الناس صنفان

محمد عدنان الأفيوني

2016-08-30 - 1437/11/27
التصنيفات: الحياة الدنيا
عناصر الخطبة
1/ قيمة الدنيا 2/ صنفا الناس 3/ مصير الصنفين
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

الناس في هذه الدنيا صنفان: صنف فهِم حقيقة الدنيا فعمل من أجل الآخرة، فهِم حقيقة الدنيا وأنها خذلت أهلها؛ وصنف لم يفهم حقيقة الدنيا ولم يعمل من أجل الآخرة.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي خلقنا وهدانا وأطعمنا وسقانا وروانا، الحمد لله الذي خصنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان وأنعم علينا بنعمة القرآن وقال: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [آل عمران:110].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صفيه وخليله، خير نبي اجتباه، وهدى ورحمة للعالمين، أرسله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا، ومعلما وهاديا ومرشدا وسراجا منيرا.

 

اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على هذا النبي الكريم، والحبيب الشفيع، والنبي المرسل، والماحي المصدق، اللهم صل على حبيبنا محمد صلاة تشرح لنا بها الصدور، وتيسر لنا بها الأمور، تقرب لنا بها البعيد، وتصرف بها عنا الشرور، صل على حبيبك محمد صلاة دائمة موصولة إلى يوم الدين، برحمتك يا رب العالمين.

 

وأما بعد أيها الإخوة الكرام: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله -عز وجل-، وأحثكم على طاعته وذكره واستغفاره وتلاوة القرآن، وأحثكم -يا معاشر المؤمنين- على التمسك بطريق الله -عز وجل- على الصراط المستقيم، وعلى المحجة الواضحة البينة التي تركنا عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأذكركم أن يوم الله قريب، يوم تجزى كل نفس ما كسبت ولا ينفع أحدا أحد ونحن إلى مصيرنا سائرون.

 

والله -تبارك وتعالى- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18].

 

أيها الإخوة المؤمنون: أنعم الله -عز وجل- علينا بنعم كثيرة، خلقنا من العدم، وأسبغ علينا النعم ظاهرة وباطنة، هي كثيرة لا نحصي عدها، وجليلة لا نبلغ شكرها؛ ولكن من أعظمها قيمة، ومن أعظمها أثراً، ومن أجلّها عندنا وعند الله: نعمة الهداية، نعمة الإيمان -أيها السادة- الذي من ملكه ملك السعادة، ومن فارقه فارق السعادة، وخاض في بحور من الآلام والمعاناة في الدنيا، ثم في بحار العذاب في الآخرة.

 

مَن مَلَك الهداية -أيها السادة- ملك كل شيء، ومن خسرها خسر كل شيء، خاطبنا المولى -تبارك وتعالى- يوضح لنا قيمة هذه القضايا، يعرفنا أن المصير هو يوم لقاء الله وأن هذه الدنيا دنيا فانية، دنيا ناقصة، دنيا مآلها إلى الخراب: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف:46].

 

دنيا كهذا التبن، كهذا الهشيم الذي تذروه الرياح، لا قيمة لها ولا وزن... (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)... من ملك الدنيا ملك فناء، وملك هباء، وملك لا شيء! ومن ملك الآخرة ملك كل شيء، ملك رضوان الله، وفضل الله.

 

أيها السادة: هذه الدنيا التي يتقاتل عليها الناس بيّن الله -تبارك وتعالى- أنها دنيا فانية لا قيمة لها، كل ما فيها يفنى، المال يفنى، والجاه يفنى، والعمر يفنى، كل ما فيها يفنى، ولن نأخذ منها إلى الآخرة حتى الكفن الذي نكفن فيه.

 

والدنيا التي يتصارع عليها الناس، هذه الدنيا التي من أجلها نعمل ومن أجلها نصالح ومن أجلها نخاصم، هذه الدنيا من مزاياها وصفاتها أنها متقلبة لا يثبت لها حال، متبدلة لا تثبت على أمر، ما صفا ودها لأحد، العمر فيها يتبدل من قوة إلى ضعف، من ملكات قوية إلى هرم، الكل فيها يتبدل، الصحة تذهب، والمال يذهب، والمنصب يذهب، وتبقى حقيقة واحدة هي أن الدنيا لا تدوم، دوام الحال من المحال.

 

ومن أوصاف هذه الدنيا أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأن الذين سعوا من أجلها إنما سعوا من أجل خراب، والذين سعوا من أجلها إنما باعوا تلك الدار الآخرة بأبخس أثمان؛ لأنهم باعوا الباقي بالفاني...

 

أيها الإخوة: المولى -تبارك وتعالى- وصف هذه الحقيقة بآية قرآنية واحدة، قال لنا: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران:185].

 

(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ)، كأن المولى يقول هذه الحياة فرصة أعطيها لكل الخلق، من أخذها بحقها وعمل من أجل الآخرة فقد فاز، ومن عمل من أجل الدنيا فإن الدنيا متاع غرور.

 

لكن ما قال المولى -تبارك وتعالى- من أطاع الله فقد فاز! قال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ)، حتى نعلم بأننا عن قريب راحلون عن هذه الحياة، راحلون عن هذه الدنيا، وقادمون على الله؛ فليفعل كل أحد ما شاء، افعل ما تشاء، لكن اعلم أنك قادم على الله، افعل ما تشاء لكن اعلم بأنك محاسب أمام الله -تبارك وتعالى-، فليفعل كل إنسان ما شاء له أن يفعل، لأنه سيجزى بما كسبت يداه، سيجزى بما قدم.

 

وهذا هو بيت القصيد! نقول لكل الناس الطائعين: افعلوا ما تشاؤون، ستجزون بما قدمتم من عمل، سنقول للعُباد، لأهل القرآن، لأهل الإيمان: ستجزون بما قدمتم يوم لقاء الله -عز وجل-، وسنقول للطرف الآخر بأنك مجزي بما قدمت في هذه الحياة.

 

الناس في هذه الدنيا صنفان: صنف فهِم حقيقة الدنيا فعمل من أجل الآخرة، فهِم حقيقة الدنيا وأنها خذلت أهلها؛ وصنف لم يفهم حقيقة الدنيا ولم يعمل من أجل الآخرة.

 

الدنيا تعطينا دروسا بالغة، فالصحة تزول، والذين كانوا يعتدون بقوّتهم أدركوا أن الدنيا ما حافظت عليها، والمال يزول، والذين كانوا يطمئنون إلى ثروتهم أدركوا أن الدنيا ما حافظت لهم عليها، وأهل المناصب خذلوا لما تركوا مناصبهم وتركهم الناس... الحياة هكذا!... حتى الأولاد يتركون آباءهم وأمهاتهم، نربي الولد فإذا كبر ذهب ولم يعد ويبقى بره لوالديه برا محصورا بالكلام وبهيئات لا تغني ولا تسمن من جوع، لا تغني من مرض، ما رأيناهم أمامنا.

 

فتشنا عن الذين كنا نطمئن إليهم وجدنا أن الدنيا خذلت أهلها، ووجدنا أن الله هو الذي بقي للمؤمنين، الله ما تغير إلى الآن، نقول يا رب ويعطينا ربي -تبارك وتعالى-، إلى الآن إذا مرضنا نشتكي له يتفضل بالشفاء، إلى الآن إذا حزبت الأمور وضاقت علينا الدنيا وغادرنا أهلنا وأحبابنا قبل أن يغادرونا إلى يوم لقاء الله -عز وجل- غادرونا بانصرافهم وجدنا أن الله حاضر، وعلمنا أن الذي يربط قلبه بالله لا يضام، وأن الذي يطمئن إلى الدنيا وصروفها وظروفها ستخذله الدنيا، وسيدرك هذا بعد فوات أوان.

 

في هذه الدنيا -أيها السادة- قوم أدركوا حقيقة الدنيا فصرفوا قلوبهم لله، صرفوا قلوبهم للطاعات، صرفوا قلوبهم للمبرات، صرفوا قلوبهم ليعمروا أوقاتهم بما ينفع عند الله -تعالى-؛ وقوم غرتهم الأماني، وأخذوا من الدنيا هذه، الدنيا التي توصف بأن حلوها يُسكر، وعملها يلهي، وحبها رأس كل خطيئة، عندما نتعود على حلو الدنيا إن خسرنا حزنا، والعمل فيها يلهي، وهذه هي القضية المهمة في حياة الأمة، إن الأمة اليوم تترك الآخرة من أجل عمل الدنيا مع أن العاقل هو الذي يستفيد من التجربة، ويبحث عن مكان له عند الله -تبارك وتعالى-، يعني: يقيم الفرائض، يجتنب النواهي، يقرأ القرآن، يذكر الله، يحافظ على دينه من الخلل، لا أن تأخذنا الدنيا بمشاكلها وصراعاتها فنخوض في الباطل، وننجرف عن الحق، ونمشي في طريق الضلال، ثم نقول: الظرف صعب! الظرف لا يعطي مبررا أن نمشي في غير طريق الله -عز وجل-.

 

المولى -تبارك وتعالى- -أيها السادة- وصف حال الفريقين: قال مولانا -تبارك وتعالى- (فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) [النازعات:34]، يعني: سيعرف الناس حقيقة ما قدموه في هذه الدنيا، لكن يوم القيامة سيدركون أن الناس إلى مصيرين لا ثالث لهما، افعل ما تشاء، أنت إلى مصيرين لا ثالث لهما: إما إلى جنة أبدا، وإما إلى نار أبدا، ولأهل الجنة سلوك، ولأهل النار سلوك، والمولى -تبارك وتعالى- يقول: (فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات:34-41].

 

متى سيكون هذا؟ في يوم الحساب، في يوم الساعة، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النازعات:42-46] فلينتظر الناس...

 

أيها الإخوة: ببساطة شديدة، نحن أحد فريقين: إما أهل طغيان نؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، وإما أهل إيمان نفضل طريق الله على طريق النفس والهوى والشيطان.

 

نحن فريقان، ونحن صنفان، نحن إلى مصير لا يتغير، قال ربنا -تبارك وتعالى-: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:133-134]

 

سارعوا إلى مغفرة! دعوة من الله -تبارك وتعالى- إلى المسارعة إلى الخير، ثم المسارعة إلى تحصين النفس وتعديل القضايا وإصلاح الأمور، يقول: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران:135-136].

 

أيها السادة: إن أحببت أن تعرف في أي الفريقين أنت فانظر: هل تقدم شرع الله على هواك؟ هل تقدم دين الله على مصالحك، أم تقدم مصالحك وهواك ونفسك على الدين والإيمان والشريعة والضوابط والأخلاق؟ أنت تعرف هذا.

 

ثم اعلم بأن طريق الجنة محفوف بالمخاطر، وأن طريق النار محفوف بالشهوات، كما بين الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لما قال: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".

 

عندما ترى الدنيا تستدعيك إلى أن تخوض غمارها فاعلم بأنك تسير في غير طريق الإيمان، وعندما ترى أنك ملزم بأن تقف في جانب طريق الحق، وأن تدفع ثمن الطاعة، وأن تقوم من الليل وأن تصوم في النهار، وأن تدعو إلى الله -تبارك وتعالى-، وأن تكون مع الله، مع دين الله، مع الحق، فهذا مما سيجعلك، كما قال الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تعاني المكاره: "حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره".

 

واعلموا -أيها السادة- أن جنة الله تحتاج إلى عمل، وإلى رجال، فقد جعل الله الجنة عالية، حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، منقطة عالية، يعني صعبة الوصول، وجعل النار سهلة بسهوة، يعني بأرض...

 

كل الناس يستطيعون أن يخوضوا في الباطل؛ ولكن؛ من الذي يستطيع أن يحافظ على دينه؟.

 

أيها الإخوة: قريبا سنرحل عن هذه الحياة، اختاروا موقعكم في الآخرة: إما أن تكونوا في جانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإما أن تكونوا في جانب آخر.

 

أنا أقول: سنختار جانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لكن، لن يكون ذلك بالأماني، وإنما يكون ببذل ما يستوجب هذا المقام، من العمل والاعتقاد، والجزم بطريق الحق، لا بغيره.

 

وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجبر الخواطر، وأن يحقق الآمال...

 

 

 

المرفقات

صنفان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات