المعبودون الجدد

عاصم محمد الخضيري

2014-11-23 - 1436/02/01
عناصر الخطبة
1/ كم إلهًا نعبد في هذه الأرض؟! 2/ من هم المعبودون الجدد؟ 3/ أكثر مقامات العبودية في هذا الزمن مصروفة لغير الله 4/ ألم يعلم بأن الله يرى؟! 5/ قبح الاستهانة بنظر الله والاستخفاف بمراقبته 6/ لا تجعل الله أهون الناظرين إليك 7/ الله مطّلع على الضمائر، عالم بالسرائر 8/ مواقف عامرة من حياة السلف 9/ ما هي المراقبة؟ وكيف تراقب ربك؟

اقتباس

المعبودون الجدد.. هم أولئك الذين راقبناهم من دون الله، وتخوفنا على سُمْعتنا عندهم أن نلهو بها في دركات العيب، والويل كل الويل لمن ضاعت سُمعته بين الناس، وأما رب العزة فهو أهون من نراقبه!!.. مَن سيصدّق أنّ أكثر مقامات العبودية في هذا الزمن مصروفةٌ لغير الله، فصار المخلوق هو الرقيب الحقيقي، وهو المرجو الحقيقي، وهو المخوف الحقيقي جهرة وعلانية، ألم يعلم بأن الله يراه؟! والذي يستخف بفواحشه عن الناس، وينفذ نزواته خلف أنظارهم، ويحارب ربه من وراء جدر ألم يعلم بأن الله يراه؟!

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الحي القيوم، الفتاح العليم، البر الرحيم، الجليل العظيم الحكم الحكيم الغني الكريم، سبحانه وتباركت أسماؤه وتقدست أوصافه وتعالى.

 

رب سما وهو العلي بذاته *** وهو الكريم وبره يتوال

ويحب سُئْل العبد ثم يجيبه *** وعبيده ما إن تحب سؤال

الله أعظم ما طلبت نواله *** حمدًا لرب قد أثاب نوال

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة صدق نصطفيها لوقفة نشفع في الأخرى بها ونجاب، رب كل شيء ومليكه وخالقه وعليمه، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا.

 

وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله

 

صلى عليه الله في ملكوته *** ما ضوَّت الشِّعرى وما بدر سرى

وعليه من لدن الإلهِ تحيةٌ *** رَوْحٌ وريحانٌ وطيب أثمرَ

 

بأبي وأمي أنت يا خيرَ الورى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحديد:28].

 

يتلفتون فإذا لم يجدوا أحدًا وقعوا عليه، يتلفتون خلق الله لهم رقابًا لا لتلتفت للنور بل لتراقب الغادين أرأتها العيون أم هي وحدها في  الظلام.

 

إذا هجعت سبحات الليل وسجد الساجدون رأيتهم يتحسسون أراقبتها العيون أم هي وحدها في الظلام، يحبون الظلام لا ليصلّوا والناس نيام، ولا ليطعموا الطعام بل ليريشوا السهام، ويحاربوا الجبار في ملكوته، ويقارفوا الأخناء في الظلماء.

 

إنهم يبصرون، خلق الله لهم عيونا يرون بها البشر، ويغضونها عن كبرياء رب البشر، إنهم يسمعون، قيل لآذانهم: اسمع الحق، واعبد الله فيه تردي كوثر الهدى، لكن قواذف الباطل ملأت أسماعها، والرصاص المذاب عالق السخونة ملتهب العذاب.

 

هل عبدوا ربا غير الله، فصاروا يراقبون غيره، أم عيونهم تشهد أن مع الله آلهة أخرى، فإذا ما رأت غير الله كفت عن الحرام، وإذا أغمض الهُجّع ساخوا، واقترفوا ما هم مقترفون.

 

أسهل شيء في هذه الحياة أن تشهد أن الله هو الخالق البصير، وأن الله هو العليم الرقيب، وأصعب شيء أن تحافظ على مواثيق عبوديتك ألا تتكسر منك في أول معركة امتحان تخوضها في الظلام.

 

المعبودون الجدد.. عنوان هذه الخطبة "المعبودون الجدد" لنشهد جميع الخلائق أن الله -عز وجل- هو معبودها الأوحد، لكنه هو أكثر مَن يحادّ في ملكه، ويبارَز في أرضه، وتهشم عهوده على أعتاب عبوديته.

 

كلهم يشهدون معك أن لا إله إلا الله، وقليل من يشهد معك على التحقيق أن رب الإعلان هو رب الإسرار، وأن رب الجلوات هو رب الخلوات، فإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.

 

كم إلهًا نعبد في هذه الأرض حتى يكون الله هو أهون المعبودين؟ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) [الأعراف:172].

 

المعبودون الجدد.. هم أولئك الذين راقبناهم من دون الله، وتخوفنا على سُمْعتنا عندهم أن نلهو بها في دركات العيب، والويل كل الويل لمن ضاعت سُمعته بين الناس، وأما رب العزة فهو أهون من نراقبه.

 

من سيصدق أن أكثر مقامات العبودية في هذا الزمن مصروفة لغير الله، فصار المخلوق هو الرقيب الحقيقي، وهو المرجو الحقيقي، وهو المخوف الحقيقي جهرة وعلانية، ألم يعلم بأن الله يراه؟! والذي يستخف بفواحشه عن الناس، وينفذ نزواته خلف أنظارهم، ويحارب ربه من وراء جدر ألم يعلم بأن الله يراه؟!

 

والذي أجاب داعي الغرام واستعلم لله، وخاض مخاضة الآثام والنكران والإجرام، وفاحت سكرة العصيان منه وبارز الرحمن ألم يعلم بأن الله يراه؟!

 

وشاب نشأ في طاعة شهوته، ومقارفة نهمته، فإذا جاشت الشهوة في صدره أفرغها في الحرام، وأكسبها الآثام، ألم يعلم بأن الله يراه؟!

 

ورجل قد استخفى عن أنظار أسرته، وأوصد أبواب المراقبة جميعها، وارتمى ثم ارتمى سالكًا طرق الهوى، وتقدمت خطواته نحو الورى، متخفيًا بالليل عن نظر الورى ألم يعلم بأن الله يراه؟!

 

وامرأة باءت بالخطيئة، وخرجت من بيتها لموعدٍ تُغضب فيه ربها، وقد خانت وليها، ولم تخشى من الجبار ذي الملكوت والجبروت والقهار ذي الإكرام والسلطان، ألم تعلم بأن الله يرى؟!

 

وحين ينام الجميع، ويوقن بأن لا عين تراه، ألم يعلم بأن الله يراه؟!

 

وحين تنام أعينهم وعين الله تبصرهم *** وأغمض ناظر الليل ولا أحد يراقبهم

أقاموا الغي واختنقوا وقد سكرت جوارهم *** وقد هتكوا محارمه وربك عالم بهم

يجيئون الرقيب بما تحار به غرائزهم *** فويل ثم ويل من أتوه الليل يلعنهم

وقد شهدت عظامهم عليهم بالشقاء لهم *** فتب وارجع عساك تكون ممن كان يقبلهم

 

(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الشعراء: 217- 220]، يا الله ما عبدناك حق عبادتك ولا قدرناك حق قدرك، فاتخذنا لك أندادًا نراقبهم في شهواتنا، ونرعاهم في جلواتنا، وقد نسينا (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[الحديد: 4].

 

كل معلومٌ، ففي علمك كانا *** أنت محصيه زمانًا ومكانَا

أنت سبحانك أدرى بالذي لم *** يكن أو كان فينا كيف كانا

تعلم النفس وما تضمره *** وسوسات النفس ما جاش زمانا

أنت محصيها وهاديها *** إلى نشوة التسبيح قلبًا ولسانَا

 

لا أعلم ذنبًا عُصي الله به ممن يشهدون أن لا إله إلا الله أكثر من ذنب الاستهانة بنظر الله والاستخفاف بمراقبته.

 

ولا أعلم عملا تتحقق به أوفى مقامات الإحسان من تحقيق معنى الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

 

أورد الذهبي وجوّده الألباني من حديث زَيْد بْن أَسْلَمَ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَاعِي غَنَمٍ، فَقَالَ: "يَا رَاعِيَ الْغَنَمِ هَلْ مِنْ جَزْرَةٍ؟ " قَالَ الرَّاعِي: لَيْسَ هَا هُنَا رَبُّهَا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "تَقُولُ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ "، فَرَفَعَ الرَّاعِي رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ : فَأَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "فَأَنَا وَاللَّهِ أَحَقُّ أَنْ أَقُولَ: فَأَيْنَ اللَّهُ؟" فَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ الرَّاعِي وَاشْتَرَى الْغَنَمَ، فَأَعْتَقَهُ وَأَعْطَاهُ الْغَنَمَ.

 

وقال له: "كلمة أعتقتك في الدنيا، لعلها أن تعتقك يوم أن تلقاه".

 

يقول عامر بن قيس: "ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله –تعالى- أقرب إليَّ منه".

 ويقول الجنيد: "اعلم أنه -عز وجل- يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه، فانظر ماذا يقرب منك".

 

نستغفر الله من شرك المراقبة، فقد ظننا أن الله -عز وجل- لا ينظر إلينا، فنحن نعصيه في خلواتنا، ونطيعه في جلوات الناس، نستغفر الله من شرك المراقبة.

 

نستغفر الله العظيم من الهوى *** ومن المراقب دون رحمن الورى

نستغفر الله من ذنب نبيّته وهو الذي *** ليس يخفى عنه من بات

 

وامرأة تقول: "والله لا أحصي المرات التي وقع فيها زوجي في الحرام، وهو لا يعلم أني أعلم"، ورجل حسبة يقول ويحدثني: "نقبض في الأسبوع الواحد على بضع حالات في مركز واحد فحسب على رجال محصنين خلوا بمحارم الله، وظنوا أن الله لا يعلم سرهم ونجواهم".

 

يا ويلهم حين ماجوا في خيانتهم *** والله يعلم ما خانوا وما ماجوا

 

يستخفون من زوجاتهم ولا يستخفون من الله، وفتيات سبحن في نعمة الله ولم يشكرن وافيرها، فولغن في الفتنة، فاتنات مفتنات، تخرج إحداهن في كامل زينتها وقد تهيأت واستعطرت، وتزينت وتبرجت، ولربها رب السما ما قدَّرَتْ.

 

يستخفين من أوليائهم، ولا يستخفين من الله! وأجهزة ذكية تُنْصب فيها مقاصر الشهوات، وتُرَاش فيها سهام السيئات، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما تكن صدورهم وما يعلنون.

 

يعلم خيانتك حين تكون وحدك، وتغلق بابك، وتطلق نظرتك، وتشفي غلتك لتستعر من جديد.

 

وطفقتَ وطفقت عيناك تزريان *** وبآلاء ربهما تكذبان

إذا غاب الرقيب عليك يوما *** ولم تر حول غرفتك الرقيب

وشبَّ فتيل صدرك في غرام *** ولم تسمع حواليك الدبيب

فقل يا نفس: إن هواك بئس *** وربي كان من حولي قريب

 

أيكون رب العزة أهون المعبودين والناظرين؟ متى تعلم الأمة أن حاجز الخوف من الله ومراقبته متى تكسر أسطوله، وتمزقت أستارة، وتهاوت صدفه، فسيولد الخراب على فوهات أغلى ما نملك، وهي أعراضنا وأعراض أقربائنا.

 

المعبودون الجدد.. ما كنا لنراهم إلا حين استبدلنا استشعارنا بقربهم، بدلاً من استشعارنا بقربنا من الله، وقد قضى الله وقدَّر أنه ما أشرك معه أحد إلا تركه وشركه، ما أكثر المعبودين من دون الله والله يقول: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [المائدة:76].

 

(أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: 66- 67].

 

يا شباب الأمة وشاباتها، ورجالها ونساءها، اعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، احذروه .. احذروا الله ثم خافوه ربًّا، واستفيقوا من لجة الطغيان

لا تقلْ إنْ خلوتَ إني وحيدٌ  *** فمعَ الله أنتَ في كلِّ شانِ

إنَّ عيْنَ الإلهِ ما غابَ عنها *** أيُّ حيٍّ في عالمِ الأكوانِ

ترقبُ الخلقَ في جلالٍ وحكمٍ *** واقتدارٍ ورحمةٍ وحنانِ

 

أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: اعلم -رحمني الله وإياك، وأرشدنا إلى طاعته- أن الله مطّلع على الضمائر، عالم بالسرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كل نفس بما كسبت، وأن سر القلب في حقه مكشوف، كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف، بل أشد من ذلك.

 

كانوا يراقبون الله، ويخشونه ويخافون عذابه، ذكر الرازي -رحمه الله- أن أحد شيوخه كان له جمع من التلاميذ، وكان هذا الشيخ قد خص واحدًا من تلاميذ بمزيد رعاية وعناية فسألوه قائلين: نراك قد خصصت فلانا وتركتنا، فلم ذاك يرحمك الله؟!

 

فسكت الشيخ ثم قال: ائتوني من الغد، فجاءوا إليه وقبل أن يبتدئ حلقة العلم، قال لكل واحد من الحضور: سأخرج لكل واحد منكم طيرًا، وأريد منه أن يذبحه بحيث لا يراه أحد، ثم قال: انتهينا، انصرفوا حتى الغد.

 

فذهب كل واحد من التلاميذ إلى جهة بعيدة، وذبحوا الطيور بحيث لا يراهم أحد، فلما جاءوا من الغد دخلوا على شيخهم فقال لهم: ما فعلتم؟ قالوا: ذبحنا الطيور، ثم قال لتلميذه الذي كان يخصه بالعناية: ما فعل طيرك؟ قال ها هو في جيبي، قال له: لِمَ لم تذبحه؟ قال التلميذ: لقد أمرتني أن أذبح الطائر حيث لا يراني أحد، ولم أجد موضعًا لا يراني الله فيه. فالتفت الشيخ، وقال: من ها هنا كان السبب.

 

لقد صدق الذي قال:

 

كأن رقيبا منك يرعى خواطري *** وآخر يرعى مهجتي ولساني

فخاطبت موجود بغير تكلم *** ولاحظت موجود بغير عيان

 

يقول الغزالي -رحمه الله- عن مراقبة التعظيم والإجلال: ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق، حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه، ولا تستغرب هذا، فقد قيل لعبد الواحد بن زيد: هل تعرف في زمانك هذا رجلاً قد اشتغل بحاله عن الخلق؟ فقال: ما أعرف إلا رجلاً سيدخل عليكم الساعة. فما كان إلا سريعًا حتى دخل عتبة الغلام، وكان طريقه إلى السوق، فقال له عبد الواحد بن زيد:

من أين جئت يا عتبة؟ فقال: من موضع كذا، وكان طريقه على السوق، فقال: من لقيت في الطريق، فقال: ما رأيت أحدًا كنت مطرقًا أذكر الله. وما لي وللخلق؟!

 

قوم تخللهم زهو بسيدهم *** والعبد يزهو على مقدار مولاه

تاهوا بربهم عمن سواه له *** يا حسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا

 

ذكر الشاطبي في الاعتصام أن الحسن -رحمه الله- قال: "إن قومًا أتوا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن لنا إمامًا إذا فرغ من صلاته تغنَّى، فقال عمر -رضي الله عنه- من هو؟ فذكروا له الرجل فقام عمر -رضي الله عنه- مع جماعة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حتى أتوا الرجل وهو في المسجد.

 

فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله، فقال: يا أمير المؤمنين ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت الحاجة لنا، كنا الأحق بذلك منك أن نأتيك، وإن كانت الحاجة لك فأحق من عظمناه خليفة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.

 

فقال عمر: ويحك بلغني عنك أمر ساءني. قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أتتمجن في عبادتك؟ وتتغنى بعد صلاتك؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي. قال عمر: قلها فإن كان كلاما حسنا قلته معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه فقال:

 

وفؤادي كلما عاتبته *** في مدى الهجران يبغي تعبي

لا أراه الدهر إلا لاهيا *** في تماديه فقد برح بي

اقرين السوء، ما هذا الصبا *** فنَى العمر كذا في اللعب

وشبابي بان عني، فمضى *** قبل أن أقضي منه أربي

ما أرجّي بعده إلا الفنا *** ضيّق الشيب عليّ مطلبي            

ويح نفسي لا أراها أبدًا *** في جميل لا، ولا في أدب

نفسي لا كنت ولا كان الهوى *** راقبي المولى وخافي وارهبي

 

فقال عمر رضي الله عنه : وقد بكى:

 

نفس لا كنتَ ولا كان الهوى *** راقبي المولى وخافي وارهبي

 

ما هي المراقبة؟ هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق عليه على ظاهره وباطنه.

 

كيف تراقب ربك؟ سئل بعضهم بما يستعين الرجل على غض بصره عن المحظورات، قال بعلمه أن رؤية الله سابقة على نظره إلى ذلك المحظور.

 

إذا نُزعت مراقبة الله من ضمائرنا فسيسرق السارق لا يخاف إلا الناس، فإن رأوه كَفَّ عن السرقة، وإن غفلوا عنه ذهب بما سرق.

 

إذا نُزعت مراقبة الله فيصلي الشاب لأجل والديه مع جماعة المسلمين، فإن غاب عنه أحدهما أو كلاهما ترك الصلاة والجماعة.

 

صلى المصلي لأمر كان يطلبه *** لما قضاه فما صلى ولا صام

 

إذا انتُزعت مراقبة الله فسنرى عباءات النساء مباعة القيم مشرية الذمم، ولها عنوان في كل مكان، ففي السوق عباءة، وفي الطائرة عباءة، وخارج البلد عباءة، ومع السائق الأجنبي عباءة رابعة، والله أهون الناظرين والمعبودين.

 

إذا انتُزعت مراقبة الله فسنستبدل أرضيتنا وأخلاقنا وقيمنا عند أول قدم نضعها خارج الديار، ونستعلن عن حقائقنا الرديئة وقيمنا المفضوحة.

 

إذا نُزعت مراقبة الله فيكذب الرجل على زوجته، والابن على أبيه، والموظف على رئيسه، وقد تنجح مهمة كذبه، ولكنه هيهات أن تفلت من صحائفه يوم التحقيق الأكبر.

 

 يوم أن نرى مراقبة الله تنتزع من قلوبنا فستصدق الوزعة في الظلمات، وسنفسد في الأرض حتى يرجع إلينا النور، يعبدون الله في النور، وإذا حلت الظلمة أخذوا إجازة مفتوحة.

 

يوم أن نرى مراقبة الله تنتزع من مسئولينا، فسنرى مسئولاً لا يخاف الله في ولايته، وسيخون الأمانة، وأسهل شيء في هذا العصر خيانة الأمانة.

 

يوم أن نرى مراقبة الله منزوعة من قلب كل مسئول

 

فلا عجب إذاً إما غرقنا *** وإما نحن في الظلم احترقنا

وإما صارخ الإفساد يعوي *** وربك مبصر ما كان منا

 

أسألك بربك وأناشدك بالله أن تجدد عبودية الله في قلبك، وأن تزرع مراقبته في كل حالك، اتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل.

 

أنشدك بالله أن تجعل الله هو أعظم معبود، وهو أجلّ ناظر، وهو أكبر مقصود.

أنشدك بالله وبالذي يعلم السر وأخفى ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.

 

أسألك بالله ألا تخاف إلا الله، وألا ترجو غير الله، وألا تراقب سوى الله.

 

دع عنك المخلوقين وأعينهم *** والله ما لك غير الله من أحد

وحسبك الله في كلّ لك الله..

ولكل صوت منه سمع حاضر *** فالسر والإعلان مستويان

والسمع منه واسع الأصوات لا *** يخفى عليه بعيدها والداني

وهو البصير يرى دبيب النملة السـ *** ـوداء تحت الصخر والصوان

ويرى مجاري القوت في أعضائها *** ويرى نياط عروقها بعيان

ويرى خيانات العيون بلحظها *** ويرى كذاك تقلب الأجفان

وهو العليم أحاط علما بالذي *** في الكون من سر ومن إعلان

وبكل شيء علمه سبحانه *** فهو المحيط وليس ذا نسيان

وكذاك يعلم ما يكون غدا وما *** قد كان والموجود في ذا الآن

 

أسمعتم يومًا بالوازع الديني، سمعت أن بعضهم يسخر منه، ووالله لو سقط هذا الوازع من قلوبنا ومن قلوب من حولنا لرأيت ورأيت فسادًا وقتلاً ونهبًا وسرقة وفواحش باطنة وظاهرة كالتي نسمع بها عن الغرب.

 

المراقبة الذاتية لله أن تزرع معنى المراقبة الذاتية في ولدك خيرًا لمن ألف رقيب ورقيب عليه، ازرعوا في أبنائكم خوف الله وخشيته تستريحوا من اللهث خلفهم وخلف أصدقائهم وأجهزتهم وجوالاتهم في كل حال، وليس معناه إهمال الرعية عن الرقابة المشروعة المحمودة لكن ليكن أول ما تبدأ به في تلقين التربية هو ضخّ المعاني القلبية في قلوب رعيتك، خوّفهم بالله، حبّبهم إليه اجعلهم يراقبون ربهم أكثر منك ومن أي مخلوق.

 

اللهُ أنجَحُ ما طلبْتَ به *** والبِرّ خيرُ حقيبةِ الرَّحْلِ

 

اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.. اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.. اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة..

 

 

 

المرفقات

الجدد

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات