المسلمون في الهند: حضارة الثماني قرون

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2023-12-04 - 1445/05/20
التصنيفات: دروس التاريخ

اقتباس

وعلى الرغم من كون عصر الخلجيين في الهند لم يدوم سوى ثلاثين عاماً وهو الأقصر من بين الدول الإسلامية التي حكمت الهند إلا إن الانتصارات التي حققها علاء الدين الخلجي كانت الأكبر والأهم منذ فتوحات السلطان محمود الغزنوي مما...

في مطلع كل عام ميلادي وتحديداً في الثاني من شهر يناير، يتداعي الكثير من أبناء الإسلام المخلصين والغيورين في ربوع الأرض لإحياء ذكرى سقوط غرناطة مملكة بني الأحمر في الأندلس باعتبارها آخر معاقل دولة الإسلام العريقة في شبه الجزيرة الآيبرية، فتُقام المؤتمرات وتُعقد الفعاليات وتُنشد الأشعار وتُلقى المراثي حزناً على سقوط الأندلس وأفول شمسها الذهب بعد ثماني قرون من التوهج والسيادة.

ولكن العجيب أن تاريخاً آخراً لا يقل أهمية وخطورة وهو الأول من نوفمبر يمر دون أدنى اهتمام أو تذكر أو حتى إشارة عابرة، وهو ذكرى إعلان فيكتوريا ملكة انجلترا ضم بلاد الهند الشاسعة والتي كانت وقتها -نظرياً- تحت حكم المسلمين وآخر سلاطينهم  أبو الظفر سِراج الدین محمد بُهادر شاه ظفر؛ آخر سلاطين المغول المسلمين في الهند، وذلك سنة 1857 ميلادية لتطوى بذلك صفحة من أكبر وأثرى وأطول الدول الإسلامية في التاريخ، وكل ذلك دون أن تذرف دمعة واحدة عليها من أبناء المسلمين الذين انقطعوا عن تاريخهم المجيد وحضاراتهم المزدهرة عبر العصور.

 

ولأننا في أمس الحاجة للتعرف على هذا التاريخ وتحسس المواضع الحقيقية للأمة الإسلامية في ركب الحضارة، واستكشاف الاسهامات الكبرى في شتى المجالات لتلك الحضارات، فسوف نلقي الضوء بصورة موجزة للتاريخ العظيم لدولة الإسلام في الهند.

 

بلاد الهند قبل الإسلام

عندما نتكلم عن بلاد الهند تاريخياً فإننا لا نعني بذلك دولة الهند القائمة اليوم بحدودها السياسية والجغرافية المعروفة، ولكن نعني بذلك شبه القارة الهندية التي انقسمت بفعل الاحتلال البريطاني لعدة دول هي الهند، وباكستان، وبنجلاديش، ونيبال، وبوتان، وسيريلانكا، إضافة إلى ما يتبعها من جزر مثل المالديف وسيلان ولكاديف وأندمان ونيكوبار.

 

وشبه القارة الهندية عالم قائم بذاته جغرافيًا في قلب القارة الآسيوية، ففي الشمال جبال الهمالايا الشامخة والتي تعرف بسقف الدنيا، وفي الشرق جبال آسام وهي في الأصل متفرعة من جبال الهمالايا، وفي الغرب جبال الهند وكوش الممتدة حتى الشاطئ، أما في جهة الجنوب فالمحيط، وهي بلاد شاسعة ممتدة الأرجاء تبلغ مساحتها قرابة 4.5 مليون كيلو متر مربع، وبها الكثير من الشعوب والقوميات واللغات واللهجات، وكانت عبر التاريخ من المناطق المؤثرة في ركب الحضارة ومسيرة البشرية، وتعددت بها الأجناس والديانات بصورة واسعة حتى يمكن القول أن شبه القارة الهندية هي تجسيد حقيقي لجميع أدوار تاريخ البشرية في شتى صوره، وفيها التمثيل الكامل للفروق بين الآدميين وما عرفوه من معتقدات منذ ظهور الوثنيات حتى هداية الناس إلى التوحيد.

 

ونظرًا لاتساع رقعة هذه البلاد لم يستطع حاكم واحد أو دولة واحدة عبر التاريخ أن تخضع جميع أقاليمها لحكومة مركزية واحدة، فقامت بها العديد من الممالك والإمارات المتنافسة.

 

الإرهاصات الأولى لدخول الإسلام

لم تكن بلاد الهند مجهولة بالنسبة للقبائل العربية، لطالما زارها التجار العرب قبل الإسلام في رحلات تجارية لنقل بضائع الهند ومنتجاتها المفضلة لدى العرب، لذلك لم يكن من المستغرب أن يجد الإسلام طريقه إلى بلاد الهند في مرحلة مبكرة، ووفقاً لكتاب "تاريخ الهند" للمؤرخَين إليوت وداوسون، فقد رست أول سفينة تحمل عرباً مسلمين على السواحل الهندية عام 630 ميلادية، ومن حينها بدأ الإسلام ينتشر ببطء في الهند، ولا تخلو قصص دخول الإسلام إلى بلاد الهند من الطابع الأسطوري المتجذر في العقلية الهندية، حيث يروى في التاريخ الشعبي  أن الإسلام انتشر على نحو كبير في جزر لكشديب الواقعة إلى الغرب من ساحل مالابار، على يد شيخ يدعى عبيد الله، وذلك في عام 661 ميلادية، وقيل إن عبيد الله الذي يقطن بمكة المكرمة، كان نائماً في المسجد الحرام عندما رأى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يأمره بالذهاب إلى الأراضي البعيدة شرقاً؛ ليبشر الناس بالإسلام، ومازالت قصة الشيخ عبيد الله حية ومتداولة في تلك الجزر الهندية وإليه ينسبون الفضل في دخول الإسلام إلى بلاد الهند.

 

الصدام بين بلاد الهند والخلافة الإسلامية

ظل الإسلام ينتشر ببطء وبصورة سلمية عبر التجار والجماعات العربية التي استقرت في السواحل الهندية القريبة من بحر العرب فترة من الزمان حتى لاحت بوادر أول صدام عسكري بين الجانبين في عصر الخليفة الوليد بن عبد الملك الأموي عندما استولت مجموعة من القراصنة من بلاد السند بعلم ملكهم الوثني (راجا داهر) على ثماني عشرة سفينة للمسلمين كانت تمخر عباب بحر العرب بمن فيها من رجال ونساء وحمولات تجارية، فأعد الحجاج حملتين عسكريتين لتحرير الأسرى لكنهما فشلتا في تحقيق ذلك فأقسم ليفتحن هذه البلاد وليدخلنها المسلمون، وبالفعل وبعد موافقة الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) جهز الحجاج جيشاً قوياً جعل على رأسه القائد (محمد بن القاسم الثقفي) البالغ من العمر سبعة عشر عاماً، وبعد العديد من المعارك البرية والبحرية نجح القائد المسلم في حملته ووصل إلى شاطئ (نهر السند) الذي تقع عاصمة الملك (راجا داهر) على ضفته الشرقية وعرض عليه الإسلام فأبى فقاتله حتى انتصر عليه وفتح عاصمة بلاد السند في عام 90 هـ. وفى عهد الخليفة (عمر بن عبد العزيز) أرسل إلى بقية ملوك وأمراء السند يدعوهم إلى الإسلام على أن يقرهم على مناصبهم ويبقيهم على ملكهم فدخل الكثير منهم في الإسلام وتسموا بأسماء إسلامية. وفى عهد الخليفة (هشام بن عبد الملك) عين القائد (الجنيد بن عبد الرحمن المرى) والياً على السند فأكمل انتصارات سابقيه وفى خلال عامين اثنين استولى على شمال غرب الهند بالكامل.

 

ومع دخول العصر العباسي بدأت عجلة الفتوحات الإسلامية في التباطؤ وكان فتح كشمير في عهد أبي جعفر المنصور هو العلامة الأبرز في تلك الفترة، بعدها انشغلت الدولة بكثير الخارجين عليها فأوكلت قيادة دفة الفتوحات إلى الدويلات الإسلامية التي ظهرت من عباءة الخلافة الإسلامية وجلّها ركّز عملياته الحربية ناحية شمال خراسان وآسيا الصغرى في حين بقي وضع المسلمين متمركزاً في السواحل وبلاد السند -باكستان- حتى ظهرت الدولة الغزنوية وسلطانها العظيم محمود بن سبكتكين رحمه الله.

 

الهند وعصر الدولة الغزنوية (366 ه-543 ه)

تنسب الدولة الغزنوية إلى القائد التركي " سبكتكين " وكان أحد قادة جيوش الدولة السامانية التي كانت تحكم معظم خراسان تحت عباءة الخلافة العباسية، وقد استطاع سبكتكين بحسن سياسته وعدله وحزمه من كسب قلوب الرعية، فصار أمره في علو شأن حتى أقام دولة جعل من مدينة " غزنة " في أفغانستان عاصمة لها، ونالت دولته الجديدة شرعيتها بمباركة الخليفة العباسي "الطائع بالله".

 

بعد رحيل سبكتكين سنة 388 هـ، تولى الأمر بعده ولده "إسماعيل" ولم يكن كفؤً للمنصب الحساس فتحرك أخوه " محمود " واستولى على الحكم وخلع أخاه، وجعل أولى مهامه التخلص من الدول الشيعية في خراسان فبدأ بالسامانيين ثم البويهيين ثم القرامطة، وخاض في سبيل ذلك حروباً طويلة ومريرة، وقد أقام السلطان محمود الخطبة للخليفة القادر بالله في بغداد، وأقرَّه الخليفة العباسي سلطانًا على ما تحته من بلاد خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان، فكان أول تسمى باسم "سلطان" في التاريخ الإسلامي.

 

لم يكد السلطان محمود يثّبت أقدامه في السلطنة ويرتب أوضاعه الداخلية ويحصل على شرعية حكمه بمباركة الخليفة العباسي، حتى يمم وجهه ناحية بلاد الهند، جاعلاً من فتحها ونشر الإسلام فيها هدفاً استراتيجياً رئيسياً لدولته وفترة حكمه.

 

اتبع السلطان محمود سياسة جهادية حكيمة في التوغل في بلاد الهند الشاسعة ذات الطقس الصعب والبيئة الصحراوية القاسية، حيث وضع استراتيجية المراحل في فتوحاته بأرض الهند، وكانت معركة برشور في المحرم من سنة 392 ه فاتحة انتصاراته الكبرى على ملوك الهند الوثنيين، لينفتح الطريق بعدها أمام سلسلة من الفتوحات الكبرى للسلطان محمود الغزنوي لم يعرف التاريخ الإسلامي مثلها إلا أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

 

لما أكمل فتح إقليم البنجاب الكبير سنة 405ه، بعدها أصبح الطريق مفتوحاً نحو وديان الهند وأقاليمه الداخلية. ومن سنة 405 هـ حتى سنة 410 هـ أكمل السلطان محمود فتح كشمير وكلنجد وقنوج وقضى على كبار ملوك الهند، وخلال هذه الفتوحات كلها كان المسلمون لا يدعون بيتاً للأصنام إلا أحرقوه، ولا تماثيل وأوثان قائمة إلا كسروها وبنوا بأحجارها المساجد والبيوت، ثم كان فتح الفتوح الهندي سنة 415ه في معركة سومنات والتي تعتبر من المعارك الفاصلة ليس في تاريخ الدولة الغزنوية وحدها، ولكن في تاريخ الحضارة الإسلامية، إذا كانت معركة المصير ونقطة الفصل في مصير بلاد الهند، انتقلت بها من الظلمات إلى النور، ومن الوثنية والشرك إلى التوحيد، ووجهت أكبر ضربة لأهم مراكز الوثنية في الهند، مما أدى لسقوط باقي المدن الهندية في يد المسلمين ودخول الهنود في دين الله أفواجاً، حيث قامت حضارة عظيمة كان لها بالغ الأثر في شرق المعمورة.

 

هذه المعركة خصيصاً نالت قسطاً وافراً من التشويه والتزييف التاريخي اجتمع على كتابته والترويج له خصوم الأمة الإسلامية من هندوس وأوروبيين صليبيين ويهود وشيعة رافضة، وبداية التحريف والتزييف كانت-كما هي العادة -من عند الشيعة الرافضة.  فالمؤرخ الشيعي محمد قاسم هندو شاه المولود في عام 1560ميلادية والمتوفي في 1620، صاحب كتاب تاريخ " فرشته " الذي كُتب بعد ستة قرون من فتح سومنات، كان أول من صاغ الأكاذيب والأباطيل عن الفتح الإسلامي لبلاد الهند، فقد وصفها بحمام دم القرون الوسطى، وادعى أن 400 مليون هندوسي تمت اذابتهم خلال الغزو الاسلامي للهند، فالناجين تم استعبادهم وأخصائهم حسب أكاذيبه وأباطيله.

 

 دوافع المؤرخ الشيعي المشهور عنهم الكذب والافتراء معروفة، فالسلطان محمود رحمه الله كان حرباً على الشيعة والرافضة، طهر بلاده من شرهم، وقمع بدعهم، وأنقذ الخلافة السنية، وتصدى للدولة الفاطمية الخبيثة، ومنعها من التوغل في شرق العالم الإسلامي، لذلك فعداوتهم للسلطان محمود معروفة، ومثلها عداوتهم لصلاح الدين الأيوبي والسلطان سليم العثماني وغيرهم من القادة العظام الذين حربوا التشيع وردعوه خلال فترة حكمهم.

 

والمستشرقون الأوروبيون الذين يحملون جرعات ضخمة من الكره والعداوة للإسلام وحضارته ودولته وجدوا ضالتهم في كتابات فرشته، فراحوا يكيلون الاتهامات والأباطيل عن غزوات السلطان محمود الغزنوي، فقد كتب المؤرخ الشهير " ويل دورانت " في كتابه الصادر في عام 1935 الموسوم بعنوان (قصة حضارة: تراثنا الشرقي): "الغزو المحمدي للهند كان على الأرجح القصة الاكثر دموية في التاريخ". والمستشرق الفرنسي (فرانسوا جاتيير) كتب في كتابه الموسوم بعنوان (اعادة كتابة التاريخ الهندي) عام 1996: "المجازر التي تم ارتكابها بواسطة المسلمين في الهند لا مثيل لها في التاريخ، أكبر من الهولوكوست بحق اليهود على يد النازيين، أكبر من المذابح بحق الارمن على يد الأتراك، حتى أكبر وأكثر اتساعا من ذبح السكان الاصليين لأمريكا الجنوبية على يد الغزو الاسباني و البرتغالي".

 

 عصر الدولة الغورية (543 ه-602 ه)

 بلغت الدولة الغزنوية أوج قوتها واتساعها في عهد سلطانها العظيم محمود وولده مسعود، وشملت المنطقة الشاسعة من إيران وشمال الهند كله والسند والبنجاب وحوض الجانج حتى البنغال، ولما أصابها الضعف والوهن أخذت أجزاء كثيرة من هذه الدولة في السقوط في يد الهندوس مرة ومن عاونهم من القرامطة، وانتزعت الكثير من أملاك الغزنويين، حتى إيران مركز دولتهم، وعندها نهض بطلنا المقدام زعيم الغور شهاب الدين الغوري وأخذ في استعادة زمام الأمور مرة أخرى.

 

 بدأ شهاب الدين رحلته الجهادية مبكرًا وبدأها كما بدأها من قبل "محمود بن سبكتكين" ومن نفس النقطة من "الملتان" وكان هذا الإقليم يقع تحت قبضة "القرامطة" الكفار، وبالفعل استخلص شهاب الدين "الملتان" من يد القرامطة سنة 570هـ، ثم أعقب ذلك استعادة "بيشاور" وأخضع حوض السند جميعه، وواصل استعادة أملاك الغزنويين حتى بسط سلطان الغوريين على البنجاب والسند، وشمال الهند إلى خليج البنغال. ونجح الغوريون في إقامة حكم إسلامي قوي في الهند، وظل السلطان شهاب الدين الغوري يجوب بلاد الهند شرقاً وغرباً غازياً وفاتحاً طوال ثلاثين عاماً ما بين البنجاب والبنغال، لتوطيد دعائم الدولة.

 

كان السلطان شهاب الدين الغوري قائداً محنكاً وحاكماً عادلاً رشيداً يصاحب أهل الفضل وأرباب الأدب والفقه، وكان من خاصته الإمام الكبير (فخر الدين الرازي). ولكنه وقع في نفس الآفة التي وقع في الملوك والسلاطين من قبله، حيث لم يكن من خلفائه من يصلح لمواصلة السير على نفس الدرب، فانهارت دولته باستشهاده سنة 602 ه، ودخل المسلمون في الهند عصراً جديداً هو عصر المماليك.

 

عصر دولة المماليك ( 602ه – 689 ه)

ورث المماليك الدولة الغورية بطريقة سلمية حين نصب أحد مماليك السلطان شهاب الدين الغوري واسمه (قطب الدين أيبك) نفسه سلطاناً على الهند في عام (602هـ) وقد دام حكم المماليك للهند ممثلاً في أسرتين : إيلتمش، وبلبن، حوالي تسعين سنة شهدت البلاد فيها الكثير من الفتوحات الصغيرة نوعاً ما مقارنة بفتوحات من سبقوه، وشُيِّدت الكثير من مظاهر الحضارة مثل منارة القطب ب (دهلى) التي يبلغ طولها (242) متراً والتي تعد من أروع العمائر الإسلامية في الهند قاطبةً.

 

عصر الخلجيين ( 689 ه- 720 ه)

 وقد انتهت دولة المماليك بقيام الدولة الخلجية في عام (689هـ) والتي حكمت الهند بعد زوال دولة المماليك وأول ملوكهم (جلال الدين فيروز شاه) الذي استطاع بحسن سياسته وعدله أن يقيم أركان دولة قوية وأن يتصدى لجحافل المغول الذين هاجموا دولته وأن ينزل بهم هزيمة كبيرة، وبعد صراع على الحكم خلفه ابن أخيه (علاء الدين).

وفى عهد ذلك الأمير عاد المغول فغزوا الهند مرة ثانية فجهز لهم جيشاً قوياً وهزمهم شر هزيمة وطاردهم حتى قضى على تهديدهم. ونظراً لشدة طموحاته وشجاعته لُقِّب (علاء الدين) باسم (الإسكندر الثاني).

 

وعلى الرغم من كون عصر الخلجيين في الهند لم يدوم سوى ثلاثين عاماً وهو الأقصر من بين الدول الإسلامية التي حكمت الهند إلا إن الانتصارات التي حققها علاء الدين الخلجي كانت الأكبر والأهم منذ فتوحات السلطان محمود الغزنوي مما جعل للرجل مكانة خاصة في قلوب الهندوس الذين يكرهونه بشدة وأنتجت بوليود الهندية العديد من الأفلام والمسلسلات عن حياة الرجل عامرة بالأكاذيب والزيف لتشويه صورة الرجل وسيرته.

 

الدولة التغلقية (720ه-815ه)

 بعد موت علاء الدين الخلجي اختلَّت أمور الدولة وتولى أمرها عدد من السلاطين الضعاف فانتهى حكم الخلجيين في عام (720ه) على يد الدولة التغلقية التي أسسها السلطان (غياث الدين تغلق) ويُحسَب له أنه أنشأ نظاماً محكماً للبريد لم تعرف الهند له مثيلاً في تاريخها في سرعته ودقته، وأقام أركان دولة قوية. وقد خلفه ابنه (فخر الدين) الذي كان محباً للعلماء، وفى عهده تولى الرحالة العربي (ابن بطوطة) قضاء (دهلي) وعاش في الهند ثماني سنوات.

 

وكان آخر ملوك (الدولة التغلقية) الأقوياء السلطان (فيروز شاه) الذي اشتهر بحبه لأعمال الخير وتقربه للعلماء، ويقول المؤرخون إن فيروز شاه كان له اتجاه خاص نحو المشاريع العمرانية، فيقول المؤرخ عبد الحي بن فخر الدين صاحب "نزهة الخواطر": "وبالجملة فإنه حفر خمسين نهرًا، وبنى أربعين مسجدًا، وعشرين قصرًا، وخمسين مارستانًا (مستشفى)، ومائة مقبرة، وعشرة حمامات، ومائة جسر، وثلاثين مدرسة". كما أنشأ مدينة جديدة قرب دلهى سنة (755هـ - 1354م) وسماها فيروز آباد.

 

وعندما مات ذلك السلطان سادت الفوضى في أرجاء الدولة حتى سقطت على يد الطاغية (تيمور لنك).

 

عصر ملوك الطوائف ( 815 ه- 855 ه)

 قامت بالهند خمس دول على أنقاض مملكة دلهي هي الكجرات، والدكن، والبنغال، وجنبور، ومالوا. وتعتبر الدولة الإسلامية في الكجرات أقوى تلك الممالك وأهمها، وقد استقل بها قائدها ظفر خان سنة 810 ه وتلقب بمظفر شاه وحكمها بالعدل وحسن السياسة إلى أن توفي عام 813 هـ. تولى من بعده حفيده أحمد خان الذي يعتبر أهم ملوك هذه الدولة وإليه يرجع الفضل في تأسيس مدينة أحمد أباد التي صارت من وقتها عاصمة للكجرات وإلى يومنا هذا، وخلال حكمه الذي استمر العام 845 هـ استقبلت الكجرات العلماء المسلمين من كل حدب وصوب، حيث كانوا موضع ترحيب السلطان وعنايته وبسبب ذلك ذاعت شهرة الكجرات في العالم الإسلامي.

وقد اشتهر سلاطين الكجرات ولا سيما محمود شاه الذي تولى الحكم عام 863 هـ بنجاحاتهم العسكرية وفي توسيع رقعة مملكتهم على حساب الممالك الهندوسية المجاورة ولم يتورط أحد من ملوكهم في حرب ضد دولة إسلامية، وعندما اشتدت هجمات البرتغاليين على سواحل الكجرات في أوائل القرن العاشر الهجري استعان محمود شاه بأسطول المماليك بمصر وبالفعل أرسل قنصوه الغوري أسطولاً لنجدة الكجرات بقيادة الأمير حسين ونجح في دحر الأسطول البرتغالي في موقعة كاليكوت في العام 914 هـ، ولكن تواطؤ حاكم ديو أدى لهزيمة الأسطولين الكجراي والمصرية في موقعة ديو البحرية وإزاء امتناع حاكم ديو عن تموين السفن المصرية اضطر الأمير حسين للانسحاب من بحر العرب والعودة لمصر.

 

ومن أشهر ملوك هذه الدولة وأكثرهم ورعا السلطان مظفر الحليم، وكان معروفاً بعنايته بالعلم والعلماء وتورعه عن غزو ممالك المسلمين.

 

الجدير بالذكر أن بعض ملوك الطوائف ظل يحكم إقليمه ودويلته لفترة طويلة حتى بعد ظهور دولة مغول الهند الكبرى، فملوك الكجرات ظلوا يحكموا حتى سنة 992 ه، وملوك كشمير ظلوا حتى سنة 970 ه، وملوك السند حتى سنة 995 ه، وملوك خانديس في شمال الدكن ظلوا حتى سنة 1009 ه، وملوك كلكتا وحيدر آباد ظلوا حتى سنة 1096 ه.

 

عصر الدولة اللودية (855 ه-932 )

وحكمت تلك الدولة مدة سبع وسبعين سنة، وتعاقب عليها ثلاثة ملوك، وكانوا من أصول أفغانية، وأفضل الثلاثة كان إسكندر اللودهي الذي كان له اهتمام خاص بالتعليم ونشر الإسلام بين الهنود، وكان عادلاً خيراً بني المساجد والمدارس، كما أنه أول من أمر بترجمة علوم الهند إلى اللغة الفارسية وجعلها اللغة الرسمية للدولة.

 

عصر مغول الهند الكبار (932 ه-1278 ه)

وتعتبر المملكة الأخيرة للمسلمين في الهند، وقد وصلت بالحكم الإسلامي إلى أرقى صوره وأقوى نفوذ له وشهد الإسلام في عهدها أوسع انتشار له. وقد تعاقب على حكم هذه الدولة سلاطين أكفاء أولهم (ظهير الدين بابر) مؤسس الدولة المغولية، وقد وصلت دولة المغول في الهند إلى أوج مجدها في عصر حفيده السلطان (جلال الدين أكبر) الذي كان رغم قوته واتساع دولته وكونه الوحيد من حكام المسلمين الذي حكم كامل التراب الهندي للمرة الأولى عبر تاريخ المسلمين في الهند، إلا إنه كان زنديقاً مجرماً حاول اختراع دين جديد عبارة عن كوكتيل أديان سماوية ووثنية ليضمن سيطرته وولاء كل الطوائف إليه وذلك سنة 986 ه. وللهندوس احتفاء خاص بهذا الرجل وأنتجوا له العديد من الأفلام والمسلسلات التي تمجد فيه نظراً للأثر السيئ الذي تركه على عقيدة المسلمين في الهند .

 

 أما أشهر سلاطين المغول المسلمين فقد كان السلطان (أورنك ذيب عالم كير) الذي كان من أعظم الملوك الفاتحين ومن أكثرهم زهداً وتقشفاً والذي أشرف على تأليف الموسوعة المعروفة بالفتاوى الهندية أو (العالمكيرية) نسبة إلى (عالم كير) وهو الاسم الذي اشتهر به ذلك السلطان في الهند. أما آخر سلاطين المغول فقد كان السلطان (بهادر شاه) الثاني الذي تولى الحكم عام (1221 ه)، وكان الإنجليز في عهده قد أحكموا سيطرتهم على البلاد وفرضوا نفوذهم على سلاطين الهند الذين كانوا يتعاملون معهم وكأنهم موظفون عندهم. وفى عام (1274 ه) قام المسلمون والهندوس بثورة عارمة قادها (بهادر شاه) الثاني ضد الإنجليز الذين تصدوا لها بقوة واستطاعوا القضاء عليها والقبض على قائدها.

 

وبعد محاكمات صورية صدر الحكم على السلطان بالإعدام ثم خُفِّف الحكم إلى النفي، وفي يوم الخميس (8 من ربيع الأول 1275هـ) الموافق (17 أكتوبر 1858م) تم نفي السلطان وأسرته إلى مدينة (رانكون) عاصمة (بورما). وبنفيه سقطت دولة المغول الإسلامية وطويت آخر صفحة من صفحات الحكم الإسلامي العظيم في الهند والذي ظل قائماً لأكثر من ثماني قرون. وأُعلن تحويل الهند إلى مستعمرة بريطانية.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات