عناصر الخطبة
1/ شوق المؤمنين إلى الجنة 2/من الأعمال التي تبلغنا أعلى الجنان 3/مما شرع لنا في ختام رمضاناقتباس
وَبِنَفْسِ لُغَةِ الْجَسَدِ يَدُلُّنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى عَمَلٍ آخَرَ، بِهِ نَكُونُ مِنْ رُفَقَائِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: "مَنْ كَانَ لَهُ أُخْتَانِ أَوْ ابْنَتَانِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ؛ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ"، وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، فَمَنْ رَزَقَهُ اللهُ أُخْتَيْنِ أَوِ ابْنَتَيْنِ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].
أَمَّا بَعْدُ: هَلْ تَسْمَعُونَ؟ مَا زَالَ الْمُنَادِي يُنَادِي: "يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ"، هَلْ تُبْصِرُونَ؟ تِلْكَ الْجَنَّةُ مَا زَالَتْ أَبْوَابُهَا مُشْرَعَةً، يَهُبُّ نَسِيمُهَا، وَيَنْتَشِرُ عَبِيرُهَا، قُصُورُهَا وَأَنْهَارُهَا، حُلِيُّهَا وَزِينَتُهَا، طَعَامُهَا وَثِمَارُهَا، حُورُهَا وَبَهْجَتُهَا: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا)[الإنسان: 20].
فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ، وَهَذِهِ الْخَوَاتِيمِ الْمُبَارَكَةِ، تُحَلِّقُ رُوحُ الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ طَامِحَةً فِي السَّمَاءِ، رَاغِبَةً فِي الْعَلْيَاءِ؛ وَلِذَا فَإِنَّنا سَنَسْتَثْمِرُ انْشِرَاحَ الصُّدُورِ، وَإِقْبَالَ الْقُلُوبِ، لِنُوَجِّهَ دَفَّتَهَا إِلَى هُنَاكَ، إِلَى حَيْثُ الْفِرْدَوْسُ الْأَعْلَى، وَرُفْقَةُ الْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَذْكُرَ الْأَعْمَالَ الْمُوصِلَةَ إِلَى تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ مِمَّا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَإِنَّكَ لَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي، وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ وَلَدِي، وَإِنِّي لَأَكُونَ فِي الْبَيْتِ فَأَذْكُرُكَ، فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى آتِيَكَ فَأَنْظُرَ إِلَيْكَ، وَإِذَا ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ عَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ خَشِيتُ أَنْ لَا أَرَاكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِهَذِهِ الْآيَةِ: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)[النساء: 69]".
فَهَذَا هُوَ أَوَّلُ الْأَعْمَالِ: طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى شَرْعِهِ، وَلُزُومُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَهَنِيئًا لِمَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ فَنَالَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجِنَانِ، وَرُفْقَةَ خَيْرِ الْأَنَامِ.
لَقَدْ كَانَتْ مُرَافَقَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُمْنِيَةً مُشْتَرَكَةً، وَخَاطِرًا كَثِيرًا مَا يُرَاوِدُ الْأَصْحَابَ، فَهَذَا رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ يَقُولُ: "كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: "سَلْ"، أَيْ: اطْلُبْ مَا شِئْتَ، وَهُنَا اسْتَثْمَرَ رَبِيعَةُ هَذَا الْعَرْضَ النَّبَوِيَّ الْمَفْتُوحَ، "فَقَالَ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟"، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ"، فَالصَّلَاةُ خَيْرُ الْأَعْمَالِ، وَأَعْظَمُ الطُّرُقِ لِلْوُصُولِ إِلَى أَعَالِي الْجِنَانِ.
وَاسْمَعُوا إِلَى أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ يَصِفُ مَشَاعِرَ الصَّحَابَةِ وَفَرْحَتَهُمُ الْعَظِيمَةَ عِنْدَمَا دُلُّوا عَلَى عَمَلٍ يُوصِلُهُمْ إِلَى مُنَاهُمْ وَغَايَةِ أَحْلَامِهِمْ، فَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟"، قَالَ: لَا شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، ثُمَّ قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ؛ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ"، إِنَّهَا الْمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ تَفْعَلُ الْأَعَاجِيبَ، وَتَرْفَعُ الْعَبْدَ إِلَى جِوَارِ الْحَبِيبِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَمِنَ الْأَعْمَالِ: حُسْنُ الْخُلُقِ، يَقُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا"، فَمَا أَجَلَّ هَذَا الْعَمَلَ الْعَظِيمَ، وَمَا أَسْعَدَ صَاحِبَهُ؛ يَنَالُ فِي الدُّنْيَا صَفَاءَ النَّفْسِ، وَبَيَاضَ الْقَلْبِ، وَمَحَبَّةَ النَّاسِ، وَثَنَاءَ الْخَلْقِ، وَيَنَالُ فِي الْآخِرَةِ فِرْدَوْسَ الرَّحْمَنِ، وَمُرَافَقَةَ سَيِّدِ الْأَنَامِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَمِنَ الْأَعْمَالِ مَا بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُولَئِكَ الرُّحَمَاءَ، الَّذِينَ يَعْطِفُونَ عَلَى الْيَتَامَى، فَيَقُومُونَ عَلَى شُؤُونِهِمْ، وَيُصْلِحُونَ أَحْوَالَهُمْ، وَيَبْذُلُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَسُدُّ حَاجَاتِهِمْ وَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ مُصِيبَةَ فَقْدِ آبَائِهِمْ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا"، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
وَبِنَفْسِ لُغَةِ الْجَسَدِ يَدُلُّنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى عَمَلٍ آخَرَ، بِهِ نَكُونُ مِنْ رُفَقَائِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: "مَنْ كَانَ لَهُ أُخْتَانِ أَوْ ابْنَتَانِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ؛ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ"، وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، فَمَنْ رَزَقَهُ اللهُ أُخْتَيْنِ أَوِ ابْنَتَيْنِ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا فِي دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا، وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبِ الْإِصْلَاحِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالرِّعَايَةِ، فَهُوَ الْمُبَشَّرُ السَّعِيدُ بِرُفْقَةِ الْحَبِيبِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَمِنَ الْأَعْمَالِ الْمُوصِلَةِ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى: الشَّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ، بِأَنْ يُقَدِّمَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ رَخِيصَةً لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، ونُصْرَةِ دِينِه؛ فَيُعَوِّضُهُ اللهُ بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجِنَانِ، فَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ-، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ، قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى".
وَمِنْ أَسْبَابِ سُكْنَى الْفِرْدَوْسِ: سُؤَالُهُ اللهَ -سُبْحَانَهُ-، كَمَا دَلَّنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَالَ: "فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فإنَّه أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأَعْلَى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ".
وَلَمَّا كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يُصَلِّي وَرَآهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لَهُ: "سَلْ تُعْطَهْ"، فَكَانَ سُؤَالُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَعْلَى دَرَجِ الْجَنَّةِ جَنَّةِ الْخُلْدِ".
تِلْكَ هِيَ بَعْضُ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوصِلُ إِلَى الْفِرْدَوْسِ وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَنَخْتِمُ بِمَا ذَكَرَهُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي سُورَةِ (الْمُؤْمِنُونَ)، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[المؤمنون: 1 - 11].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:
مَعَاشِرَ الصَّائِمِينَ: اعلموا أنه قَد شُرِعَ لَكُم في خِتَامِ هَذَا الشَّهرِ زَكَاةُ الفِطرِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ لَهُ فَضلٌ عَن قَوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ لَيلَةَ العِيدِ، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ، صَاعًا مِن تَمر، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى العَبدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلى الصَّلاةِ".
وَالأَفضَلُ إِخرَاجُهَا قَبلَ الصَّلاةِ مِن يَومِ العِيدِ، وَلا يَجُوزُ تَأخِيرُهَا إِلى مَا بَعدَ الصَّلاةِ، وَمَن أَخَّرَها بِغَيرِ عُذرٍ فَهُوَ آثِمٌ، وَيَجِبُ عَلَيهِ إِخرَاجُهَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ، فَمَن أَدَّاهَا قَبلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقبُولَةٌ، وَمَن أَدَّاهَا بَعدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ".
وَيَجُوزُ أَن تُخرَجَ قَبلَ العِيدِ بِيَومٍ أَو يَومَينِ، وَفي البُخَارِيِّ: "كَانَ ابنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- يُعطِيهَا لِلَّذِينَ يَقبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعطَونَ قَبلَ الفِطرِ بِيَومٍ أَو يَومَينِ".
وَمِمَّا شَرَعَهُ اللهُ لَنَا: صَلَاةُ الْعِيدِ، شَعِيرَةً عَظِيمَةً مِنْ شَعَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِأَنْ نَخْرُجَ إِلَيْهَا جَمِيعًا رِجَالًا وَنِسَاءً، كِبَارًا وَصِغَارًا؛ فَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَتَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ".
وَمِمَّا شَرَعَهُ اللهُ لَنَا: التَّكْبِيرُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ حَتَّى انْقِضَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ تَطْبِيقًا لِأَمْرِ اللهِ وَشُكْرًا لِنِعْمَتِهِ؛ كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة: 185].
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا بِتَوْفِيقِكَ، وَمُنَّ عَلَيْنَا بِكَرَمِكَ، وَزِدْنَا مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي رَمَضَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ الْمَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ الْمَخْذُولِينَ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِكَ، وَصَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم