المنهج العاطفي والحسي والعقلي في الدعوة النبوية وتطبيقاته

رمضان فوزي بديني

2021-03-01 - 1442/07/17
التصنيفات: تأصيل الوعي

اقتباس

حيث استخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسلوب العاطفي في بعض المواقف والأسلوب الحسي في بعضها والأسلوب العقلي في بعضها الآخر، كل ذلك متوقف على طبيعة المدعو وسماته الشخصية ومفاتيحه الدعوية، وكذلك على...

تنوعت المناهج والأساليب الدعوية التي استخدمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تبليغ رسالته؛ حيث استخدم الأسلوب العاطفي في بعض المواقف والأسلوب الحسي في بعضها والأسلوب العقلي في بعضها الآخر، كل ذلك متوقف على طبيعة المدعو وسماته الشخصية ومفاتيحه الدعوية، وكذلك على موضوع الدعوة وطبيعته.

 

وفيما يلي نعرض لأحد هذه المناهج الدعوية لديه -صلى الله عليه وسلم- وهو المنهج العاطفي..

 

تعريف المنهج العاطفي في الدعوة النبوية:

هو النظام الدعوي الذي يرتكز على القلب، ويحرك الشعور والوجدان.

 

أبرز أساليبه:

أ. أسلوب الموعظة الحسنة.

ب. إظهار الرأفة والرحمة بالمدعوين.

ج. قضاء الحاجات، وتقديم المساعدات، وتأمين الخدمات.

 

مواطن استعمالاته:

1- حالة دعوة الجاهل.

2- حالة دعوة من تجهل حاله.

3- في دعوة أصحاب القلوب الضعيفة كالنساء والأطفال.

4- في دعوة الآباء للأبناء، ودعوة الأبناء للآباء والأقارب والأرحام.

5- في مواطن ضعف الدعوة، والشدة على المدعوين.

 

من خصائص المنهج العاطفي:

– لطف أسلوبه

– سرعة تأثر المدعوين به.

– تخفيف وطأة العدو أو المخالف.

– سرعة التحول في آثاره.

– سعة دائرة استعماله (المدخل إلى علم الدعوة: 195 وما بعدها بتصرف).

 

كثير من الناس ينقادون لعواطفهم الوجدانية أكثر مما ينقادون للأدلة العقلية، والعواطف العميقة تقود الإنسان من دون تفكير إلى أسمى الفضائل، أو إلى أحط الرذائل؛ فالحب العنيف والبغض العنيف كلاهما يعمي ويصم (مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي: 147، د.عبد الكريم بكار).

 

تطبيقات نبوية في المنهج العاطفي:

استخدم الرسول –صلى الله عليه وسلم- المنهج العاطفي في الدعوة بأكثر من صورة وفي أكثر من موقف، مثل:

أـ تأليف القلوب: والمقصود منه استمالة القلوب للإسلام، أو تثبيتها عليه بشيء من العطاء المادي فقد جاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى بعد غزوة حنين صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة…

 

قال صفوان "والله لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أعطاني إنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي".

وفي رواية: فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومة فقال يا قوم! اسلموا. فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة.

 

ب. الحرص على الأقربين:

اهتم -صلى الله عليه وسلم- بالناس عامه وبالأقربين خاصة إذ هم نقطة البدء في دعوته -صلى الله عليه وسلم- استجابة لأمر ربه تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)[الشعراء: 214]؛ فكان لا يفتأ يلح على عمه أبي طالب الذي آزره، ولم ييأس من إسلامه حتى عند سكرات الموت.

 

ج. التودد إلى الناس:

1- بإظهار المحبة بالخطاب؛ كقوله -صلى الله علية وسلم- لمعاذ بن جبل: "يا معاذ إني أحبك"، ولا يخفى على العاقل ما تفعله كلمة "أحبك" في نفس المدعو؛ فالقلوب تفتح للكلمة الطيبة، والنبرة الصادقة والشعور بالحرص عليها.

 

2- بإظهار المحبة بالفعل: كزيارة النبي -صلى الله عليه سلم- لمن يربطه به عهد، كما روى أنس -رضي الله عنه- قال: "كان غلام يهودي يخدم النبي فمرض، فأتاه النبي يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار"(رواه البخاري).

 

3ـ الرفق بالمدعو: فقد كان -صلى الله عليه وسلم- رفيقا بالناس جميعا، وهو القائل: "إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه"(رواه مسلم).

 

ومن ذلك رفقه -صلى الله عليه وسلم- بجفاة العرب الذين لم يكن لهم حظ كبير من العلم والأدب؛ كالذي بال في المسجد وهمَّ بعض الصحابة بإيذائه، فقال صلى الله عليه "لا ترزموه"؛ أي لا تقطعوا عليه بولته فتؤذوه!

 

ثم كلمة -صلى الله عليه وسلم- برفق قائلا إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن(رواه مسلم). (ويراجع: دعوة النبي بين المنهج العاطفي والعقلي في ضوء المعطيات المعاصرة، بحث مقدم في ندوة مقتضيات الدعوة في ضوء المعطيات المعاصرة، د. عبدالله الموسى)

 

 

وننتقل الآن إلى المنهج الحسي في الدعوة النبوية وتطبيقاته

 

تعريف المنهج الحسي في الدعوة النبوية:

هو النظام الدعوي الذي يرتكز على الحواس، ويعتمد على المشاهدات والتجارب.

 

أبرز أساليبه:

1- لفت الحس إلى التعرف على المحسوسات، للوصول عن طريقها إلى القناعات.

2- أسلوب التعليم التطبيقي على وجه يشاهد المدعو كيفية التطبيق.

3- القدوة العملية في تعليم الأخلاق والسلوك.

4- تغير المنكر باليد.

5- تأييد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بالمعجزات الحسية والخوارق.

6- أسلوب "التمثيل المسرحي".

 

مواطن استعمالاته:

1- في تعليم الأمور التطبيقية العملية والدعوة إليها.

2- يستخدم في دعوة العلماء والمتخصصين في العلوم التطبيقية.

3- يستخدم في دعوة المتجاهلين للسنن الكونية.

 

من خصائص المنهج الحسي:

1- سرعة تأثيره لاعتماده على المحسوسات.

2- عمق تأثيره في النفوس البشرية.

3- سعة دائرة، لاشتراك الناس جميعا.

4- يحتاج في استخدامه إلى خبرة واختصاص(المدخل إلى علم الدعوة: 198 وما بعدها: بتصرف).

 

تطبيقات نبوية في المنهج التجريبي:

استخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المنهج التجريبي الحسي في دعوته ومن هذه المواقف:

أسلوب التعليم التطبيقي في تطبيق الأوامر الشرعية:

كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعليمه الصحابة للصلاة؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: "صلوا كما رأيتموني أصلي"(أخرجه البخاري). وكذلك في مناسك الحج قال -صلى الله عليه وسلم- "لتأخذوا عني مناسككم فإني؛ لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه"(أخرجه مسلم).

 

أسلوب التطبيق العملي لسلوك الحسن:

وقد أثنى القرآن الكريم على خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4].

 

وجاء في حديث طويل في قصة سعد بن هشام بن عامر حين قدم المدينة، وأتى عائشة رضي الله عنها يسألها عن بعض المسائل، فقال: فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ أَنبئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟.

قَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟

قُلتُ: بَلَى.

قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ القُرآنَ.

قَالَ: فَهَمَمْتُ أَن أَقُومَ وَلَا أَسأَلَ أَحَدًا عَن شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ…الخ(رواه مسلم).

 

قال النووي رحمه الله تعالى: "معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته"(شرح مسلم:3-268).

 

الأسلوب العملي في تغيير المنكر:

من ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ"(أخرجه مسلم: رقم 186).

فالتغيير باليد هو أقوى درجات الإنكار، كما أخبر -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث.

 

 

وننتقل الآن إلى المنهج العقلي في الدعوة النبوية وتطبيقاته

 

تعريف المنهج العقلي في الدعوة النبوية:

هو النظام الدعوي الذي يرتكز على العقل، ويدعو إلى التفكر والتدبر والاعتبار.

 

أبرز أساليبه:

1- المحاكمات العقلية.

2- الجدل والمناظرة والحوار.

3- ضرب الأمثال بأنواعها.

4- القصص.

 

مواطن استعمالات المنهج العقلي:

1- في مواطن إنكار المدعوين.

2- مع المعتدِّين بعقولهم وأفكارهم من المدعوين.

3- مع المنصفين من الناس.

4- مع المتأثرين بالشبهات.

 

من خصائص المنهج العقلي:

1- اعتماده على الاستنتاجات العقلية

2- عمق تأثيره في المدعوين.

3- إفحام الخصم المعاند.

* ضيق دائرته بالنسبة لدائرة المنهج العاطفي(المدخل إلى علم الدعوة لمحمد أبي الفتح البيانوني: 195 وما بعدها بتصرف).

 

تطبيقات نبوية في المنهج العقلي:

استخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- الأقيسة العقلية بجميع أشكالها:

1ـ قياس الأولى:

كما جاء عن ابن عباس: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفحج عنها؟ قال: "نعم، حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنت قاضية؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء"(أخرجه البخاري).

 

2ـ قياس المساوي:

فعن أبي هريرة: جاء رجل من بني فَزَارة إلى النبي -صلي الله عليه وسلم -، فقال: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ ولدًا أَسْوَدَ!، َقَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ "، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "هل فيها أوْرَقُ؟ "، قَالَ: إن فيها لَوُرْقًا، قَالَ: "فَأَنَّى أتاه ذَلِكَ؟ "، قَالَ: عَسَى أن يكون نزعه عِرْقٌ، قال: "وَهَذَا عَسَى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ"(أخرجه أحمد في مسنده).

فقد ساوى النبي -صلى الله عليه وسلم- في القياس بين الغلام الأسود والجمل الأورق.

 

3ـ قياس الخلف:

وهو ما يعبر عنه الأصوليون بدليل مفهوم المخالفة.

وذلك كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِى أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْر؟ٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ"(صحيح مسلم، رقم 2376).

فقد بين أن الرجل يُثاب على معاشرة أهله قياسا مخالفا على المعاشرة المحرمة، فكما يأثم هناك يثاب هنا.

 

4ـ القياس الضمني:

وذلك كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ"(أخرجه ابن ماجه).

فقد قاس -صلى الله عليه وسلم- ضمنا الصائم الذي أكل وشرب ناسيا على الصائم الذي لم يأكل ولم يشرب من حيث صحة صومه(دعوة النبي بين المنهج العاطفي والعقلي في ضوء المعطيات المعاصرة، د.عبدالله الموسى).

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات