المرأة في خطر

فواز بن خلف الثبيتي

2016-01-28 - 1437/04/18
التصنيفات: قضايا المرأة
عناصر الخطبة
1/ محاولات الأعداء استغلال المرأة لحرب الإسلام 2/ التحذير النبوي من فتنة النساء 3/ حال المرأة في الجاهليات القديمة والمعاصرة 4/ عزة المرأة في ظل الإسلام

اقتباس

فالوضع -عباد الله- أخطر مما يتصور كثير من السذج المغفلين، فحديث المرأة اليوم يحتل حيزا كبيراً من تفكير وكتابات ودراسات الباحثين في المجتمع، مما يجعل الواجب والمسؤولية على الدعاة والعلماء والمصلحين والخطباء عظيماً في توجيه وتوعية المرأة المسلمة بحقيقة ما يراد بها، وما يريده الأعداء منها، وكيف تحمي نفسها وبنات جنسيها من آثار وعواقب وآلام هذه الحرب الموجهة ضدها.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله -عز وجل- التي هي وصية الله للأولين والآخرين؛ (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131].

 

أيها الإخوة المؤمنون: لقد دأب أعداء الله من اليهود والنصارى ومن يخدم أغراضهم وينفذ مخططاتهم من المنافقين المندسين بين صفوفنا، من حملة الأقلام وكتبة المقالات، دأب أولئك جميعاً علي الكيد المبين والظاهر لأمة الإسلام... في أعز ما تملك، في دينها وأخلاقها وعرضها؛ بقصد تحطيمها وزعزعة أمنها ونشر الفوضى الأخلاقية والأمنية بين أوساطها، هذا ما يريدون ويتمنون، قال الله -تعالى-: (وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [آل عمران:118].

 

وقد كان -ولا يزال- هؤلاء الأعداء ماكرين في حربهم، إذ تفرسوا في أسباب قوة المسلمين، ثم اجتهدوا في توهينها وتحطيمها بكل ما أوتوا من مكر ودهاء.

 

لقد وجد هؤلاء المكرة من دعاة الفتن والشهوات، أن من أخطر أسلحة الفتنة والتدمير وأقصر الطرق للوصول إلي أهدافهم: المرأة! نعم، المرأة التي تملك مجموعة مواهب ضخمة أعطاها الله إياها جديرة بأن تبني بها الأمة، أو أن تهدم بها الأمة.

 

وقد حذر نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الأمة ورجالها من هذا المزلق الخطر الذي سلكه الأعداء لإفساد المسلمين، فقال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا! واتقوا النساء! فإن أول فتنة بني إسٍرائيل كانت في النساء"، "فاتقوا الدنيا"، ومع أن من متع الدنيا النساء، إلا أنه أعاد التأكيد والتخصيص لها: "واتقوا النساء"، زيادة في التحذير. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء". وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيها الناس: لقد ظلت المرأة المسلمة طيلة القرون المفضلة، مصونة متربعة علي عرشها، قارة داخل "مصنع رهبان الليل فرسان النهار"، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها، إلي أن فطن الأعداء الموتورون، الظاهرون والمستترون، ممن يمثلون قادة الفكر والأدب، وقادة الفن من المتحررين، فجاءت مخططاتهم المرسومة لشل المرأة المسلمة عن وظيفتها في البناء، والزج بها في مواقع الفتنة ومراذل الأخلاق، تحت شعار الحرية والتقدم والتحرر والتجديد.

 

يقول أحد أقطاب المستعمرين: "كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات"، ويقول أحد كبار الماسونية: "يجب علينا أن نكسب المرأة، ففي أي يوم مدت إلينا يدها فزنا وانتصرنا وكسبنا القضية". وسبقهم في ذلك السلف، فقال حسان بن عطية: "ما أُتيت أمة قط إلا من قبل نسائهم".

 

أيها الإخوة في الله: لا يشك صادق في أن انحراف المرأة كان هو السبب في انهيار وتمزق حضارات عتيقة، نزل بأهلها العقاب الإلهي، والتفكك والأمراض، كما وقع قديماً لليونان والرومان والفرس والهنود وغيرها من الممالك، وكما يقع ونسمع الآن في المجتمعات الغربية الكافرة ومن سار علي نهجهم من الدول والبلاد المسلمة.

 

فما قلب مسلم بصره في العالم المعاصر إلا ورأي سعار الشهوات وحمي المغريات تعصف بالناس، ويرى المرأة المسكينة تترنح تحت سياطها، وتصطلي بنارها.

 

وقد كرس الأعداء جهودهم وخططهم ووجهوا سهامهم لإفساد المرأة المسلمة، وخاصة في هذه البلاد مهبط الوحي ومبعث الرسالة، فعز على أعداء الله أن تبقي المرأة حرماً مصوناً طاهراً وحمى عزيزاً وجوهرة مكنونة في بلاد وأرض جزيرة الإسلام، عز عليهم أن تبقي فتاة الجزيرة صامدة أمام حملاتهم الشرسة، معتزة بحجابها، فخورة بحيائها، تري فتاة الغرب مضرب الذل والمهانة والتخلف، عز عليهم أن تبقي المرأة في هذه البلاد بعيدة عن مخالطة الرجال قارة في بيتها مربية لأبناء الأمة طائعة لزوجها، والزوج له القوامة، فأعلنوها حرباً ضروساً ومعارك طاحنة، لا يسمع فيها قصف للطائرات ولا دوي للمدافع والراجمات، ولكنها أقلام مسمومة مصلتة، وأفكار ومناهج مستوردة، قد نشرت بعد أن حيكت ودبرت.

 

إن المرأة المسلمة في بلادنا تواجه من هذا المد الإعلامي والدعائي الفضائي الهادر دعاوى منهزمة يصور فيها أن حياتها رزية، وحقوقها مسلوبة، وكرامتها مهدرة... وأن حجابها وحياءها وتقيدها بوظيفتها التي خلقت لأجلها هو السبب، حتى قالت إحداهن في إحدى المجلات: "عجبت لفتيات مثقفات كيف يلبسن أكفان الموتى وهن علي قيد الحياة؟".

 

ومن أقوالهم وكتاباتهم القريبة: "المرأة شق معطل، ورئة مهملة، والمجتمع بدونها إذا ما خرجت وشاركت وساهمت في دفع عجلة التنمية فإنه سيسير علي عكاز، إنها إن ظلت متمسكة بالموروثات -ويقصدون أحكام الدين- فسيعرقل ذلك مسيرتها نحو التحرر، إن الرجل ظلمها وضيق عليها الخناق في مجال الإنتاجية والتطور".

 

وقالوا: "فلا بد -إذن- من تحطيم الحواجز النفسية والعقد الذاتية التي أوجدها الجهل، وغذاها التعصب، وباركها الكنود، فلا بد من التعايش السلمي بين الجنسين، والتآلف بين الروحين، فالاختلاط ضرورة حياتيه، ومطلب حضاري، إنه -كما زعموا- يهذب المشاعر الجنسية ويقلل من حدتها، وحين تتعود المرأة علي لقاء الرجل وصحبته تتغير في ذهنها صورة الرجل بتأثير البيئة المتحفظة فلا يعود الرجل ذلك الذئب المفترس، ولا الحيوان الجائع، ولا الجسد الظامئ، ولا الكائن المرهوب"، قالوا: "فلا بد أن ننتهج سياسة الباب المفتوح، والنوافذ المشرعة، والهواء الطلق".

 

هذا من مطالبهم! وهذا عدا الدعوات المحمومة المتوالية لخروج المرأة من منزلها وتوظيفها في الفنادق والشركات، ومشاركتها في التمثيل والفن، ومساهمتها في الاقتصاد والتجارة الحرة، فضلاً عن المطالبة بقيادتها للسيارة وسفرها بدون محرم أو بإذن محرمها، ومشاركتها في مؤتمرات ولقاءات دولية وعالمية ثقافية واقتصادية وإعلامية وفنية ونحوها من وسائل المكر والكيد للمرأة.

ولو كان سهماً واحداً لاتقيتُه *** ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالثُ

 

 فالوضع -عباد الله- أخطر مما يتصور كثير من السذج المغفلين، فحديث المرأة اليوم يحتل حيزا كبيراً من تفكير وكتابات ودراسات الباحثين في المجتمع، مما يجعل الواجب والمسؤولية على الدعاة والعلماء والمصلحين والخطباء عظيماً في توجيه وتوعية المرأة المسلمة بحقيقة ما يراد بها، وما يريده الأعداء منها، وكيف تحمي نفسها وبنات جنسها من آثار وعواقب وآلام هذه الحرب الموجهة ضدها.

 

أيها الإخوة في الله: إن الحديث عن المرأة حديث الساعة كما يقولون، والذي يهمنا هو أن نستشعر أن الحديث عنها حديث يهم ويخص كل واحد منا، فما منا من أحد إلا وهو زوج لامرأة، أو أب لفتاة، أو أخ لها، أو ابن لأم.

 

وعلي الأخت المسلمة التي تسمع حديثنا عنها أن تعلم -ونشهد الله علي ذلك- أن حديثنا عنها إنما هو بدافع غيرتنا عليها كأخت لنا مسلمة نحرص علي صيانتها وحمايتها، ولسنا أعداء لها كما يصورنا المستشرقون والعلمانيون الشهوانيون، بل نحن أعداء لأعداء المرأة، وحرب لكل من هم أن يمسها بسوء.

 

أيها المسلمون: يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وصدق؛ فإننا إذا أردنا بيان خطورة ما يراد بالمرأة المسلمة، وإقناع المسؤولين عنها بذلك، فعلينا أن نتأمل كيف كرم الإسلام المرأة وأعلى شأنها ورفع منزلتها، ولا سبيل لذلك واستشعاره إلا بالرجوع ِإلي الوراء لنسأل التاريخ كيف كانت المرأة تعيش وكيف كانت تعامل قبل الإسلام، عند ذلك نستطيع أن ندرك زيف الدعاوى التي يروجها أعداء المرأة المسلمة اليوم، ونرد عليها، ونعرف حقيقة المهانة التي تعرضت لها المرأة عند غير المسلمين قديماً وحديثاً، فتستشعر وتؤمن أمهاتنا ونساؤنا وبناتنا وأخواتنا بعظيم نعمة الله عليهن، ورحمته بهن، وتكريمه لهن.

 

أيها الفضلاء الغيورون: لقد كانت المرأة في العصور الجاهلية ينظر إليها نظرة ازدراء وانتقاص، فكانت عند اليونان تعد من سقط المتاع، تباع وتشترى في الأسواق، قد شاعت الفاحشة بسببها، حتى أصبح الزنا أمراً مألوفاً غير منكر، مما كان نتيجته انهيار وانحطاط إمبراطورية الرومان العظيمة.

 

أما عند الرومان فكانت المرأة بمثابة عبدة لزوجها يفعل بها ما يشاء، بل ويحكم عليها في أي تهمة ولو بالموت.

 

أما الهنود فكانوا يعتقدون أن المرأة هي مادة الإثم، وعنوان الانحطاط الخلقي والروحي، فحرمت من جميع حقوقها الملكية وغيرها. بل كانت إلي عهد قريب إذا مات زوجها أحرقوها حية ودفنوها معه، وبقي هذا الوضع إلي أن دخل الاستعمار البريطاني الهند وفرض قانوناً يمنع ذلك. ومع ذلك فلا تزال إلي اليوم قضية إحراق الزوجة تقع من حين لآخر.

 

أما اليهود فيعتبرون المرأة لعنة لأنها أغوت آدم، وقد جاء في التوراة المحرفة: المرأة أمرّ من الموت، وكانت تعتبر خادمة ليس لها حقوق، وكانوا لا يورثون البنت.

 

ويرون أن المرأة إذا حاضت نجست، فتكون نجسة وتنجس البيت وكل ما تمسه من طعام أو متاع، فكانت تطرد من البيت، حتى إذا طهرت رجعت إليه، وبعضهم كان ينصب لها خيمة ويضع أمامها خبزاً وماء ويجعلها في هذه الخيمة حتى تطهر، فعن أنس -رضي الله عنه-: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها، فقال الصحابة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما نصنع يا رسول الله؟ فنزل قول الله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" رواه مسلم.

 

ويرى النصارى أن المرأة باب الشيطان، وأنها منبع الخطيئة، وينبوع المعاصي، فهي للرجال باب من أبواب جهنم. وفي القرن الخامس قرروا في مجمع لهم بأن المرأة جسد لها روح، ولكنها روح خبيثة، باستثناء مريم -عليها السلام- لأنها أم المسيح -عليه السلام-.

 

وقال أحد القساوسة لتلامذته: "إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم رأيتم كائناً بشرياً، بل ولا كائناً وحشياً، إنما الذي ترون هو الشيطان بذاته".

 

ويري النصارى أن المرأة إذا جاءها الحيض فإنها نجسة منبوذة محتقرة من كل شيء، إلي غير ذلك من صور الإذلال والإهانة للمرأة.

 

هذه هي آراء الأمم المتقدمة في المدنية والرقي الحضاري، قبل وأثناء جاهلية العرب قبل الإسلام.

 

أما عن حال المرأة في الجاهلية العربية، فقد كانت مهانة محتقرة أيضاً لا قيمة لها ولا مقام، كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته، إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته، ولا نعد النساء أمراً"، وفي رواية عنه قال: " كنا لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في أمورنا". فقد كانت تلقى من الزوج أو الأب أو الأخ إهانة واحتقاراً، حتى وصل الأمر إلي أن الزوج قد يقتلها.

 

وكانت تعد من المتاع الذي يورث بعد موت الزوج، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، حتى نزلت الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)".

 

وكان العرب من شدة شعورهم بالذل والعار من المرأة يئدونها حية، وكانوا يكرهون البنات كرهاً عظيماً تسودّ وجوههم يوم خروجها إلي الدنيا، وتظلم الدنيا في أعينهم من وجودها! (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) [النحل:58-59].

 

وكانوا يقولون لمن يولد له بنت: " أمّنكم الله عارها، وكفاكم مؤنتها، وصاهرتم القبر".

 

أما النكاح، فكان للمرأة في الجاهلية معه وضع مهين رذيل، تصف ذلك لنا عائشة -رضي الله عنها- كما في صحيح البخاري، قالت: "إن النكاح في الجاهلية كان علي أربع أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلي الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.

 

والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته -إذا طهرت من طمثها- أرسلي إلي فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.

 

ونكاح آخر: يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون علي المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع الرجل.

 

والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون علي المرأة لا تمتنع عمن جاءها، وهن البغايا، وكن ينصبن علي أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم الكافة، فمن كان أشبه به ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه، لا يمتنع عن ذلك".

 

فهل بعد هذه الحال من الهبوط والخسة والبهيمية حال أسوأ؟! قال الله -تعالى-: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50].

 

فذاك جانب وطرف من حال المرأة في الجاهليات القديمة وجاهلية العرب قبل الإسلام خاصة.

 

أما وضع المرأة في الجاهلية المعاصرة اليوم في ديار الكفر والتحضر المزعوم فحدث ولا حرج عن الإذلال والمهانة والمجون والخلاعة والابتذال والاستغلال في أقسى صوره وأبشع مظاهره التي لا يسيغها إلا ممسوخ الفطرة خبيث الطوية.

 

فمثلاً: أنواع النكاح التي ذكرتها عائشة -رضي الله عنها- والتي كانت سائدة في الجاهلية قد عادت في جاهلية القرن العشرين علي ما كانت عليه، وأصبحوا يفتخرون في حضارة الغرب أن المرأة ولدت سفاحاً وتكفلت الدولة بنفقتها ونفقة وليدها، ويكفي أن تعلموا أن في الولايات المتحدة أكثر من مليون ولد سفاح كل عام، وأن الدولة تنفق عليهم وعلي أمهاتهم العذارى كما يسمونهم، وهي أغرب تسمية يمكن أن تخطر بالبال لمثل هؤلاء الزانيات، ولكنها حضارة قلب المسميات ونشر الفساد.

 

بل نكاح الجاهلية الذي ذكر أرقى من نكاح جاهلية الغرب اليوم، فنهاك كانت المرأة تقول: قد علمتم الذي كان منكم، فهو ابنك يا فلان. تسمي من شاءت لا يمتنع عن ذلك، فيكون له بذلك أب وأم، أما في حضارة الغرب المنكودة فأبوه مجهول! ولكم أن تتصوروا كيف يعيش أبن لا يعرف له أباً! فجاهلية اليوم، وضع المرأة فيها أحط من جاهلية العرب قبل الإسلام وأشد وأرذل.

 

وهكذا الشأن في كل جانب من جوانب حياة المرأة، سواء في السفور أو العمل أو الاختلاط أو الفجور والزنا، أو الأسرة والرعاية والتربية.

 

أيها الإخوة المؤمنون: هكذا كانت المرأة في الجاهليات القديمة ولا تزال، بل وأشد في الجاهليات الحديثة والمعاصرة.

 

وليس للمرأة كرامة ولا عز، ولا إنسانية ولا حق، إلا في ظل الإسلام، الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- ليسحق الظلم، وليبدد الظلمات التي كانت تعيش فيها المرأة، جاء ليعيد لها كرامتها المفقودة، وحقوقها المهضومة، عبر تشريعات ربانية، وتوجيهات محمدية، نتأملها في الجمعة القادمة بإذن الله.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين...

 

 

المرفقات

في خطر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات