المرأة شق المجتمع المعطل

د ماجد بن عبدالرحمن آل فريان

2010-12-16 - 1432/01/10
التصنيفات: قضايا المرأة
عناصر الخطبة
1/ التناقض بين بطالة الرجال والدعوة لعمل المرأة 2/ حقيقة الدعوة لعمل المرأة 3/ تهجم الداعين لعمل المرأة على قواعد الشريعة 4/ تباين طبيعة الرجل والمرأة 5/ دور المرأة في بيتها

اقتباس

والمضحك المبكي أن هذه البلاد التي ينادون فيها بعمل المرأة تعاني من بطالة حقيقية ومقنعة، وهناك عشرات الآلاف من الرجال الذين يبحثون عن عمل فلا يجدونه، ومع هذا تقوم بعض المطبوعات بحملات إعلامية تتحدث عن نصف الأمة المشلول، ونصف الأمة المسجون، ونصف الأمة المعطل عن الإنتاج، ويطالبون بإخراج المرأة إلى ميادين العمل والإنتاج !! ويطالبون بفتح فرص العمل ومجالاته أمام المرأة ..

 

 

 

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره... 

أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى.

معاشر المسلمين: يؤكد المناصرون للتوسع في عمل المرأة على الجدوى الاقتصادية، والمساهمة في رفع إنتاجية الوطن، ويحلو لبعضهم أن يسخر ويشنع على المجتمعات الرجعية -كما يسمونها-؛ حيث تبقى المرأة فيها حبيسة بيتها، ويؤكدون أن بقاء المرأة في بيتها ما هو إلا خسارة اقتصادية فادحة للأمة، وأن ذلك يشبه أن يتنفس المرء برئة واحدة، أو أن يعطل نصف الجسم كالمشلول.

والمضحك المبكي أن هذه البلاد التي ينادون فيها بعمل المرأة تعاني من بطالة حقيقية ومقنعة، وهناك عشرات الآلاف من الرجال الذين يبحثون عن عمل فلا يجدونه، ومع هذا تقوم بعض المطبوعات بحملات إعلامية تتحدث عن نصف الأمة المشلول، ونصف الأمة المسجون، ونصف الأمة المعطل عن الإنتاج، ويطالبون بإخراج المرأة إلى ميادين العمل والإنتاج!! ويطالبون بفتح فرص العمل ومجالاته أمام المرأة.

ومع ما في هذه الدعوى من المغالطة، والجور على الرجال الذين لا يجدون أعمالاً، إلا أن هذا الربط بين خروج المرأة للعمل والتقدم الاقتصادي يغري كثيرًا من العامة، وكذا أصحاب المسؤولية، فأما العوام فغايتهم تحصيل المال، أو زيادة الدخل، وأما المسؤولون فرغبة منهم في المساهمة في عجلة النمو والتقدم الاقتصادي؛ فدعاة التغريب يضربون على وتر الاقتصاد، مستغلين حاجة الناس إلى المال، وحرص المسؤولين على تحسن الأداء الاقتصادي؛ لتمرير فكرة التوسع في عمل المرأة، في الوقت الذي يدعون فيه إلى نزع الحجاب، ومشاركة المرأة إلى جانب الرجل في العمل، فتتلاءم الأفكار التغريبية وتجتمع؛ لتحقق أهداف التغريب.

معاشر المسلمين: إن هذه الدعوات الملحة للتوسع في عمل المرأة وخلق فرص أكثر لعمل المرأة هو في حقيقته دعوة إلى إخراج المرأة من بيتها إلى أعمال لا تناسبها، مع ترك الوظيفة الأساس للمرأة، من رعاية بيت، وولد، وزوج، وهذا بقصد تحقيق عملية التغريب؛ إذ لا يمكن تحققها من دون التوسع في خروج المرأة من بيتها إلى أماكن لا تناسبها من الأعمال الشاقة، أو الأماكن المختلطة ونحوها، فهذه الدعوات في مآلاتها ومقاصدها دعوات إلى إفساد المرأة والمجتمع، ولسنا نتكلم عن توقعات أو تخمينات، بل إن منهم من طالب بتعيين المرأة السعودية مضيفة في الطائرات، وهذا في الحوار الوطني القريب.

ومنهم من يطالب أن تكون بائعة في المتاجر، ومندوبة مبيعات، وعاملة في استقبال المستشفيات، والفنادق، وفي الشركات، والمؤسسات، وبعضهم يدعو إلى إنشاء مكاتب نسائية للسفر والسياحة، ومكاتب الهندسة والتخطيط، كما يدعون إلى إدخالها في نظام الجندية والشرط، وإدخالها في السياسة، بل إن إحدى الصحف دعت إلى إنشاء مدرجات نسائية لتمكين البنات من مشاهدة المباراة في الملاعب وتشجيع اللاعبين، وقالت: مع مراعاة الشريعة الإسلامية!! هذا هو مفهوم التوسع في عمل المرأة، والتوسع في خروج المرأة الذي يدعون إليه، وهم الذين فسروه بهذه الأمثلة، وكل ذلك مما دعت إليه الصحف تحت مسمى إصلاح وضع المرأة.

وإذا أردت أن تفهم المقاصد التي يريدونها من هذه الدعوات، أضف إلى ذلك دعواتهم الأخرى في التحرر من الثوابت، والدعوة إلى تجاوزها بحجة تغير الزمن، ولا شك أن من ثوابت الدين تلك الأحكام التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، ومنها: تحريم الخلوة بالأجنبية، والاختلاط بها، وتحريم سفر المرأة بلا محرم، وقد تقدم بيان ذلك، فما موقفهم من هذه الثوابت؟! إنهم يهاجمونها ويشككون فيها، يقول أحدهم في جريدة عكاظ عن الحوار الوطني: "ولعل أول ما طُرح للحوار قضية الثوابت التي لا يجب التطرق إليها... وقد قرأت أن الحوار مع النساء في مركز الحوار يتم عبر دائرة تلفزيونية، فهل هذا أولاً من الثوابت؟! مع أن المرأة أصبحت تختلط مع الرجل...". ثم يقول عن النساء: "ثم إن عملهن قد يقتضي منهن السفر إلى الخارج، فهل من المعقول أن لا تستطيع الواحدة منهن السفر إلا بإذن من ولي أمرها، وكل هذا غيض من فيض من (الثوابت)، فهل نأمل من مركز الحوار أن يراجعها ويصحح وضع المرأةِ بعامةٍ في بلادنا؟!". هذا أحدهم.

ويقول آخر في نفس الصحيفة وهو يدعو الطالبات في المدارس الثانوية إلى السفور، إلى رفع الحجاب وكشف الوجه؛ معللاً ذلك: "بأنه أنسب للعصر".

ويقول أحدهم في صحيفة الوطن: "كيف قادتنا جاهليتنا الحديثة إلى أن قسمنا وجودنا وكياننا إلى قسمين قليلاً ما التقيا". ويقول أيضًا: "تحدثت في المساء ذاته عن إعجابي بما رأيته في مدينة كذا، رأيت مجموعة محترمة من بنات ذلك البلد يعملن جنبًا إلى جنب مع إخوانهن الشباب... كن يرتدين حجابًا لا يخفي الوجوه... تساءلت غاضبًا: ما الذي يمنع أن يكون لبناتنا الحضور نفسه؟!".

ويقول أحد دعاة السفور مطالبًا وزارة التربية بأن تفرض الاختلاط وتترك المرأة كما يقول: "تعمل دون عزلها في بنايات منفصلة". بل ويطالب بفرض السفور على العاملات؛ يقول: "كما في بعض الدول كالإمارات وماليزيا".

إذن هم يطالبون المرأة أن تعمل، ثم يطالبون بإلزام العاملة بالسفور، فهم يتدرجون، وكذلك محاربتهم لخصوصية هذه البلاد، ومعروف أن خصوصيتنا في هذه البلاد هي تطبيق الشرع في كل شيء، يقول أحدهم في صحيفة الوطن: "كلمتان متكررتان أصبحتا تسببان لنا كثيرًا من التصدع، وربما التخلف: (الخصوصية السعودية)، يقال: لا تنجرفوا مع العولمة؛ فنحن لنا خصوصية سعودية، أو علينا الالتزام بما لدينا؛ فنحن لنا خصوصية سعودية". ثم يقول: "علينا إجراء التغيير، لا مناص من ذلك، رضيت الخصوصية السعودية أم لم ترض".

ثم يتهجمون على قاعدة سد الذرائع لأنها حرمتهم من تحقيق مآربهم؛ يقول أحدهم في صحيفة عكاظ عن الفصل بين الرجال والنساء في الحوار الوطني، يقول: "التَّزمت والغلو هو الذي فرض التفريق والحجز بدعوى سد الذرائع".

والحاصل أنهم لا يدعون إلى التوسع في عمل المرأة فقط، وإنما إلى الاختلاط، وإلى كشف الوجه، وإزالة خصوصية البلاد، وتحطيم قاعدة سد الذرائع، فإذا جمعت تلك الدعوات عرفت أنهم يدعون إلى الفساد والانحلال، ولكن بطريقة ملتوية، نسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم.
 

معاشر المسلمين: ثم ننظر في دعواهم بأن بقاء المرأة في بيتها لرعايته، ولتربية أطفالها يعتبر تعطيلاً لطاقة المرأة، وضررًا على المجتمع، وتعطيلاً للتنمية، فنجده قولاً ملفقًا لا يستند إلى الواقع ولا إلى التجربة، وإنما هو دعوى تحتاج إلى مستند، وقد ثبت بالتجربة والإحصائيات أن التوسع في خروج المرأة لجميع فرص العمل لا يخدم عملية التنمية، بل يعود على الأمة بأضرار كبيرة؛ لأن المرأة تخرج للعمل فيتوقف عملها في بيتها، ويتحطم نظام الأسرة، ويضيع الأطفال، وينتشر الفساد والتحرش بالنساء.

وهذا واقع في كثير من البلاد العربية التي سبقت في التجربة الفاشلة، حتى وصلت حالة النساء إلى مرحلة تقزز منها بعض الكتاب والأدباء "المتحررين" الذين لا يهتمون بالتدين، وإنما ينظرون إلى الجدوى الاقتصادية فقط، وكان من نتيجة ذلك قيامهم بدراسة جدوى عمل المرأة في تلك البلاد، وتوصلوا إلى أن الإنتاج ينخفض بوجود المرأة، ودللوا على ذلك بالأرقام التي حصلوا عليها من الإدارات الحكومية، وقاموا بتحقيقات صحفية بارعة أثبتوا فيها أن المرأة في المكتب تقوم بإضاعة الوقت بالثرثرة، ووضع المساحيق والنظر في المرآة، وما زاد عن ذلك من وقت تزجيه في أعمال التريكو، وما تأخذه من دراهم قليلة تنفقها وأكثر منها في المواصلات، وفي أدوات الزينة واللبس المناسب للخروج، وفي أجر الخادمة، والمربية للأطفال، وتكون النتيجة النهائية خسارة اقتصادية فادحة، أما الخسارة الاجتماعية فأشد وأعتى، حيث يتحطم نظام الأسرة، وتزداد جريمة الزنا، ويستمرئ الناس السماع بحصولها، فلا المرأة عملت في بيتها وسعت في تربية أولادها، ولا هي التي عملت في الخارج ونفعت، بل لما توسعوا في عمل المرأة كان خروجها فتنة للمجتمع وفسادًا لأخلاقياته، وضياعًا في الأعمار، والجهود، فكثرة ظهور المرأة أمام الرجال يغري بها ويغري بهم، والسلامة في العمل في بيتها.

ولا يُلتفت هنا إلى من يريد استغفال العقول بكلام غير معقول، بادعاء أنه من الممكن ضبط وكبح الغريزة عند التقارب مع النساء، فمثل هذا الكلام لا ينخدع به إلا غرّ، وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن خروج المرأة مدعاة كبرى للتقارب والانجذاب، خاصة وأن دعوات خروج المرأة للعمل غايتها الاختلاط، وفي هذا تتحقق الفتنة، فإذا كان تعرض المرأة لنظر الرجال في كل حين مما يفسد القلوب، ويجرئ النفوس على العدوان، فكيف إذا صارت المرأة بين يدي الرجل في العمل، كل يوم، لساعات طويلة؟! لا شك أن الوضع سيكون مؤسفًا.

وهذا الكلام الذي نذكره هو ما شهد عليه الشهود من عقلاء الغرب الذين جربوا، تقول دكتورة غربية تحكي أزماتِ مجتمعها: "إن سبب الأزماتِ العائلية وسرَّ كثرةِ الجرائم في المجتمع هو أن الزوجةَ تركت بيتَها لتضاعفَ دخلَ الأسرة، فزاد الدخلُ وانخفض مستوى الأخلاق". إلى أن قالت: "والتجاربُ أثبتت أن عودةَ المرأة إلى المنزل هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي هو فيه". اهـ.

معاشر المسلمين: إضافة إلى التجربة في عدم الجدوى الاقتصادية من خروج المرأة هناك مكونات المرأة الخَلقية؛ فهذه الطبيعة التي جبلت عليها المرأة تتناسب مع عمل البيت، ولا تتناسب مع العمل في الخارج، فضعف بنية المرأة يعوّقها عن تحمل السعي في الأرض كل يوم، إضافة إلى ما يعتريها من الحيض على الدوام والنفاس، ويقابل ذلك في المرأة قوة بنية الرجل وتحمله السعي، وهو لا يعاني الأعراض التي تعانيها المرأة.

والتجربة تثبت أن الزج بالمرأة في العمل خارج البيت، تحميلٌ لها ما لا تطيق، فهذه الإحصائيات والتصريحات كلها تثبت أن أكبر غلطة وقعت فيها المرأة هي خروجها للعمل، تاركة عمل البيت.

إن نساءً كثيرات بلغن مناصب كبيرة تركن العمل، وأعلن أنهن أخطأن، وأن مكانهن البيت، والإحصائياتُ تقول: إن نسبة عالية من النساء العاملات يرغبن في الرجوع إلى البيت، هذا مع أن بعضهن يعملن في محيط نسائي، لكن يشعرن بالتعب البدني والنفسي والتقصير تجاه أولادهن، فكيف باللاتي يعملن في محيط مختلط؟! ولكي يكون الكلام موثقًا، فإليكم بعض هذه الإحصائيات والأخبار: يقول تقرير هيئة الصحة العالمية: إن كل طفل مولود يحتاج إلى رعاية أمه المتواصلة لمدة ثلاث سنوات على الأقل، وإن فقدان هذه الرعاية يؤدي إلى اختلال الشخصية لدى الطفل، كما يؤدي إلى انتشار جرائم العنف. وطالبت هذه الهيئة بتفريغ المرأة للمنزل، وطلبت من جميع حكومات العالم أن تفرِّغ المرأة لعمل البيت، وتدفع لها راتبًا شهريًا، إذا لم يكن لها من يعولها، حتى تستطيع أن تقوم بالرعاية الكاملة لأطفالها.

وفي عام 1999م شهد اليوم العالمي للمرأة نقل وقائع حفل تكريم المرأة السويسرية؛ وذلك لتفانيها في أداء واجباتها المنزلية، وإخلاصها وتحملها مشاق رعاية الأطفال وتربيتهم، وقد خصصت إحدى الشركات الكبرى جوائز قيمة لمن يستطيع من الرجال خلال أسبوع واحد أن يتحمل ويتقن تلك المهام، عرفانًا وتقديرًا لدور المرأة في هذا المجال.

أما عن بريطانيا فقد عرض التقرير دراسة علمية خلصت إلى أن الزيادة المطردة في عدد النساء اللاتي يخرجن من بيوتهن للعمل ستترك آثارًا وخيمة على نشأة الجيل وتربيته، وأثبتت الدراسة أن أبناء الأمهات العاملات هم أكثرُ الأطفال إخفاقًا وارتكابًا للشغب والجرائم، وأكثرُ تعرضًا للأمراض النفسية والمشكلات الاجتماعية، ولذلك نادى الباحثون الاجتماعيون ورجال التربية والتعليم إلى تجديد مفهوم "حقوق المرأة"، ليشمل أيضًا "حقوق الطفل".

وتشعر معظم النساء العاملات أن العمل أفقدهن ميزة الأنوثة والعاطفة والميل الفطري إلى الأمومة، وقد أوضحت الاستقصاءات التي أجريت مؤخرًا على النساء العاملات في أوربا وأمريكا وكندا واليابان أن 78% منهن يفضلن البقاء في المنزل من أجل تربية الأطفال.

"عصر المرأة الخارقة ولّى"، هذا ما وصفت به الصحف البريطانية ما فعله نساء مشهورات قررن الانحياز إلى الفطرة، وتفضيل الأمومة والأنوثة على الوظائف المجزية التي تدر الملايين، فـ"براندا بارنيس" قررت أن تتخلى عن وظيفتها كرئيسة تنفيذية لشركة "بيبسي كولا" وعن راتب سنوي قدره مليونا دولار، وتوصلت إلى قناعة مفادها أن راحة زوجها وأولادها الثلاثة أهم من المنصب ومن ملايين الدولارات، وأن المنزل هو مكانها الطبيعي الأكثرُ انسجامًا مع فطرتها وتكوينها. وقبل رئيسة "البيبسي" كانت "بيني هاغنيس" رئيسة "كوكا كولا في المملكة المتحدة" قد اتخذت القرار نفسه، لأنها تريد أن تنجب طفلاً وتصبح أمًّا، ومثل ذلك فعلت نساء كثيرات يشغلن مناصب مرموقة ويتقاضين أجورًا عالية.

"براندا بارنيس" أطلقتها صريحة مدوية عندما صرحت: "لم أترك العمل بسبب حاجة أبنائي لي، بل بسبب حاجتي لهم".

فهل يقرأ بعض نسائنا ممن يحاولن محاكاة الغربيات هذا الكلام، ويخففن من إصرارهن على العمل وترك بيوتهن، رغم أنهن لسن رئيسات لا لبيبسي كولا ولا لكوكا كولا؟! يجب أن تعلم نساؤنا أن المرأة التي تعمل في بيتها تعتبر عاملة وليست عاطلة، تعتبر نافعة لأمتها ساعية في استقرار مجتمعها، ليست نكرة ولا صفرًا، هي لبنة في بناء المجتمع وتماسكه، يعرف البيت قيمتها بفقدها، وإذا أردت أن تتبصر في هذا الأمر فما عليك إلا أن تعقد مقارنة بين بيتين من بيوت قرابتك إحداهما تعمل في خارج المنزل، والأخرى تعمل في بيتها لترى الفرق في الاستقرار وقلة المشاكل وحسن التربية، والقيام بحق الزوج وغير ذلك.

إن الطفل يتعلم أحسن العلم، ويتربى أحسن التربية، حينما يلقى الرعاية من والديه القريبين منه، وقد أثبتت الدراسات الطبية والنفسية أن المحاضن وروضات الأطفال والخادمات لا تستطيع القيام بدور الأم في التربية، ولا في إعطاء الطفل الحنان الدافق الذي تغذيه به، إن أهمية وظيفة الأم في بيتها من الحمل والوضع، والتربية والرعاية لم تُفهم حتى الآن إلى درجة كافية، مع أن هذه الوظيفة لازمة لاستقرار المجتمع وتماسكه وصلاح أبنائه، ومن ثمَّ فمن سخف الرأي أن نجعل المرأة تتنكر للأمومة، وللبيت، وتسعى خلف الأعمال التي تضيع بها المجتمع والبيت في وقت واحد.

نسأل الله أن يهدي نساء المسلمين، وأن يجنبهن مضلات الفتن.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

أما بعد:

فيا عباد الله: هذه حقائق واعترافات الأمم المتحررة التي سبقت في مجال عمل المرأة، ها هم اليوم ينادون برجوع المرأة إلى بيتها، ويأتي بعض القوم اليوم يخاتلون الأمة ويستغفلونها، منادين بأمور إنما هي من رجيع الأمم المعرضة عن الشرع، ولم يجنوا منها إلا الحنظل، وقد عصمنا الله منها ومن آثارها بشريعة الإسلام الغراء، والتي جاءت بصلاح البشرية جمعاء.

ونحن لا نستند في المنع من التوسع في عمل المرأة وخروجها بلا ضوابط إلى تجارب الأمم، بل إن قواعد الشريعة هي التي تؤصل لذلك، وذلك عندما حرمت السفور، والاختلاط، والسفر بغير محرم، وتوجت ذلك بجعل القوامة للرجل: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء: 34]، وأوجبت النفقة عليه للمرأة، فالشارع الحكيم أمر الرجل بالنفقة على من يعول، وإذ أمره بالنفقة فقد أمره بالسعي؛ لأن النفقة لا تأتي إلا بالعمل والسعي في الأرض، لكن المرأة لم تؤمر بالنفقة، فليس عليها إذًا سعي في الأرض للعمل، بل الشرع لم يوجب عليها أن تنفق على وليها الفقير لو كانت غنية، إلا هبة أو صدقة، فإذا لم يكن عليها أن تنفق على أحد، وليس عليها أن تعطي أحدًا من مالها إلا فضلاً، فكيف يوجب عليها العمل والسعي في تحصيل الزرق؟!

إن هذا يناقض الفطرة، ويقلب التشريع، بل إن الشرع أمر المرأة بالعمل في البيت، وجعل هذا تخصصًا لها، وذلك عندما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها". فعلم من هذا أن التشريع مبني على قيام الرجل بالعمل، بالسعي في الأرض، ومكث المرأة في بيتها تقوم بشؤونه، وليس عليها عمل خارجه إلا تفضلاً، أو لحاجة ونحو ذلك.

ثم إن ما ذكرناه من الأضرار والمفاسد في عمل المرأة إنما هو فيما ينادي به دعاة التغريب من التوسع في فرص عمل المرأة، حيث تعمل فيما لا يناسبها، أو في أعمال مختلطة، أو يتحتم عليها بسببها السفر بغير محرم، أو يلزمها التنازل عن حجابها بسببها، ونحو ذلك، فهذه هي التي تحرم؛ لما يترتب عليها من المفاسد الشرعية، والاجتماعية، أما إذا كان عمل المرأة بالضوابط الشرعية، بأن كان خلوًا من المحظورات السابقة، وكان لا يصلح له غيرها، وذلك كالتعليم في هذه البلاد، فإنه يجوز، وكذلك تمريض النساء في المشافي المخصصة للنساء، مع أن المرأة التي هي في غنية عن العمل، أو في المجتمع من يقوم مقامها فإنها تنصح بترك العمل، والتفرغ لبيتها؛ لأن المرأة العاملة يلازمها كثير من التقصير في رعاية أولادها وإشباعهم النفسي والتربوي، فقرارها في بيتها واشتغالها بأولادها أولى لها ولأولادها ولمجتمعها.

اللهم من أراد نساء المسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره...

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

 

 

 

 

المرفقات

شق المجتمع المعطل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات