المنهج الأنموذج من مناهج الإصلاح المعاصرة

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2022-10-07 - 1444/03/11
التصنيفات:

 

 

أ. د. عبدالله بن إبراهيم بن علي الطريقي

 

 

لعلك تسأل - أخي القارئ - إذا كانت تلك مناهج متعددة، وستكون محل النظر والتقويم والدراسة، فما المنهج الأنموذج الذي يمكن أن يُحتكَم إليه؟

وبَدءًا أقول: إن ثمة جوابين: مجمل، ومفصَّل.

 

أما الجواب المُجمَل، فإن المنهج الأنموذج هو منهج الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وبخاصة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم.

فما سار عليه أولئك العظماء فهو المنهج الأرشد قطعًا، وما خالَفه فهو تيه وضلال قطعًا.

وما لم يُخالِفه، ولم يكن منصوصًا على اعتباره أو عدم اعتباره، فهو محل نظر، ويدخل ضمن قواعد أو أدلَّة عامة، مِثل: المصالح المرسلة، والاستحسان، والعُرف، وسد الذرائع ونحو ذلك، وتتم معالجته في ضوء السياسة الشرعية.

 

وأما الجواب المُفصَّل:

فالذي أحسبه أن المنهج الأنموذج هو ما تتوافر فيه الصفات الآتية:

 

أولاً - التزام الكتاب والسنة في جملة التصرفات، فعلاً وتركًا، وحكمًا وقضاء، وفتوى، وتنظيمًا وتشريعًا: بحيث يكونان كلاهما المصدر والمرجع في عظائم الأمور وصغائرها.

 

 

فما كان منصوصًا عليه، فلا معدل عنه ألبتة، وما كان محتملاً أو مجملاً أو مسكوتًا عنه، فينظر فيه وَفْق القواعد الكلية، والمقاصد العامة للشريعة.

 

وإذا تحقَّق هذا الالتزام، لم يكن للمصادر الأخرى المعارضة أي وزن، سواء أكانت قوانين بشرية، أم تخرُّصات وهميَّة، أم دعاوى كشف وذوق، أم تصورات عقلية، أم غير ذلك.

 

ثانيًا - تلقي النصوص والأحكام الشرعيَّة وَفْق فَهْم سلف الأمة وهديهم:

وفي مقدمة السلف: الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم عايشوا التنزيل وفَهِموه كما نزل، وكما طبَّقه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))[1]؛ الحديث.

 

فأولئك هم أولى الناس بفَهْم النصوص؛ لأنهم عرب خُلَّص نزل الوحي بلسانهم، وصحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخذوا سنَّتَه، وفَهِموا مقاصده.

 

فهل ترى أن غيرهم أولى منهم بالفَهْم والتفسير، بل هل ترى جيلاً أفضل منهم علمًا وعملاً وفداء وتضحية؟ كلا.

 

ورحِم الله عمر بن عبدالعزيز الذي يقول: "سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولاةُ الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله - عز وجل - واستكمالٌ لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرُها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي مَن خالفَها، فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومَن استبصر بها بصر، ومَن خالَفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله - عز وجل - ما تولاه وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا"[2].

 

 

ثالثًا - لزوم جماعة المسلمين[3]:

 

وهذا نتيجة طبيعية لالتزام الكتاب والسنة وفَهْمهما وَفْق فهم السلف.

 

وهو من المقوّمات الأساسية لحياة الفرد والأمة والدولة؛ لأن عدم لزوم الجماعة شذوذ وتفريق لكلمة الأمة ووحدتها، ومن هنا جاء التأكيد على لزوم الجماعة في نصوص كثيرة.

 

قال الإمام الترمذي في سننه[4]: باب ما جاء في لزوم الجماعة، ثم أورد أحاديث، منها خُطبة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الجابية حيث جاء فيها: "يا أيها الناس، إني قمتُ فيكم كمقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فينا، فقال: ((عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)).

 

وقد ورد لزوم الجماعة كثيرًا في السنة، مرادًا به أحد أمرين:

1- الجماعة العلميَّة، التي تجمع على حكم أو منهج معين.

2- الجماعة السياسية، التي تجمع على وَحدة سياسية معينة، في ظل إمام معين[5].

 

وإذا تعدَّدت الكِيانات السياسية، كما هو الواقع، أو تعدَّدت الهيئات العلمية، أو جهات الفتوى، أو المجامع، فإن من واجبها التعاون والتقارب للوصول إلى ما يُحقِّق المصلحة العامة للأمة المسلمة، وبقدر الإمكان.

 

رابعًا - العلم:

لأنه من مقتضيات لزوم الكتاب والسنة والجماعة.

فمَن لزم السنة والجماعة، فلا بد أن يكون ذلك على عِلم وبصيرة، ومن دعا إلى الله وإلى الحق، فلا بد أن يكون كذلك.

قال - سبحانه -: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ [يوسف: 108]، فمن لم يدعُ إلى الله، فهو مُفرِّط، وليس قدوة يحتذى، وكذلك من دعا إلى الله، ولكن على غير هدى وبصيرة.

 

خامسًا: ترك البدعة ومنابذة أهل الفكر الشاذ:

فمن لزم السنة، هجر البدعة، ومَن أحبَّ أهل السنةِ، أبغض أهل البدعة والانحراف[6].

قال الطحاوي - رحمه الله - في عقيدة أهل السنة والجماعة: "ونتَّبِع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة"[7]، كما قال - سبحانه -: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153].

 

سادسًا - بناء الأصول ثم الفروع:

وأصل الأصول هو تحقيق معنى الشهادة (لا إله إلا الله)، وهو الإيمان الجازم بأن الله تعالى هو رب العالمين، وهو - سبحانه - الإله الحق، ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن ما سواه تعالى فهو باطل، تلك الحقيقة الكبرى التي كان الأنبياء قاطبة يقررونها لأقوامهم، ويركزون عليها، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].

وقال: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36].

 

ومن فروع الإيمان بهذه الحقيقة: شهادة أن محمدًا رسول الله، والإيمان بالملائكة والكتب والنبيين واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والإيمان بكل ما شرع من فروع عملية فعلاً وتركًا.

 

ثم إذا ما استقرَّت هذه المبادئ في نفوس المدعوين[8]، انتقل الداعي إلى الفروع بحسب الأهمية، عملاً بالقاعدة المأثورة: الأهم ثم المهم.

 

 

سابعًا - التطبيق الشمولي للإسلام بقدر الطاقة:

فلا بد من أخذ الإسلام بكل تشريعاته ونُظمه وأحكامه وآدابه، سواء في مجال الاعتقاد، أو العبادة والسلوك، أو الأخلاق والآداب، أو المعاملات والعلاقات وغير ذلك.

 

أما الأخذ الاختياري المجزَّأ بحسب ما يُوافِق الأمزجة والأهواء، فذلك لَعِبٌ واستهزاء بآيات الله وشرعه.

 

على أنه مما يُمليه الواقع والمنطق السليم الأخذ بالتدرج في تطبيق الشريعة[9]، والرِّفق بالناس، بما يُحقِّق المصالح ويدرأ المفاسد.

 

 

[1] رواه البخاري في صحيحه، ك: فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ب 1 وفي مواضع أخرى. وأخرجه أيضًا الإمام أحمد 1 / 378 وغيرهما.

[2] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ اللالكائي 1: 94؛ تحقيق د. أحمد حمدان، وجامع بيان العلم وفضله؛ لابن عبدالبر 2: 187.

[3] ينظر: كتاب السنة؛ لابن أبي عاصم، ص 433 تحقيق الشيخ الألباني، والشريعة ص 3.

[4] ك: الفتن ب 7، وقال: حديث حسن صحيح غريب، ومن يُطالِع كتب السنة يجدها لا تخلو من هذا الموضوع، انظر مثلاً: صحيح البخاري كتاب الاعتصام ب 19، وسنن الدارمي كتاب السير باب في الطاعة ولزوم الجماعة.

[5] ينظر: "جماعة المسلمين: مفهومها وكيفية لزومها"؛ صلاح الصاوي ص 23.

[6] ينظر: شرح السنة؛ للبربهاري ص 122 فما بعدها تحقيق الردادي.

[7] انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص: 544؛ تحقيق الدكتور عبدالله التركي وشعيب الأرناؤوط.

[8] لا يلزم للانتقال من القضايا الكبرى إلى ما دونها أن يؤمن المجتمع كله بتلك القضايا، بل أن توجد نخبة كافية تتمثل تلك المُثل تكون قادرة على حمل الدعوة والأمانة.

[9] ويتأكَّد ذلك في المجتمعات التي ألِفت أنماط الغرب وقوانينهم، وعاد فيها الإسلام غريبًا.

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات