساحة وعددا، حول المسجد الأقصى، وفي محيطه، أكثر من خمسين بؤرة استيطانية، وفي حارات البلدة القديمة المتعددة نحو ثلاثين بؤرة، محال تجارية وعقارات تتسرب بالخفاء.

 

الحي اليهودي الواقع في الجنوب الغربي من البلدة القديمة يحتل خمس مساحة البلدة القديمة، الحي الاستيطاني المزعوم إقامته سيحتل مساحة كبيرة من القسم الشمالي الشرقي من البلدة القديمة.

 

ومما يلفت الأنظار أن الحَيَّ الاستيطاني الجديد يأخذ الطابع الديني -كما ذكرت الصحف- ليتحدى مشاعر المسلمين، وسيقام في الحي كنيس تعلوه قبة صفراء، يقولون: إنها ستضاهي قبة الصخرة المشرفة، على حد زعمهم.

 

والأنباء تتحدث عن اعتزام السلطات الإسرائيلية جلب نحو مليون يهودي خلال السنوات العشر القادمة، حيث سيتم إسكان غالبيتهم في القدس والمستوطنات اليهودية المحيطة بها.

 

عباد الله: ما أشبه اليوم بالبارحة! أبرهة الأشرم بعد أن استأثر بحكم اليمن، أراد أن ينال رضا ملك الحبشة، فبعث إليه قائلا: سأبني كنيسة كبيرة تعلوها قبة مزركشة، يتحدث عنها العرب والعجم، وأسماها القليس لعلوها.

 

وكان هدف أبرهة أن يستقطب العرب للحج إلى هذه الكنيسة بدلا من الحج إلى بيت الله الحرام والكعبة المشرفة، فالعرب كانوا يقدسون الكعبة ويحجون إليها قبل الإسلام، ونحن نفرط بمسرى رسول الله!.

 

ولما دَنَّسَ العرب هذه الكنيسة استشاط أبرهة غضبا، وجهز جيشا لغزو مكة وهدم الكعبة، فمذا جرى؟ محقه الله وسحق جيشه وشتت شمله ومزق جمعه، وتلك سُنة الله لمن أراد بيته بسوء، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

 

أيها المسلمون: ومهما طغى الطغاة، ومهما تكالبت قوى الشر والبغي والعدوان في محاربة الإسلام والمسلمين، وتدنيس المقدسات وقتل الأبرياء، فإن الغلبة لهذا الدين، وستبقى مدينة القدس -درة فلسطين- إسلامية العقيدة، عربية الجذور، ستبقى مدينة إسلامية إن شاء الله تعالى.

 

أيها المسلمون: الأيام القادمة ستكون صعبة على أهل بيت المقدس، سيما بعد الانتهاء من بناء الجدار العنصري، والذي سيشدد على المدينة ويضعف الحالة الاقتصادية، ويزيد من معاناة التنقل والتواصل.

 

أيها المسلمون: هذا هو قدرنا، أنْ شرفنا الله بالرباط على ثغرة من ثغور الإسلام، فهنيئا لكم -يا أهلنا- بهذا الشرف الإلهي وهذه النعمة العظيمة!.

 

فكونوا على قدر المسؤولية، كونوا أهل نعمة وشكر، ولا تكونوا أهل نقمة وكفر، وتذكروا أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

.. أسبابه ومقوماته

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات