النزاهة ومكافحة الفساد في دعوة شعيب عليه السلام

الشيخ د عصام بن عبدالمحسن الحميدان

2026-03-27 - 1447/10/08 2026-04-05 - 1447/10/17
عناصر الخطبة
1/دعوة شعيب عليه السلام للتوحيد والتحذير من الشرك 2/مقاومة شعيب عليه السلام للفساد المالي والاجتماعي 3/الإيمان كأساس للنزاهة والثبات على الحق 4/الدعوة للإصلاح الشخصي والجماعي والتحذير من العقاب الإلهي.

اقتباس

فما فائدة النزاهة إن لم ترتبط بالإيمان؟ إنها نزاهة ناقصة مؤقتة ولا رصيد لها في الآخرة، وكم من مسؤولين عن النزاهة المالية في العالم قبض عليهم بالاختلاس والسرقة والخيانة! إذا فالإيمان هو الأساس، وهو...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها الناس: ليس هناك أحد قام بمقاومة الفساد المالي كشعيب -عليه السلام-؛ لأن الله -سبحانه- أرسله إلى قوم عديمي النزاهة، وأصحاب فساد مالي، يطففون المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم، ويفسدون في الأرض بعد إصلاحها، ويقعدون في الطرقات يصدون عن سبيل الله من آمن، ويتصرفون في أموالهم كما يشاؤون بلا ضابط من دين أو خلق.

 

وشعيب -عليه السلام- هو خطيب الأنبياء، لديه من الفصاحة ما يقنع الضال ويبصر العاقل، وقبل قيامه بمقاومة الفساد المالي بدأهم بأهم أمر يجب عليهم القيام به وهو التوحيد، وحذرهم من أسوأ مخالفة يمارسونها ألا وهي الشرك؛ (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ)[هود: 84].

فما فائدة النزاهة إن لم ترتبط بالإيمان؟ إنها نزاهة ناقصة مؤقتة ولا رصيد لها في الآخرة، وكم من مسؤولين عن النزاهة المالية في العالم قبض عليهم بالاختلاس والسرقة والخيانة!

 

إذا فالإيمان هو الأساس، وهو العلاج لكل فساد، وهذا عمر -رضي الله عنه- يبكي لما رأى كنوز كسرى بين يديه، وقال: "إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فرد عليه علي -رضي الله عنه-: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعوا".

 

وشعار هيئة مكافحة الفساد في المملكة "نزاهة" هو قوله سبحانه: (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[البقرة: 205]؛ لقد انطلقت في محاربتها للفساد من القرآن، من قصة قارون المفسد في الأرض المختلس الثري بغير حق؛ حيث نصحه قومه فقالوا له: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[القصص: 77].

 

إذا -يا عباد الله- القرآن الكريم هو علاج الفساد المالي والأخلاقي والاجتماعي والعقدي، ولا بد من حمل الناس على العفة بذكر ما ورد فيه من التهديد بالعقاب والعذاب في الدنيا والآخرة؛ وهو ما ذكره شعيب -عليه السلام-: (انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)[هود:16]، وقوم شعيب في مدين ليسوا ببعيدين عن قرى الشام التي عذب فيها أقوام قبلهم؛ قال شعيب -عليه السلام-: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ)[هود:87]، يحيط بكم جميعاً ولا ينفلت منكم أحد.

 

عباد الله: وها هي النيابة العامة ونزاهة يعلنان دائماً عن عقوبات تلاحق المختلسين الخائنين، وعلى هؤلاء أن يتقوا الله في أموال المسلمين، ويتقوا عقاب الله العاجل والآجل، وعليهم أن يدركوا أن المخالصة في الدينا لا يعني بالضرورة أن يوم القيامة قد سلموا، لا؛ فأنه وإن عفا صاحب المال، أو عفا ولي الأمر؛ فإن لله حقاً، وببلاغة شعيب -عليه السلام- هدى الله -سبحانه- بعض قومه فآمنوا؛ (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)[هود: 18]، وكان مسوغهم الواهي الذي تمسّكوا به لعدم اتباعه هو فكرة العلمانية اليوم.

 

نعم العلمانية اليوم ليست وليدة اللحظة، بل فكرتها قديمة جدا، ومارسها قوم شعيب -عليه السلام-، وإن كانت من غير تنظير وتأصيل؛ قال الله عنهم: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)[هود: 87]؛ قالوا: ما علاقة الصلاة والعبادة بالأموال والاقتصاد والاستثمار والكيل والميزان؟ كما يردد أتباعهم العلمانيون: الدين لله والوطن للجميع.

 

وهذا -أيها الأخوة- مخالف صريح للقرآن الكريم الذي يقول: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)[المؤمنون: 1-4]، ويقول: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)[المعارج: 19-24].

 

ولما يئس شعيب -عليه السلام- من إيمان قومه واستجابة أكثرهم دعا الله -سبحانه-؛ قال: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)[هود: 88]؛ فسخر منه قومه وهان عليهم فقالوا ساخرين: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[هود: 89]، (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)[هود: 90]؛ فاستحقوا العقاب، فجاءهم العذاب المضاعف، الصيحة، والرجفة، والنار، والدخان؛ (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)[هود:91]، (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)[هود: 92]؛ فقد جاءهم يوم حار لم يطيقوه، ثم ظهرت في السماء غمامة ظللت أرضهم، فخرجوا جميعًا لفيئها، فانقلبت لهيبًا أحرقهم كأنها غبار بركاني خرج من فوهة بركان فغطى تجمُّعَهم وإذا بهم أشلاء محترقة تخرج رائحة الشواء من أجسامهم المنتنة، ونجَّى الله شعيبًا والقلة المؤمنة، ونظر شعيبٌ إلى قومه غيرَ آسف لما حصل لهم بعدما أيس منهم، وقال: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)[هود: 93].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك على آله وأصحابه وإخوانه..

 

عباد الله: جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- يتبع شعيباً -عليه السلام-، ويجدد دعوته لأمته بالنزاهة، ويحذرهم مما حذّر منه شعيب -عليه السلام- وهو عقاب الله -سبحانه-؛ (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ)[المطففين: 1-4].

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ رقيق، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ ثياب، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ ذهب وفضة، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ"(رواه مسلم).

 

إنَّ النزاهةَ -عباد الله- ليست مجرد قوانين تُسن، بل هي إيمانٌ يسكن القلوب، ومراقبةٌ للمولى -عز وجل- في السر والعلن. فاجعلوا من أنفسكم حراساً على ضمائركم قبل أن تكونوا حراساً على مصالحكم، واعلموا أنَّ الدنيا زائلة، وأنَّ العبدَ مسؤولٌ عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؛ فطوبى لمن طاب كسبه، وزكت نفسه، ولقي الله بقلبٍ سليم ويدٍ بيضاء.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي"، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمناً مباركاً وجميع بلاد المسلمين.

 

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ.

 

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل بلادنا آمنةً مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

 

المرفقات

النزاهة ومكافحة الفساد في دعوة شعيب عليه السلام.doc

النزاهة ومكافحة الفساد في دعوة شعيب عليه السلام.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات