الميزان والحكمة

محمد بن صالح بن عثيمين

2015-12-16 - 1437/03/05
عناصر الخطبة
1/نعمة العقل 2/موازنة الكتب السماوية بين الأشياء والحكم عليها 3/النظرة الشرعية في المفاضلة بين الأشياء والحكم عليها 4/جور البعض في الحكم على الأشخاص 5/الحذر من الانخداع بالأقوال 6/عدل الشريعة في الحكم بين الناس عند تساوي الأسباب والحقوق 7/بعض صور العدل ومجالاته

اقتباس

إذا أراد أحدكم أن يفعل شيئا، فلينظر هل في فعله خير أم الخير في تركه، فإن كان الخير في تركه؛ تركه، وإذا كان في فعله خير، فلينظر هل يشغله عما هو أهم وأفضل أو لا، فإن كان يشغله عما هو أهم منه وأفضل تركه؛ لأن العاقل لا يمكنه عقله أن يشتغل بالمفضول عن الفاضل؛ لأن...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان، ووهب الآدميين عقولا يميزون بها بين الحق والباطل، والصدق والبهتان.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المؤيد بالبرهان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: اتقوا الله -تعالى- واحمدوه على ما وهبكم من العقول التي بها تعقلون الأمور وتدركون، وبها تميزون بين الحق والباطل وتحكمون، فالعقل من أكبر نعم الله على العبد، إذا استعمله فيما هو له من التعقل، والنظر والتفكير والتروي في الأمور، وعدم التسرع في التصرف والتدبير.

 

ولقد جاءت الكتب السماوية مؤيدة لذلك، فأتت بالموازنة بين الأشياء، والحكم عليها بالعدل، والمساواة بالأدلة والبينات، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[الحديد:25].

 

أيها المسلمون: إذا أراد أحدكم أن يقول شيئا فليزن كلامه، ولينظر ماذا يترتب عليه، فإن ترتب عليه خير أقدم ولم يتردد، وإن ترتب عليه شر أمسك عنـه وأبعد، قـال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت" [البخاري (5672) مسلم (47) الترمذي (1188) أحمد (2/267) الدارمي (2222).].

 

إذا أراد أحدكم أن يفعل شيئا، فلينظر هل في فعله خير أم الخير في تركه، فإن كان الخير في تركه؛ تركه، وإذا كان في فعله خير، فلينظر هل يشغله عما هو أهم وأفضل أو لا، فإن كان يشغله عما هو أهم منه وأفضل تركه؛ لأن العاقل لا يمكنه عقله أن يشتغل بالمفضول عن الفاضل؛ لأن ذلك إضاعة لفضل الفاضل.

 

وإذا رأيت من أخيك خطيئة فاقرنها بصوابه وحسناته، واحكم عليه بالعدل.

 

وإن كثيرا من الناس في هذه النقطة بالذات يجورون جورا كبيرا في حكمهم، إذا رأوا من صاحبهم سيئة واحدة حكموا عليه بمقتضاها، وعموا عن الحسنات الكثيرة سواها.

 

وهذا نقص في العقل، وجور في الحكم، وهو من صفات المرأة لو أحسنت إليها الدهر كله، ثم رأت منك سوءا، قالت: ما رأيت خيرا قط.

 

وإذا سمعت من يتبجح بالدين ونصرته، وأنه سند له، فانظر إلى أفعاله، فإن كانت في نصرة الإسلام والمسلمين، والدفاع عنهم، وجمع كلمتهم، وتحكيم كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فدعواه حق، وكلامه صدق.

 

وإن كانت أفعاله بخلاف ذلك، يصادم الدين، ويسعى في التفريق بين المسلمين، ويحكم القوانين الوضعية المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فاعلم أن دعواه باطلة، وأن قوله كذب، مهما بهرج، ومهما زخرف، فإن العاقل لا ينخدع بزخارف القول، وبهرجة الكلام، فقد حكى الله -تعالى- عن المنافقين أنهم إِذَا: (قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)[البقرة:11].

 

فقال الله -تعالى-: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة:12].

 

وحكى الله عن فرعون أنه قال لقومه: (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)[غافر :29].

 

وقد قال الله -تعالى- فيه: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)[طـه:79].

 

فالعاقل -أيها الناس-: لا ينخدع بالأقوال، ولا يحكم على القائل بمقتضاها إذا كان الفعل يخالف القول.

 

أيها الناس: وإن من العدل والميزان، ما جاءت به الشرائع من المساواة عند تساوي الأسباب والحقوق في الحكم بين الناس، فإن الحكم بينهم يجب عليه العدل في حكمه وقوله وفعله، فلا يحابي قريبا ولا صديقا ولا شريفا، ولا يفضلهم على من سواهم فيما هو مساو لهم فيه.

 

ومن ذلك: العدل بين الأولاد، فلا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في العطايا والهبات؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" [البخاري ومسلم وغيرهما].

 

وإذا كان بعض الأولاد يبره أكثر من الآخر، فلا يبره والده بالعطية، ويفضله على غيره، بل بره لوالده أجره على الله.

 

وأما الوالد فعليه التسوية بين أولاده؛ لأنه إذا فضل من يبره كان ذلك إغراء للآخر بالتمادي في عقوقه، وأيضا فإنه لا يدري فقد تنقلب الحال فيكون البار عاقا، والعاق بارا.

 

ومن ذلك: العدل بين الزوجات إذا كان للرجل زوجتان فأكثر، فإن من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وشقه مائل -والعياذ بالله-.

 

أيها الناس: إن العدل في الأمور والموازنة بينها، والحكم للراجح فيها، وتسويتها في الحكم عند التساوي لقاعدة كبيرة يجب على العاقل أن يتمشى عليها في سيره إلى الله، وفي سيره مع عباد الله ليكون قائما بالقسط: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[المائدة: 42].

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)[الزمر: 9].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم... الخ...

 

 

المرفقات

والحكمة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات